منوعات

شوّال 3 هجرية : معركة أحد وعبر ثمينة

 

في مثل هذا الشّهر (شوّال من العام الهجريّ الثّالث) وقعت معركة أحد التي سجّلها القرآن الكريم محورا رئيسا من محاور سورة آل عمران. هي غزوة شنّتها قريش ضدّه ـ عليه السّلام ـ ثأرا لهزيمة معنوية وعسكرية ثقيلة منيت بها قريش في بدر قبل ذلك بشهور. سمّيت في السّيرة والتّاريخ (معركة أحد) نسبة إلى جبل أحد المعروف على تخوم المدينة. قال عليه السّلام فيه (أحد جبل يحبّنا ونحبّه) حتّى لا يتسلّل شرك التطيّر إلى المسلمين فيظنّوا أنّ الجبل الذي هزموا فيه ذات يوم نذير شؤم. وكثير ما يتسلّل شرك التطيّر إلى المسلمين. كان عدد المسلمين فيها ألفا. فلمّا خذل المنافقون الجيش وهو في طريقه إلى أحد هوى العدد إلى ثلثيه. وكان عدد المشركين مضاعفا. هي غزوة قرشية جديدة بسبب أنّ أرض المعركة على تخوم المدينة وتبعد عن مكّة مئات الأميال. كتب الله النّصر في البداية للمسلمين فلمّا دبّ الخلاف في فرقة الرّماة فوق الجبل ونزل بعضهم يجمع الغنائم إهتبل أبو سفيان الفرصة ووجّه إلى المسلمين ـ وهم في سفح الجبل ـ ضربة موجعة وقتل منهم سبعين. بل تعرّض النّبيّ نفسه ـ عليه السّلام ـ إلى هجوم تكسّرت فيه رباعيته وخدش وجهه الكريم

من عبر أحد العظمى

الإنسان هو من يصنع فوزه أو وزره

جاء الوحي صحيحا صريحا يحمّل المسلمين الهزيمة بقوله (قل هو من عند أنفسكم). وذلك في إثر قول بعضهم أنّى نهزم وفينا رسول الله عليه السّلام ونحن مسلمون وخصومنا كفّار وغير ذلك ممّا يسري فينا نحن اليوم سريان النّار في الهشيم. جاء هذا القانون السّننيّ الصّارم يفرغ الأفئدة من المعتقدات الجاهلية أنّ الهزيمة تكون بسبب قوّة الخصم أو كثرة عدده أو عدّته أو لطمة عين حسود أو تطيّر أو غير ذلك ممّا تلجأ إليه أفئدة لا إيمان فيها. جاء هذا القانون السّببيّ الأكبر يملأ القلوب أنّ الإنسان هو من يصنع فوزه إذا آمن بعناصر الفوز وعمل بها متوكّلا على ربّه سبحانه. وهو نفسه من يصنع وزره إذا خلا فؤاده من تلك العناصر. كان يمكن للوحي أن يسلّي المسلمين ويعزّيهم أنّ خصومهم مشركون وكفّار ومعتدون. وهو حقّ. ولكنّ إعمال الحقّ في غير محلّه باطل. صدمهم بتلك الحقيقة الصّارمة ليجعل منهم رجالا يعلمون قوانين النّصر وسنن الهزيمة. فلا يفيئون إلى جبرية عقدية قوامها أنّ الإنسان مسيّر لا حيلة له ولا إلى قدرية أقذر منها قوامها أنّ الإنسان سيّد فوق هذا الكون فلا قول إلاّ قوله ولا فعل إلاّ فعله. قل هو من عند أنفسكم : هي أكبر عبر هذه المعركة. وهي عبرة تعبر الزّمان والمكان لنتعلّم منها نحن اليوم دروسا. هزيمتنا نحن اليوم في أكثر من مكان وفي أكثر من حقل ومجال ليس وليد صدفة عمياء ولا بسبب قوّة خصم أو شدّة عتاد إنّما تفسّر هزيمتنا بتخلّينا نحن عن صقل أنفسنا بمراهم الوحي الذي أكرمنا به. هذا القانون الصّارم يدحض المرفأ الآمن الذي يفيء إليه القاعدون والبطّالون. وهو التّفسير التّآمريّ. الأرض كلّها متآمرة ضدّنا ولذلك هزمنا. للوحي الكريم قول في دور الخصم مهما كان عنيدا وهو قوله سبحانه (لن يضرّوكم إلاّ أذى). وعندما تجمع هذين القانونين (قل هو من عند أنفسكم) و(لن يضرّوكم إلاّ أذى) يعتدل ميزان التّفكير. لو كان العدد وحده ـ ولا حتّى العدّة وحدها ـ كفيلا بجلب النّصر فكيف إنتصر هؤلاء أنفسهم قبل شهور في بدر العظمى؟ محقّق إذن أنّ النّصر معادلة مركّبة فيها العدد والعدّة والحيل العسكرية. ولكن فيها ما لا مناص منه : إستجماع عناصر النّصر الرّوحية والفكرية ومنها طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله عليه السّلام والصّف المرصوص الواحد وغير ذلك

الشّورى محطّة عظمى من محطّات النّصر

دأب عليه السّلام على مشاورة النّاس عندما تدلهمّ الأيّام حتّى يغرزنا بحقنة العمل الجماعيّ وينقذنا من عبادة الذّات. شاور النّاس في هذه المحطّة المفاجئة هل يخرج إليهم أم يظلّ في المدينة مدافعا عنها. كان رأيه أن يدافع عن المدينة من داخلها. وهي الوسيلة المعروفة بحرب الشّوارع والأزقّة. إذ يحتمي المقاتلون بحصونهم ومآويهم ويسهل إقتناص المعتدين. ولكنّ نتيجة الشّورى كانت تتّجه نحو الخروج إلى مقارعة المعتدين في جبل أحد. طعنة الرّمح السّامة التي علينا إحتساؤها هنا هي أنّه إذا كان محمّد عليه السّلام قد أخضع نفسه إلى نتيجة الشّورى وهي على غير هواه فكيف نخترع دينا جديدا يصنعه بعض المتزلّفين من العلماء وأذناب البلاط لنلغي الشّورى ونكذب على أنفسنا وعلى ربّنا أنّها معلمة لا ملزمة؟ عندما يلغو تراثنا في مثل هذا السّفساف فليس لنا سوى طيّه وإهالة التّراب عليه. وعندما يقترف تراثنا مفسدة أخرى قوامها إضفاء الشّرعية الدينية والمدنية معا على حكم المتغلّب بالسّيف وإسداء الطّاعة له قهرا فلا يسعنا سوى دفن مثل هذه السّفاسف. نحن ندين لله ولرسوله عليه السّلام بما جاء في النبراس الشّافي من كتاب وسنّة. وما عدا ذلك محكوم بهذا القانون الأعظم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. الإستبداد السياسيّ الذي ينحر أمّتنا اليوم نحرا من الوريد إلى الوريد يجد له في تراثنا الفقهيّ سندا فاحشا. عندما نعلم علم اليقين أنّ محمّدا عليه السّلام أخضع نفسه لنتيجة شورى هي ضدّ هواه هو فما علينا سوى التّعبّؤ من جديد بحمية فكرية وروحية قوامها أنّ المقاومة ضدّ الإستبداد السياسيّ هو جهاد العصر. وهو أصلح عمل يقرّب إلى الله سبحانه توازيا مع المحكمات العقدية والتعبّدية والقيميمة. توازيا معها وليس بعدها. لو كان لزوم الشّورى محطّة من محطّات الهزيمة لما جاءت سورة آل عمران بقوله سبحانه (وشاورهم في الأمر) بعد حصول الهزيمة العسكرية الثّقيلة في أحد. هذا دليل على أنّ لزوم الشّورى حتّى من نبيّ مرسل فريضة في الشّأن الدّنيويّ. وليس هي معلمة فحسب أو نافلة أو منّة من الدّولة كما دوّن في تراثنا وبه ينعق اليوم ناعقون كثيرون يحرّفون الكلم عن مواضعه كما فعل بنو إسرائيل مع كتابهم. خسر المسلمون معركة أحد ولكنّهم كسبوا قيمة عظمى من قيم دينهم وهي أنّ الشّورى ملزمة يخضع لها النّبيّ. وما أدراك ما النّبيّ. القرآن الكريم يطفح بقيم الشّورى طفحا عجيبا. هذه بلقيس تستشير مجلسها الأمنيّ القوميّ وهي تتلقّى كتابا من سليمان عليه السّلام. وهذا القرآن الكريم يشيد بذلك الصّنيع لعلّنا نعتبر. وهذه أسرة محكومة بالشّورى. وهي أسرة شيخ مدين إذ إجتمعت الأسرة وأخذت برأي البنت التي أشارت بإنتداب موسى عليه السّلام خادما للأسرة بأجر معلوم. ولكنّنا نريد إلغاء كلّ ذلك لعلّ الدّولة العربية المفسدة ترضى عنّا أو يرضى عنّا المنافقون أو أهل الكتاب

الولاء للقيمة وليس للشّخص

ما تقول في قوله سبحانه وهو يسطّر العبر في سورة آل عمران تعقيبا على معركة أحد (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مّات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم)؟ لا أقول فيها عدا كلمة واحدة. وهي أنّ الولاء للقيمة التي جاء بها الوحي الكريم والرّسول نفسه ـ عليه السّلام ـ جزء من الوحي. إذا كان القرآن الكريم يستنكر على المسلمين أن ينفضّوا عن معركتهم التي فرضتها عليهم قريش إذ أشيع أنّ محمّدا عليه السّلام قتل أو مات حقيقة وليس إشاعة فإنّ هذا لا يعني سوى أنّه يريد أن يحقننا بأنّ الولاء للقيمة التي جاء بها ذلك الرّسول نفسه. وليس لأيّ شيء آخر. الأمر هنا متلبّس أشدّ التلبّس. لأنّ الحديث هنا عن موته عليه السّلام أو قتله. حتّى لو وقع هذا في معركة عسكرية فإنّ الولاء يظلّ للقيمة التي جاء بها ذلك الرّسول نفسه الذي مات أو قتل. طريقة القرآن الكريم في الحقن بقيمه العظمى طريقة عجيبة. ذلك أنّه يذهب إلى أبعد الإحتمالات الممكنة حتّى لا يبقي في النّفس أيّ ريب. إذا كان قتل نبيّ أو موته لا ينفي القيم التي جاء بها هو نفسه إلى النّاس فهذا يعني أنّ أيّ ولاء لغيره هو ولاء مزيّف لا عبرة به عند الله سبحانه. هي طريقة تنفي كلّ ريب في شرعية القيم التي جاء بها الوحي الكريم. هذا التّوجيه لكم هو اليوم لنا شفاء ونحن نخلط كلّ الخلط بين القائد وبين القيمة. يكون ذلك القائد ناجحا أو فاشلا أو يكون قائد دولة أو قائد حزب أو جماعة أو حركة. هي حقنة ناجعة ومصل مفيد يجعلنا نحفظ مسافة الأمن المطلوبة بين تقدير ذلك القائد النّاجح وبين الولاء للقيمة. ولكن سرعان ما ننزلق من الولاء إلى القيمة إلى التّسبيح بعظمة القائد. أمرنا عجيب

حبّ الدّنيا بشراهة من أكبر عوائق النّصر

لا ريب في أنّ السّبب المباشر لهزيمة أحد هي نزول بعض الرّماة من الجبل ظنّا منهم أنّ المعركة حسمت. ولا مناص من المشاركة فيما ظنّوه غلولا. لذلك قال سبحانه (منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة). ولذلك جاءت آية الغلول هنا لتوحي إلينا أنّ ما فعله بعض الرّماة إن هو إلاّ ضرب من ضروب الغلول. أي الأخذ من المال العام دون إذن من الدّولة. وقبل ذلك أقحم النّظم القرآنيّ العجيب قضية أكل الرّبا بلا مقدّمات وهو في أوج الحديث عن أحد وعبرها. ترى لم؟ الأمر لا يحتاج ذكاء وقّادا لنعلم أنّ أكل الرّبا والشّراهة وحبّ الدّنيا هي عوائق عظمى في وجه النّصر. الأمر شبيه بما وقع لهم في بدر قبل شهور. ذلك أنّ الله سبحانه حوّل وجهتهم من حبّ غير ذات الشّوكة (قوافل أبي سفيان وما فيها من طعام) إلى ذات الشّوكة. وهي القتال. أنكر عليهم هنا تلك الشّراهة حتّى وهم في حاجة إلى الطّعام والمال سيما المهاجرين منهم الذين مازالوا بصدد تأسيس أوضاعهم الجديدة في بلد جديد. عندما يريد الوحي تأسيس القيم الكبرى فإنّه يعبّد لها الطّريق تعبيدا. فلا محاباة ولا حلولا وسطى. الرّسالة هي أنّ النّصر ـ ذلك المنّ الإلهيّ الأعظم ـ لا يحبى به شره يأكل الرّبا أو يغلّ من الغنيمة قبل قسمتها أو يسعى نشيطا خلف قافلة أبي سفيان فإذا نجت تقاعس. يريد القرآن الكريم أن يصنع من هذه الثلّة الأولى المؤسّسة جيلا قرآنيا فريدا بتعبير الأديب الكبير سيّد قطب رحمه الله. خاصّة جيل التّأسيس في كلّ معركة جديدة وملحمة جديدة في الزّمان والمكان. لا مناص له من تربية قاسية. ثمّ تخلف خلوف تخلط الصّالح بالفاسد. القيم الكبرى لا بدّ لها أن تتجسّد في أجيال التّأسيس دوما. ولذلك نجلّ نحن اليوم تلك الأجيال المؤسّسة ونقول : ربّنا إغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا

ثمن النّصر الثّاخن موت في سبيل الله

لم يتحدّث القرآن الكريم عن الشّهادة في سبيل الله سبحانه سوى في موضعين. في الزّهراوين معا. بإقتضاب في الزّهراء الأولى. وبتوسّع في الزّهراء الثانية التي عالجت معركة أحد. ذلك أنّ المسلمين فقدوا لأوّل مرّة في حياتهم عشرات من خيرة إخوانهم في غضون سويعات. كانت وقعة ذلك عليهم كبيرة. هم الذين مازال طعم النّصر في بدر في حلوقهم. كان كبيرا عليهم أن يعودوا من أحد إلى المدينة وزهاء سبعين من خيرة رجالهم ماتوا هناك. ومثلهم وربّما أكثر منهم جرحى. خلّفت المعركة ثكلى وأرامل وأيتاما وضياعا. وكان لكلّ ذلك ثقله الأكبر على النّفوس. دأب النّظم القرآنيّ فيما سبق على حقنهم بأنّ سبب الهزيمة هو هم أنفسهم بكلّ بساطة. الآن يعالج جراحاتهم النّفسية الثخينة. ولذلك ظلّ في آيات كريمات يعزّيهم بفقد أحبابهم أنّهم شهداء عند الله سبحانه . بل هم أحياء عنده يرزقون. بل هم يستبشرون بإخوان لهم لمّا يقضوا نحبهم. كلّ ذلك ليعيد بناء عقولهم بناء يحسن فقه الحياة ورسالة الحياة والموت وما بعد الموت. وتوازيا مع ذلك الحزن السّاري في صفوف المسلمين نشأت ناشئات الإعلام التّشويشيّ داخل المدينة نفسها من لدن المنافقين وغيرهم بهجة بهزيمة المسلمين الذين فقدوا عشرات من رجالهم. وتمحّل بعضهم بالقول أنّ أولئك الرّجال لو كانوا عندنا ما قتلوا وما ماتوا. كلّ ذلك يفعل فعله في النّفوس. فجاء الوحي بجرعات ثخينة مسلّية معزّية ومصحّحة قضية الموت والحياة والآخرة وكاشفة عن حياة روحية حقيقية لأولئك الشّهداء. كلّ ذلك لعلّ الصّدور المؤمنة تسكن إلى ربّها راضية. وقع الموت وخاصّة الفجئيّ منه ليس وقعا يسيرا. ويظلّ الإنسان إنسانا لا ملكا. كانت في تلك الأيّام محطّات إعلامية نشيطة تنقلها الألسنة وتبثّ فاجعات. من مثل أنّ محمّدا عليه السّلام زجّ بالنّاس في معركة غير متكافئة فكانت الثّمرة مرّة أو أنّه أخذ برأي الأغرار فأطعم بطون قريش رجاله. هي محطّات تشويشية لا تنفكّ. ولذلك قاومها الوحي بإعلام مضادّ. الصّمت في مثل هذا من لدن المؤمنين هو صمت قاتل. لأنّ الكلمة هي التي تصنع النّصر وتصنع الهزيمة معا. أيّ وظيفة للّسان والقلم والصّورة والفضاء والأثير إذا لم يوظّف كلّ ذلك لمقاومة الكلمة الخبيثة بكلمة طيّبة. التّعويل على الإيمان وحده سذاخة لا يطمئنّ إليها الإيمان نفسه. أقول هذا لأنّ من دروس أحد : مقاومة الإعلام الخبيث المضلّل بإعلام طيّب مصحّح. أقول هذا لأنّ فشلنا الإعلاميّ المعاصر في أغلب الفترات فشل ذريع وغير مبرّر. قيمة الشّهادة في سبيل الله اليوم قيمة لا تلقى حظّها عند النّاس بل عند كثير من المؤمنين. يقع خلط شنيع بين المقاومة في سبيل الله وما يقتضيها من موت وجراحات وفقد وبين الإرهاب. لمن يبحث جادّا عن الحقّ الأبلج فإنّ الحقّ الأبلج مكانه دوما هو مكان بؤبؤ العين أي مكانا دقيقا عزيزا فلا يظفر به إلاّ مجتهد مثابر ومجاهد غير مغامر. حملت معركة أحد ذلك العدد الواسع من الشّهداء ولو لم يكن الأمر كذلك لإفترست قريش محمّدا نفسه عليه السّلام ومن معه من المؤمنين ولإجتاحت المدينة فأذلّت أعزّة أهلها ولأسّرت من أسّرت من الحرائر. وعند الهزيمة كثير منّا يصاب بالحول. فلا ينظر إلاّ إلى ما نسمّيه خسائر. ولو نظرنا في تلك الخسائر نفسها من زاوية أخرى لعرفنا أنّ تلك الخسائر كانت ثمنا نجّانا به الله من خسائر أخرى مضاعفة. لكلّ ذلك جاءت سورة آل عمران معزّية مواسية حانية رفيقة تمسح الجراحات وفي الآن ذاته تعلّم النّاس أسباب النّصر وأسباب الهزيمة

أيّ علاقة بين موضوعات آل عمران

يسمّى هذا علم المناسبات. هو علم طرقه بعضهم طرقا خفيفا ومازال بكرا يحتاج إلى طرق آخر أعمق وأوسع. موضوعه ـ وهو ينتمي إلى البيان الموضوعيّ لا الموضعيّ والمقاصديّ لا الوسائليّ والجامع لا الجزئيّ ـ هو أيّ علاقة بين محاور مختلفة المواضيع في سورة واحدة. أيّ علاقة ـ مثلا ـ بين التبنّي والخندق في سورة الأحزاب؟ وفي صورة الحال : أيّ علاقة بين معركة أحد والعقيدة النّصرانية التي جاءت قبيلة نجران بسيّديها عام الوفود إلى المدينة تجادل عن دينها؟ إحتلّ المحور الأوّل عشرات الآيات ثمّ تحوّل الحديث عن أحد. أيّ علاقة؟ هذا موطن فقهيّ عظيم لمن يبذل فيه عقلا وبحثا ومالا وزمنا. العلاقة بين الأمرين عنوانها أنّ الجهاد والجهاد صنوان لا يفترقان. الإجتهاد حجّة وبرهانا منه عليه السّلام لأيّام طويلات في مسجده حوارا مع قبيلة نجران حول الإسلام والنّصرانية. والجهاد قتالا ومالا وصبرا ضدّ قريش الغازية في أحد. كلاهما عمل صالح. كلاهما قربى فلا يفضّل هذا على ذاك ولا ذاك على هذا. لا أفضلية لأيّ عمل صالح في الإسلام عن غيره عدا أفضلية الزّمان والمكان والحاجة والضّرورة. كلّ عمل صالح إستجمع حاجاته وضروراته فلبّاها هو أصلح عمل. تلك هي رسالة الجمع بين أكبر محوري الزّهراء الثّانية : الحوار السّلميّ مع المخالفين جهاد عندما يكون في حقّه. ومقاومة المعتدي إجتهاد عندما يكون في حقّه. الحياة الإسلامية : جهاد ضدّ المعتدي وإجتهاد ضدّ المخالف. وما عدا ذلك عبث معبوث يتسلّى به الفارغون. من جاهد بلا إجتهاد أوشك أن يكون معتديا. ومن إجتهد بلا جهاد أوشك أن يكون إجتهاده ترفا فكريا

خلاصة العبر

نحن اليوم في هزيمة شبه شاملة. وعبر أحد مبسوطة لنا في كتاب لا يضلّ ولا ينسى فلا عذر لنا إن نشدنا أسباب النّهضة من الوهدة في غير هذا الموضع. ولو لم تكن أحد مفعمة بكلّ تلك العبر ممّا علمنا وممّا لم نعلم فلا مشروعية لعبرها أن تتزيّن بها سورة آل عمران. أمّا التّلاوة الباردة ونحن في يمّ أحد جديدة فهي تلاوة تسرّ العدوّ وأجدر عندها بهذا الكتاب أن يضلّ تعاويذ تتلى على الموتى والمرضى ولا أمل له في إصلاح سياسيّ أو إقتصاديّ أو إجتماعيّ أو قيميّ. أليس تلك هي أمانيّ العلمانية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى