اراءاهم الاخباررأي رئيسي

صفقة القرن بين نظام عربي فاسد وأمة وفيّة

اقرأ في هذا المقال

  • أفق المعركة مع الإحتلال
  • أصح أداة تحليلية
  • القدس عقيدة إسلامية والأمة مستأمنة عليها
  • شروط لنجاح صفقة القرن
  • كرّ وفرّ بين إحتلال ومقاومة
  • حقيقة القضية

ليست هي قضية حدود ولا حتى قضية وجود بل هي قضية حياة. كثيرا ما تنزلق بنا الدروب لنسميها تارة ( قضية فلسطين ) أو ( صراع عربي إسرائيلي ). لو كانت هذه القضية ثانوية لما أنزل في شأنها الله سبحانه سورة كاملة ( سورة الإسراء المكية ) والتي كان الأصحاب لفرط فقهم يسمونها ( سورة بني إسرائيل). قضية القدس قضية عقدية بإمتياز شديد بل هي آية من آيات الكتاب من أقامها أقام الكتاب ومن أهملها فقد أهمل الكتاب كما قال بحقّ الشيخ راشد الغنوشي منذ عقود. كثيرا ما تلجؤنا الإكراهات السياسية في حالة غفلة لنفتري على الحقيقة التي رسخها القرآن الكريم في بطنه منذ أربعة عشر قرنا كاملة وهي أن ( أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين آشركوا). يتجنب بعض الناس هذا ظنا منهم أن في هذا إساءة لليهود وما هو بذلك وإنما هو وصف إلهي لهم وهو وصف معلل في آخر الآية نفسها وعلته هي الإستكبار إذ قال عن النصارى أنهم أقرب مودة بسبب عدم الإستكبار وليس بسبب الإقتراب في الدين. وتعدية للعلة التي عليها يدور الحكم وجودا وعدما فإن العدو الأول للأمة الإسلامية هو الكبر والمستكبر. فما هو ذنبنا إذا تلبس ذلك الكبر البغيض بأكثر اليهود اليوم سيما أنهم مدعومون بقوى أمريكية وغربية وأروبية نافذة؟ أكبر دليل على أن تلك الصفة لا تعني ظلم اليهود أو غيرهم هو أن التنفيذ النبوي لتلك الحقائق القرآنية تشي بجلاء أنه عليه السلام لم يبدأ اليهود ولا غير اليهود بهجوم بل إنه أمضى معهم دستورا سياسيا وطنيا جامعا وما قاتلهم إلا من بعد أن أعلنوا خيانتهم له في ساعة عسرة شديدة. ومن الأدلة كذلك على ذلك أن اليهود لم يجدوا لهم مرحمة في الأرض كلها عندما إضطهدهم الرومان عدا أرض الإسلام وأمة الإسلام ولذلك تقع اليوم معابدهم وأقلياتهم في الشرق والغرب. حقيقة القضية إذن هي أن هذا الدين ( الإسلام ) وأهله لا مكان لهم فوق الأرض وأن عليهم دخول بيت الطاعة الصهيوني أذلة صاغرين وإلاّ فإن الحرب فوق رؤوسهم تشنّ بلا هوادة

كرّ وفرّ بين إحتلال ومقاومة

بدأت القضية عندما أراد الغرب التخلص من اليهود بطريقة ظاهرها الرحمة وباطنها البغض فكان مؤتمر بازل 1897 لتوفير وطن قومي لليهود. لم إختاروا لهم فلسطين؟ حتى أشد الناس حماقة فوق الأرض لن يعدم الصواب هنا ليقول أن المسألة ليست مسألة وطن قومي لليهود إنما هي مسألة زرع جرثومة فتاكة في رحم الأمة الإسلامية جغرافيا وتاريخيا لتفكيك الأمة من داخلها كما يفعل السرطان بأورامه بالتمام والكمال. فلسطين تقع في يمّ التاريخ الإسلامي فهي مهبط الدين كله تقريبا وهي تحتضن أقدم معبد في الأرض وموقع إستراتيجي في كل الإتجاهات. ثم تمادت الصهيونية الدولية التي تحرك كثيرا من الأنظمة الغربية في تفكيك الأمة فكانت إتفاقيات سايكس وبيكو ووعد بلفور الشهير 1916 و 1917. نشأت أول مقاومة على يد عز الدين القسام بعد ذلك بزهاء عقدين فقوبل ذلك وإستمرارا في تنفيذ الخطة الهرتزلية والبلفورية بإحتلال 1948 وقوبل ذلك نفسه بنشوء أوّل مقاومة منظمة مؤسسة أي منظمة فتح 1965. كان المناخ مناسبا دوليا إذ أن أكثر العالم الإسلامي يرزح تحت إحتلالات غربية وأروبية معروفة بل إن تلك الدول نفسها أفلحت في تجنيد مصطفى كمال للإطاحة بالخلافة التركية 1923 وهو الأمر الذي قوبل بنشوء أول حركة إسلامية منظمة مؤسسة في التاريخ الإسلامي أي جماعة الإخوان المسلمين 1928 التي لم تتردد بقيادة زعيمها ومؤسسها حسن البنا في المساهمة في حرب 1948 مباشرة متحدية الإحتلال الإنجليزي لمصر وبلفور هو وزير خارجية الإنجليز. وفي الأثناء كانت حربان مع الكيان المحتل 1967 التي أحتل فيها سيناء المصرية و1973 التي كانت فيها الغلبة للعرب لولا الخيانات الرسمية. وكان لا بدّ للكيان الغاصب أن يتوسع في إتجاه سوريا ليحتل الجولان. فلما أحس الغرب الداعم للإحتلال بخطر المقاومات الناشئة ( القسام ومنظمة فتح والإخوان ) بادر إلى مؤتمر الجزائر 1975 لنزع الوصاية العربية والإسلامية على المقاومة وخرج المؤتمر بقرار هو الأخطر في تاريخ القضية وهو أن المنظمة ( فتح ) هي الناطق الرسمي الوحيد بإسم فلسطين وبذلك إستفرد بها الغرب الداعم للإحتلال ورتب إتفاقيات فردية أخرى مع عدد من الأنظمة التي تسمى أنظمة الطوق فبدأ بإسطبل داوود المصري 1978 وفي الأثناء صعد الإحتلال من هجومه فشن حملة هي الأقوى على المنظمة في لبنان 1982 ( صبرا وشاتيلا ) وأكره القيادة على الهجرة إلى تونس . ومن آثار ذلك على لبنان الذي تسيره سوريا نشأت المقاومة بأمل الشيعية ثم بحزب الله .وبعد ذلك بسنوات قليلات ظهرت أول مقاومة أثبتت تأبيها عن التدجين الدولي وهي منظمة ( حماس ) 1987 وتوالت المقاومات الغربية نفسها فجوبه ذلك بمؤتمر مدريد 1991 ثم بمؤتمر أسلو 1993 ثم بإتفاقية ثانية مع الجبهة العربية وكان هذه المرة مع الإردن في وادي عربة 1994 . ثم تجمدت الحياة نسبيا بعد ذلك بين المقاومة وبين الغرب الداعم للإحتلال إذ أن الإتفاقيات بين المرحوم ياسر عرفات من جهة وأنظمة الطوق من جهة أخرى كفيلة بالتفرغ لجبهات أخرى ضد الوجود الإسلامي سيما أن الإتحاد السوفييتي في حالة تفكك لأول مرة بدء من إصلاحات قوربتشوف 1989. فكانت الحرب ضد الجمهوريات الإسلامية المستقلة أي البلقان 1995 . الخلاصة من ذلك هي أن الأمة لم تفقد روح المقاومة فما إن يتقدم العدو في إتجاه قلبها حتى تواجهه بالمقاومة والعدو نفسه ما إن يشعر بالخطر حتى يعدل بعض أجزاء إستراتيجيته فما إستقر حال للمقاومة بل أدى الأمر إلى شرخ خطير شق الصف الفلسطيني لأول مرة في إثر إستفراد منظمة حماس بإدارة غزة وما إستمتع الإحتلال بالأمن وفي المقابل نشطت حركة التطبيع نشاطا كبيرا سوى أنه ظلت دوما فوقية نخبوية لم تخترق العمق

شروط لنجاح صفقة القرن

يرتب الغرب الداعم للإحتلال شروطا لنجاح الصفقة ومنها ضرب جماعة الإخوان المسلمين التي لم ينل غيرها شرف المساهمة في الحرب العسكرية المباشرة وعلى أرض المعركة نفسها مقاومة للإحتلال سواها وذلك الغرب الداعم أعرف الناس فوق الأرض أن الإخوان المسلمين هم أعدى أعداء الإحتلال وبذلك أذن للسفاح السيسي لتصفية الجماعة حرقا بالنار في رابعة وما لم تحرقه النار يسجن أو يشرد. ومن تلك الشروط كذلك تواصل الحصار الجامع ضد حركة حماس سيما أنها ليست مقاومة فلسطينية فحسب بل إخوانية وأنها برهنت أنها مقاومة إيجابية وطنية لقنت العدو دروسا بليغة. ومن تلك الشروط كذلك الإستثمار في الإرهاب ونسبته إلى الإسلام بطريق تنظيم القاعدة أولا ثم تنظيم داعش ثانيا. ومن ذلك كذلك التعبؤ لضرب الثورات العربية الناشئة سواء بدعم أعدائها في الداخل أو بشن الحروب من الخارج لتحويل تلك البلدان إلى ما أسمته الوزيرة الأميريكة السابقة ( فوضى خلاقة ). ومن ذلك كذلك دعم مطلق وغير مشروط ولا محدود للسفاحين وإغراؤهم بالمال وبكل شيء فوقع في الشرك سفاح مصر السيسي ودولة الإمارات وبن سلمان السعودي وغيرهم وهي الأنظمة التي إما أن تكون قوية إستراتيجيا مثل مصر أو غنية مثل الإمارات. ومن ذلك كذلك شراء ذمم العلماء وقد وقع في الشرك كذلك من خيرة الفقهاء من مثل الدكتور عبد الله إبن بية وهو خسارة كبرى وعظمى وليس الحديث عن الدعاة الطفيليين الجدد من أمثال الدكتور عدنان إبراهيم وعشرات من دعاة السلفية والصوفية والدعاة اللبراليين وخاصة في مصر والخليج. ومن ذلك كذلك رفع مستوى الحرب الثقافية لتكون السامية عنوانا لإسرائيل الغاصبة في محاولة تزويرية للتاريخ والحقيقة بشكل فجّ لم يسبق له مثيل ومن ذلك كذلك تذكية التنوعات العرقية والمذهبية وخاصة بين السنة والشيعة ليكون الخرق من الداخل وتكون دماؤه أغزر

القدس عقيدة إسلامية والأمة مستأمنة عليها

هناك حقيقة هي الأرسخ في التاريخ وهي أن الأمة مهما ضعفت لن تموت وأن عقيدتها مهما هانت لن تضمحل بالكلية. القدس سورة من سور القرآن الكريم وهي المسرى النبوي وهي ثالث الحرمين ولا يرقب من الأمة في أي حال من ضعفها أن تفرط في ذلك لأنها تشعر في عمقها بل في لاوعيها أن القدس عقيدة وأنها أمانة عدا أن البسطاء الماديين عندما لا يرصدون من الأمة حراكا يظنون أن الأمة ماتت وما ماتت ولكنها تراكم مراكمات متتالية وتخزن كل شيء في عمقها كما يفعل الطفل الصغير الذي لا يعي ما يدور حوله ولكنه يرصد كل شيء فيسجله ويخزنه في مخياله. من الأمثلة على أن الأمة لا تستجيب عندما يتعلق الأمر بالعقيدة : التبشير الذي عقدت له مؤتمرات دولية أولها مؤتمر كولورادو بأمريكا1978 وبذلت فيه أموال وأرصدت له مؤسسات ودعاة وكتب وفضائيات ومدارس ولكن مات في المهد إذ لم تبع الأمة دينها بالمال حتى وهي جائعة تتضور

أصح أداة تحليلية

أصح أداة تحليلة عندما يتعلق الأمر عندي بالمحكمات العظمى التي أشربتها الأمة في سويداء قلبها هي أن الأمة الإسلامة تتركب من جزءين : جزء إسمه العمق وهو الصندوق الأسود للأمة الذي يسجل كل حركة ويكتفي بالتخزين فحسب. وجزء إسمه القشرة أو النخبة أو الجلدة وهو الدولة العربية وحواشيها ونخبها ونخب المجتمع المدني وغير ذلك مما لا يزيد على سنتمتر واحد من متر واحد كثافة وسمكا. عمق الأمة هو مخها الذي لا يتحرك ولكنه لا يتزلزل ولا يتردد في رفض كل ما يعترض مع الإعتقاد وبلا إرادية أحيانا. التطبيع مثلا. إذ أن الأموال التي أنفقت فيه لا تحصى ولكن الأمة ظلت وفية لعقيدتها لا تطبع ولكنها في الآن نفسه لا تحشد الطبول لذلك. ذلك هو معنى أن أصح أداة تحليلية في الإعتقاديات هي أداة العمق والقشرة. القشرة قابلة للتلون والتشكل والتبدل ولكن العمق لا يتأثر بشيء ليظل وفيا لما نفخ فيه أول وهلة وبلا ضوضاء ولا ضجيج

أفق المعركة مع الإحتلال

الأفق الزمني لا أظن أنه سيحسم قريبا ذلك أن التوازنات فوق الأرض مازالت مختلة ومنخرمة لصالح العدو وأذنابه وداعميه بشكل كبير. أما الأفق المادي فأظن أن قالة المرحوم الغزالي قد ألقاها على فيه ملك إذ قال : لن تتحرر فلسطين ويسقط الإحتلال حتى تسقط أنظمة عربية. الكلام صحيح لأن النظام العربي في جزء منهم كبير يدعم الإحتلال دعما حقيقيا وصحيحا وجزء آخر منه يخافه ويخاف داعميه أكثر من خوفه الله سبحانه. الأمة وفية لا تبالي بكل ذلك فهي مطمئنة على عقيدتها والقدس من عقيدتها ولكنها لا تحرك ساكنا. أخر كلمة في ذلك الأفق هي أن العالم يشهد موجات وعي وتحرر كبيرة وواعدة وتتوسع وإيماني أن المقاومة دون التحرر في أوطاننا يتجه نحو تحرير فلسطين ولكنها مهمة طويلة الأمة وهي مهمة أجيال في إثر أجيال. والله أعلم

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق