اراءرأي رئيسي

سبع سنين.. صدمة جيل على أريكة الإفصاح

إنها فرصة إنصات نادرة لبوْح شبّان وشابات على أريكة الإفصاح، بما يمنح فسحة تلصّص على أقدار من خصوصيّاتهم وأشكال من انفعالاتهم. يقترب العمل الوثائقي “في سبع سنين” على مدار ساعة كاملة من شخصيات شابّة منتقاة، دون أن يزعم أنها ترسم الصورة الكاملة للواقع الشبابي الذي ارتبط بالميادين العربية المنتفضة؛ وإن عمد إلى تأطير المضامين وتحديد نطاقها.

أثار الفيلم الذي بثّته قناة “الجزيرة” نقاشاً ساخناً وتجاذبات، وأطلق تساؤلات عدّة في الأفق العربي، وتبقَى الحاجة قائمةً إلى “سنة ثامنة” أو ما بعدها؛ كأعمال تكميلية للاستدراك ولاكتشاف جوانب أخرى من الواقع أو للتعرّف على ما طرأ من تحوّلات لاحقة على وجوه العمل المشهود مثلاً، أو لمنح الخبراء والمحلِّلين والنقّاد وشهود المرحلة فرصة التعليق والتعقيب والتفسير والاستشراف.

لعلّ وثائقياً آخر عنوانه “حكاية بنت اسمها إسراء” يُتيح شيئاً من ذلك؛ رغم أنه أسبق زمناً في البثّ من “سبع سنين”، فقد عُرض في نيويورك سنة 2018 تحت عنوان The Story of Esraa دون أن يجد فرصته لدى الجمهور العربي.

على أريكة الإفصاح
تناغمت المشاهد مع خصوصية كل حالة، فتشكّلت رومانسية الانعتاق الوهمي، مثلاً، مع مشهد خروج شابّة إلى الشارع حاسرة الرأس لأوّل مرّة ونسمات الهواء تداعب أطراف شعرها

تعبِّر الحالات التي ظهرت في “سبع سنين” عن صدمة جيل؛ لا عن جيل بحياله؛ رغم انتساب معظم الشبّان والشابّات الذين ظهروا فيه إلى جيل الميادين العربية المنتفضة. فالوثائقي يعرض جوانب من المشهد أو نتفاً نوعية منه؛ وليس المشهد بأكمله.

ليس من الإنصاف ذمّ عمل بدعوى أنه اختصّ حالاتٍ معيّنة بالعرض، فهي موجودة في الواقع وإن قلّت؛ واستعراض حالات لا يقضي بادِّعاء تمثيلها الواقع الذي استُلّت منه. وقد حرص العمل على إثارة التساؤل عن قدرة هذه الحالات الفردية على تمثيل الحالة العامة، وترك الإجابة معلّقة دون حسم.

ليست الوجوه التي ظهرت في العمل بمثابة عيِّنة عشوائية، وإنما هي حالات منتقاة على عيْن تسلّط الأضواء على مفعول الصدمة في التحوّل إلى اختيارات متطرِّفة اعتقادياً أو مسلكياً أو سياسياً؛ أو اختيارات تحمل طابعاً عدمياً بالأحرى. ولا تنفي هذه الحالات نقيضها، فوجود التطرّف أو العدمية لا يُلغي الاستقامة والالتزام القيمي في الواقع، ولا ينبغي للتحوّلات الجارفة والانكسارات المعنوية أن تطمس نماذج معبِّرة عن وعي رشيد وتضحيات عزيزة؛ وإن حُجِبَت قصصها عن وعي الجماهير.

لاحَظ بعض المعلِّقين، مثلاً، مواصفات المشهد المرئي في فيلم “سبع سنين” واعتبرها بعضهم تحيُّزاً من العمل إلى سرديات معيّنة جاءت فيه. ويبدو أنّ مَن تناوَلوا مضامين محدّدة من الوثائقي بأسلوب المقاطع المجتزأة من سياقها؛ لم يتشكّل لديهم تصوّر أمين عن مضمونه العريض، وهو ما يُفَسِّر، نسبياً، بعض الردود الصارمة التي وُوجِه بها عندما حاكمته بمنطق لحظات مُستلّة من سياقه العام، وإن كان للجمهور الحقّ في قراءات خاصّة به مع نقد الأشكال والمضامين بالطبع.

أجواء البوح

نسَج العمل أطيافاً وجدانية تتماهى مع حالات البوْح كلّ على حدة، مستعملاً فنيّات الإضاءة والإعتام وزاوية الالتقاط وحركة الكاميرا والمواصفات البصرية والمؤثرات الصوتية في سبيل ذلك، بما تناسَب إلى حدٍّ ما مع طبيعة كل إفصاح وحالته الوجدانية. تناغمت المشاهد مع خصوصية كل حالة، فتشكّلت رومانسية الانعتاق الوهمي، مثلاً، مع مشهد خروج شابّة إلى الشارع حاسرة الرأس لأوّل مرّة ونسمات الهواء تداعب أطراف شعرها.

لدى انتقال الفيلم إلى الضفّة الأخرى من الشبّان أخذ المشهد يتماهى مع حماسة متأجِّجة في ميدان القتال مشفوعة بالموسيقى التصويرية النشطة، حتى أنه مكّن المتحدثين من الظهور في الوضعية المثالية التي ينشدونها مع قطع سلاحهم بالأسلوب الذي اجترحته مقاطع “القاعدة” مثلاً في بواكير القرن الحالي؛ بجلوسهم أرضاً وإسناد البندقية الآلية إلى الحائط.

لم يكتَفِ العمل بهذه الانطباعات الأوّلية ولم يرضخ لسطوتها، فمضى يُنقِّب عن دواخل كلٍّ من الشابّات والشبّان بأسئلة مسدّدة للاستنطاق؛ مشفوعة بمواصفات الالتقاط المصوّر، بما منح انطباعات أعمق نسبياً عن كلٍّ منهم. انتهت “إسراء”، مثلاً، إلى مشهد الجلوس وحيدة في منتصف أريكة البوْح؛ بما يشي بوطأة العزلة التي تكتنفها بعد أن انسلّت من مجتمعها وصارت تبكي وحيدة قبل النوم، بينما بدا شاب مسلّح عالقاً في سؤال الجدوى من النهج البديل الذي اتّخذه؛ دون أن يجد خطّ رجعة عنه.

بحثا عن الصورة الكاملة

تسرَّع بعض المعلِّقين في التركيز على جزئيّات من وثائقيّ “في سبع سنين” بمعزل عن سياقها، على حساب النظرة الإجمالية للعمل ككلّ. يجوز الافتراض بأنّ التناوُل التجزيئي بأسلوب استلال مقاطع قصيرة من سياقها قد يخدم أهدافاً استعمالية ذات اليمين وذات الشمال، وهو ما قد يقع أيضاً في بعض المساعي التأويلية لمضمونه في خدمة توجّهات كلّ طرف أو أولويّات كلّ منبر.

إنّ اقتطاع مشهد معيّن وترويجه قد يبدو خدمة سخيّة لدعاية “لوبي الإلحاد”، وقد يُفهَم من اجتزاء مقطع آخر أنه تحريض على اللجوء إلى العنف المسلّح، وقد يُفضي مقطع ثالث على هذا المنوال المُجتزأ إلى استنتاجات مضلِّلة في اتجاه آخر. لكنّ العمل في مشهده العريض لا يُسدي خدمة إلى دعاية الإلحاد إن استُحضِر بكليّته وضمن سياقاته، وكذا بالنسبة للمجموعات المسلّحة ومقولاتها؛ فالوثائقيّ لم يعبِّر عن اختيارات اعتقادية رشيدة أو عن نفسيّات متوازنة؛ وإنما كشف عن كيانات إنسانية هشّة قلّبتها عواصف المرحلة حتى فرّت من سمات الذات الجمعية والنسق المجتمعي، دون أن تمنح إفصاحاتُها رشفةً إقناعية بسلامة ما هي عليه أو برُشد الوجهة التي انزلق إليها كلّ منها، وإن أظهرت الإفصاحات استعلاء الحيْرة وهيْمنة الشكوك على رؤوس تستشعر أزمتها ومأزقها وانسداد السبل أمامها.

لعلّ المتاهة هي التعبير الأصدق عن حال وجد فيها هؤلاء الشبان والشابات أنفسهم، وإن تحصّن بعضهم باختياراتهم وتذرّعوا بشعاراتهم وحاولوا التعبير بثقة عن جدوى ما انتهَوْا إليه بأسلوب المكابرة أحياناً. أعطى الوثائقي فرصةً نادرة نسبياً للإنصات والتلصّص، لكنّ أعمالاً كهذه لا تزعم أنها تمنح الصورة الكاملة. ينثر “سبع سنين” تساؤلاتٍ شتّى في الأفق باتجاه استكمال الصورة وتأويل التحوّلات النفسية والاجتماعية والثقافية الكامنة فيها واستشراف آفاق الموقف الراهن، رغم ما انطوى عليه من إشكاليات في عرض الموضوع وتضييق النظرة إلى سياقه بجعلها مُحاصَرة في المسألة الدينية أو ملف الإلحاد.

ربما تأتينا “السنة الثامنة” في هيئة عمل تكميلي؛ على منوال كتاب “العادة الثامنة” الذي وضعه ستيفن كوفي بعد رواج كتابه “العادات السبع”!. ودون انتظار ما قد يأتي أو لا يأتي، فإنّ فحص المشهد وسبر أغواره وتعقُّب بعض تفاصيله مُتاح من مداخل شتى، منها الوثائقي الآخر “حكاية بنت اسمها إسراء”.

في كل الأحوال؛ لا ينبغي اعتبار الوجوه التي ظهرت في “سبع سنين” ممثِّلةً حصرية للجيل، فهي بالأحرى تعبير عن مشهد الانكسار فيه، أي مَن سحقتهم المرحلة تحت وطأة صدماتها وضغوطها وانقشاع آمالها وسقوط وعودها.

من المبالغة أن تُعَدّ الوجوه التي ظهرت في الفيلم معبِّرة عن جيل، لكنها تَصلُح للتعبير عن صدمة جيل بالأحرى؛ من خلال حالات ذاهلة تملّكتها الحيرة واستبدّ بها القنوط حتى تطرّفت في أحكامها وجنحت في اختياراتها. إنه تطوّر متوقّع في مواسم الهزّات والصدمات والضغوط، وبمفعول تحوّلات متسارعة في مجالات عدّة تنتاب الواقع البشري في هذه المرحلة، ومثله حدث ويحدث في بيئات أخرى عبر العالم وإن اختلفت تعبيراته.

وثائقي في مرمى التجاذبات

تشبّعت النقاشات عن هذا العمل لدى بعض المعلِّقين بنزعة إنكار؛ قابلتها نزعة تعميم وتضخيم تكاد تُسبِغ الحالات التي عرضها الفيلم على جيل بحياله واعتبارها ممثِّلة شاملة لشباب الميادين. قوبل العمل بذمّ واستنكار من جانب؛ وترحيب به وحفاوة بالغة من جانب آخر؛ ولم تَغِب التعليقات المتوازنة والرشيدة بين الجبهتيْن. رأى بعضهم في “سبع سنين” فرصة جديدة لتحميل الحركات الإصلاحية التي انكسرت تجربتها في الميدان مع انكفاء ما عُرِف بالربيع العربي؛ مسؤولية حصرية أو جزئية عن “ضياع هؤلاء الشباب” وحيرتهم، وبدا أنّ بعض المعلِّقين استعملوا الوثائقيّ في تأكيد مواقف سابقة يُلحّون عليها بلا هوادة.

حَسِب بعض الذين علّقوا على الفيلم أنّ هؤلاء الشباب لديهم قصور في فهم الدين أساساً، وهو استنتاج لا يبعُد عن الحقيقة؛ لكنّ القصور يمتدّ إلى كيفية فهمهم العالم وإلى منطقهم في الحكم على الواقع أيضاً؛ بما ساقهم إلى تشكيل قناعات مضطربة على النحو الذي ظهروا عليه، حتى عمد مُحاوِرَهم إلى إسناد جبهته إلى الحائط في المشاهد الختامية تعبيراً عن هوْل ما سَمِع منهم.

ومن وجوه النقد التي قوبل بها العمل؛ ملمح التقابلية التي رسمها بين النزعات الإلحادية والالتحاق بمنظمات مسلّحة، وهو نقد يبدو منطقياً من منظور الموقف الاعتقادي أساساً؛ لكنّ فهم العمل بمنظور أوسع، أو من زوايا متعددة، كفيل بتجاوز الإشكال الذي تسبّب به العمل ذاته من خلال تحميل مضمونه على الحالة الدينية رغم أنه متجاوز لها ولو بشكل جزئي. كان لاستهلال الفيلم واختتامه بإشارات إلى دراسة عن الحالة الدينية مفعوله في تشكيل هذا الانطباع الذي يتجاهل مضامين أوسع اشتمل عليها. بل إنّ المشاهد الأولى التي ابتُدِئ بها الوثائقي لم تكن خفيفة الوطأة على حسّ المشاهدين بما اشتملت عليه التصريحات الاستهلالية لبعض وجوه العمل من مضامين مُفاجئة أو صادمة نسبباً في مسائل محسوبة على الدين والإيمان، بما اختزله في هيئة “فيلم عن الإلحاد”.

هل هو فيلم عن الإلحاد؟
سيول الجماهير التي احتشدت في الميادين هي من المجتمع أساساً، ولم يكن التقاؤها تحت شعارات جامعة ليعني أنّ هذه الملايين كانت جميعها محصّنة من تأثير الهزّات والصدمات

عرض العمل الوثائقي شهاداتٍ فردية لا يبدو أنّ جمهور المشاهدين تهيّأ لاستيعابها كما ينبغي، فجرى تغليب التعامل مع فيلم “في سبع سنين” على أنه مكرّس أساساً لتناول مسألة الإلحاد، رغم أنّه قابِل لأن يُشاهَد من زوايا نظر أوسع؛ تتعلّق بحالات الحيْرة والصدمة والذهول التي تعتري أوساطاً من الشباب العربي بعد مرحلة مأزومة ومضطربة لا زالت ذيولها تتفاعل. ورغم انفتاح المضمون على تناولات أوسع؛ إلاّ أنّ بدايته وخاتمته وجّهتا الاهتمام صوب المسألة الإلحادية. فالحالات الفردية التي جيء بها، والتي لها ما يشبهها في الواقع بالطبع، وُضِعَت في سياق دراسات سابقة عن الحالة الدينية ومؤشِّرات اليقين الديني لدى الشباب، صدرت عن مؤسسة غالوب (2009) ومركز الجزيرة للدراسات (2017)، بينما الفيلم ذاته هو من إنتاج شبكة “الجزيرة” أيضاً، بما يمنح الانطباع بأنّ الوثائقي حوصر بمنطق دراسات سابقة عليه.

غنيّ عن البيان أنّ المسألة الإلحادية لا يمكن حصرها في نماذج عاشت الصدمات وقاست الضغوط بعد خبرات مؤلمة في الميادين المنتفضة، كما أنّ الحالات المعروضة في الوثائقيّ لا يمكن فهمها من خلال المسألة الاعتقادية وحدها؛ فالناظم المشترك بين الحالات في جبهتيْ التناول، أي الحيرة الوجودية والمروق الاعتقادي من جانب والانخراط في جماعات مسلّحة من جانب آخر؛ هو هشاشة الشخصيات إزاء ضغوط المرحلة وتحوّلاتها الصادمة، فالعمل يمنح إطلالة نادرة نسبياً على تأثير التحولات الضاغطة والصدمات التي تعاقبت على شبّان وشابّات لم يتهيّؤوا لاحتمالها.

إنّ تركيز النقاشات عن الفيلم على مسألة الإلحاد؛ غيّب فكرته المركزية المتمثِّلة في انهيار آمال جيل وانقشاع أحلامه، فهو يرصد حالات اهتزّت وتطرّفت من جيل تهاوَت أحلامه ووجد ذاته متروكاً بلا مأوى معنوي، علاوة على الفواجع والأزمات التي صُبّت عليه. لكنّ الوثائقي ذاته ساهم في توجيه النقاش في اتجاه الإلحاد من خلال مداخل التناول التي بدا بعضها مُقحَماً على العمل.

للمَشاهِد المتعاقبة في وثائقيات البوْح؛ سطوتها على وعي بعض المشاهدين، بما تنطوي عليه من سرديّات ذاتية تتزاحم فيها الشواغل “المحيِّرة”، وبعضها محسوب على “الأسئلة الوجودية” النمطية. لكنّ الجمهور الذي يحوز منسوباً معقولاً من المعرفة ويباشر تشغيل روح التمحيص لديه ويستدعي حسّه النقدي؛ لا يسعه أن يغفل عن أنّ كلّ هذه الحيْرة التي استبدّت بوجوه العمل على ضفّتيْه لا تُعدَم إجابات سهلة ومُتاحة لمن يطلبها باقتدار من مظانِّها بيسير النظر والتدبِّر. لكنّ رؤوس الفتيات والفتية لم تنشغل بأسئلة مجرّدة بالأحرى؛ وإنما هي في المقام الأوّل مواقف جارفة وتمظهرات لمأزق وجداني يتذرّع بالاعتقاد عند بعضهم وبالسلاح عند بعضهم الآخر، وهو ما يشير إلى سِمَة مشتركة التقى فيها جميعهم تقريباً وإن افترقت مسالكهم.

إنّ الصدمات التي أُخضِع لها هذا الجيل كفيلة بأن تبعث ارتدادات لا تقلّ حدّة وضراوة إن جُرِّبت في بيئات أخرى، فالحالات التي ظهرت في “سبع سنين” متوقّعة سلفاً مع الفرد المستسلم لأزماته وحيرته، أو الإنسان الذي (خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) سورة المعارج.

معرفة هشة وخبرات داهمة

لا تنفكّ المعضلة الجوهرية التي يعرضها الفيلم عن أنها أزمة مجتمع، أو عن أزمة واقع بمكوِّناته عموماً. يجوز الاستنتاج أنّ تغييب حركات إصلاحية عن المشهد بسطوة القهر وفظاعة السحق؛ أظهر انكشاف المجتمع على هذا النحو وأسفر عن ضعفه في جاهزية التعامل مع تحوّلات المرحلة واستحقاقاتها؛ بما فيها حيْرة محسوبين على الأجيال الجديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّ الحركات الإصلاحية كانت مقتدرة على احتواء هذه المعضلة كما ينبغي.

 

إنّ سيول الجماهير التي احتشدت في الميادين هي من المجتمع أساساً، ولم يكن التقاؤها تحت شعارات جامعة ليعني أنّ هذه الملايين كانت جميعها محصّنة من تأثير الهزّات والصدمات التي تعاقبت عليها “في سبع سنين”. داهمت الخبرات المفاجئة وعيَ جيلٍ لم يتهيّأ لها، وفي بعض التعبيرات الواردة على الألسن في العمل الوثائقي ما يشي بذلك، كقول الشابة “سُنّة” في سياق حديثها: “أول مرّة أشوف ..”، “أول مرّة أسمع ..”. على هذا النحو تردّدت في الفيلم أقوال ترسم ملامح “صدمة ثقافية” فعلت فعلها في رؤوس الشبان والشابات الذين ظهروا فيه، من قبيل القول: “احنا ما كُنّاش عارفين حاجة”، “أول مرّة أسمع بكده”، حتى أنّ أحدهم أقرّ بأنه لم يكن يعرف كارل ماركس مثلاً، بينما اعتبرت الفتاة “إسراء” والفتى “حسن”، مثلاً لا حصراً، أنهما لم يكونا يعرفان شيئاً عن التيّارات الأخرى في البلد أو المدينة أي خارج الوسط المجتمعي المباشر.

بعد أن أسفر الذين ظهروا في العمل عن ضحالة معرفتهم وشحّ خبرتهم مِن قبل؛ كشفت إشاراتهم اللاحقة عن جاهزية مُفرِطة لتلقّف رؤى بديلة وعن ضعف ظاهر في القدرة على تمحيصها، فانقلبت وجهاتهم رأساً على عقب بمجرّد الاحتكاك بوسط مجتمعي مختلف مثلاً (كما في حالة طالب في جامعة القاهرة) أو الانخراط في نسق شبابي مغاير (كما في حالة “إسراء”) أو حتى لدى مشاهدة مقطع عابر في الشبكة (كما في حالة أحد الشباب المسلّح).

مفعول المعرفة السطحية

أشار شاب جامعي عاش تقلّباته الفكرية إلى مفعول الثورة في الانفتاح على تعددية الأفكار والآراء التي يحملها ثوّار الميادين، وهو ما يكشف عن مأزق الانغلاق السابق المفترض على رواية أحادية دون تمحيصها كما ينبغي؛ وكيف تتهاوى القناعة بها سريعاً في أذهان حامليها على غير بصيرة بمجرّد الاحتكاك مع مشارب أخرى في مخيم جماهيري مفتوح بحجم الميدان.

 

إنّ الذين استدرجهم وثائقي “في سبع سنين” بمهارة إلى أريكة البوْح هم في الواقع شبّان وشابّات شحنتهم الميادين المنتفضة بآمال التغيير، لكنهم أقرّوا بأنهم كانوا محدودي الثقافة من قَبْل، ولا يصعُب استنتاج أنهم ما زالوا على هذا تقريباً رغم منعطفات تدَهوَروا في وديانها ومحفوظات جديدة أخذوا يردِّدونها. تقول “إسراء” معبِّرة عن هذه الحقيقة: “قبل الثورة (25 يناير) ما كنتش فاهمة أي حاجة”. ويبدو أنّ اكتشاف الذات في لحظة خروج الجماهير من قمقمها عاد بارتدادات جسيمة على وعيها بعد أن أخفق المشهد الجماهيري في تحقيق وعوده.

جيل بلا مأوى

مثّلت حركات إصلاحية، ثمّ تجمّعات الميادين المنتفضة لاحقاً، بيْتاً معنوياً لقطاعات مجتمعية عريضة، وصارت بعض هذه القطاعات من بعدُ بلا مأوى مع انكسار التجربة وانفضاض الجمع وسقوط الشعارات. جاء البحث عن “شقّة” بديلة، كما في وثائقي “حكاية بنت اسمها إسراء”، تجسيداً رمزياً لتحوّلات حادّة طرأت على بعض الشبّان والشابّات. إنها محنة ترسم ملامحها مؤشِّرات النزوح الداخلي والهجرة الخارجية والمخاطرة بالإبحار صوب فردوس أرضي موهوم، علاوة على اتجاهات الانتقال المكاني من الرِّيف إلى الضواحي ومن نقطة جغرافية إلى أخرى. يتضافر مع هذا الانتقال الوجودي واقع مستجدّ ينسلّ معه الأفراد من المجتمع المرئيّ إلى مجتمعات غير مرئيّة في الواقع الشبكي، زيادة على تفكّك الأسرة والفصام العاطفي داخلها وتراجع حيوية العلاقات الإنسانية وإن لم تخبرنا بذلك الصور الذاتية المُفتعَلة.

يتعطّل المجتمع وتتضاءل قدرته على احتواء الحالة، وتستقيل نخبُه وتسقط رموزه في اختبارات الواقع وتهوي قياداته من عيون الجماهير، بينما تتضعضع التشكيلات المجتمعية وينهار المجتمع الأهلي/ المدني الهزيل أو يصير اعتمادياً على أعطيات الدول المانحة بأولوياتها المفروضة، وتبحث نخبة شبابية صاعدة عن فرصتها بالتعاقد مع مصالح خارجية في السوق والمنظمات غير الحكومية. وما تمتاز به خبرة شبان الميادين المنتفضة زيادة على هذا كله؛ أنهم جرّبوا الاعتقال والسجن والتعذيب والإذلال والإصابة والمطاردة والمنفى، وهذا كلّه بالنسبة لمَن بقي منهم على قيد الحياة.

فقدان الثقة بالنخب

تشترك الحالات التي جرّبت البوْح على أريكة الإفصاح المرئية على الشاشة؛ في استقباح المجتمع وفقدان الثقة بالنخب. أعرب شاب جامعي يعيش تحوّله الاعتقادي عن فقدانه الثقة بالنخب؛ متمثِّلة لديه بنموذج عمرو خالد الذي كان مُلهِماً له في ما مضى ثم اكتشف أنّ مواقفه السياسية خلال الثورة “مُخزية”، حسب تعبيره. وجد الشاب ذاته ضمن جيل بلا قادة، بعد أن سقطت نماذجهم البازغة من عيونه تباعاً. تكرّر هذا عند آخرين، منهم “إسراء” في تعبيرها عن فقدان الثقة بالنخبة بعد “أحداث محمد محمود”. إذ تشير الفتاة في فيلم “سبع سنين” إلى لحظة محددة من التطوّرات السياسية والميدانية المصرية كإحدى تراكمات التحوّل بالنسبة لها، هي ما عُرف بأحداث ميدان محمد محمود في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011. ضربت هذه اللحظة بسدّ معنوي بين القوى الإصلاحية المحسوبة على المشرب الإسلامي، وأوساط من الشباب المحسوب على الميادين؛ أو “شباب الثورة” بالتعبير الرائج وقتها، على خلفية الموقف من استمرار المظاهرات وقتها.

جسّدت تلك اللحظة أزمة الثقة بين أوساط شبابية وقيادات مجتمعية وسياسية من الخلفية الإصلاحية التي توصف عادة بالتيّار الإسلامي. لكنّ النقد الذي ساقته “إسراء” في هذا الشأن يعزِّز الانطباع بأنّ تحوّلها الذي اتّخذ صفة اعتقادية لاحقاً لم ينشأ أساساً من تفكُّر في الوجود أو من مراجعة فاحصة في شأن الدين؛ وإنما تضافرت في إنتاجه إحباطات وخيْبات أمل وردود فعل مع تأثير التحوّل في الوسط الاجتماعي الذي تحرّكت فيه؛ لاسيّما مع اقترابها من وسط شبابي محسوب على خلفية يسارية.

معادلات الدرجة الأولى
لا يصحّ التغافل عن مأزق التكوين لدى النخبة الشبابية الطليعية في الميادين العربية، فضلاً عن دوائر جماهيرية أوسع ضمن المشهد ذاته، علاوة على معضلات مشهودة لدى نخب مجتمعية محسوبة على “الإصلاح” و”التغيير”

يبْقى حمل السلاح خياراً متوقّعاً من شباب لا يرى خريطة طريق بديلة بعد أن حَسِب أنه استنفد الخيارات جميعاً. إنّ الشبان المسلّحين الثلاثة الذين ظهروا، كلّ على حدة، في العمل ملثّمين، هم تعبير جليّ عن انقشاع وعود الميدان الجماهيري المنتفض بشعاراته السلمية التي طالبت بحرية الشعب وكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية.

يُظهِر العمل شباباً مسلّحاً بخبرة سياسية معدومة تقريباً وبمعرفة دينية ضحلة للغاية وبهشاشة فكرية ظاهرة للعيان؛ دون أن يمنعه ذلك من أن يتعامل مع المصادر ويباشر التأويل ويجترح الأحكام ويعقد الخيارات الحتمية بمنطقه الخاصّ؛ بما يخدم إجاباته المُسبَقة المُختزَلة على أسئلة واقع؛ هو في حقيقته فائق التعقيد. كثيراً ما يقوم الجموح في الأحكام على أساس اختزال المعادلات المعقّدة التي تتزاحم فيها العوامل والمتغيِّرات وتتشابك فيها الظروف والملابسات؛ فيُؤتى بها في هيئة معادلة الدرجة الأولى الميسّرة؛ التي لا تكون بطبيعتها وفيّة في التعبير عن الواقع كما لا تحتمل الاعتراف بتعقيداته، وهي تتصوّر ضمناً أنّ الحلّ مُيَسّر أساساً ومتاح بمجرّد الإقدام على خطوات إجرائية تحمل وعوداً حالمة.

تحرِّض النزعةُ المثالية لدى جيل الشباب على إذكاء التفكير الاختزالي المسطّح عند بعضهم، لأنها تقوم على مزاعم وفرضيّات لم يمتَحنها الصاعدون في الواقع بعد. وتستبطن معادلات الدرجة الأولى نزوعاً إلى خيارات مُطلَقة أو مراهنات صِفْرية، بمنطق “إمّا/ أو”، وهو ما يتردّد بالفعل على لسان شاب مسلّح، مع توجّهات عجولة تسأم سريعاً أو تنهار آمالها العريضة على صخرة إحباطات التجريب الأولى.

إنه جيل لم يقرأ التاريخ، ولم يفقه سنن الاجتماع، واستبدّت به شعارات حالمة اتّخذها بعضهم معياراً للحكم على التجارب؛ فانقلب الشعار إلى مقصلة معنوية للتجارب ذاتها التي بدا أنها لم تحقِّق وعودها. وهو جيل عُبِّئ مسبقاً بقوانين مزعومة في دورات “التنمية البشرية” وكتبها المبجّلة، التي تسطو مزاعمها المُغالِية على الإنسانيات والاجتماعيات والفلسفات، وتدور حول فكرة أنّ الفرد مسؤول عن واقع يكتنفه؛ طالما أنّ “العالم سيكون جميلاً لو قرّرت أنتَ أنه جميل، وأنّ النجاح هو قرارك أنت، وأنّ العملاق يكمن فيك وينبغي عليك إخراج ماردك من جوفك”!. الوجه الآخر لهذه المقولات غير الواقعية أنها تتجاهل الواقع وتميل إلى تحميل الذات المسؤولية عن انتكاساته؛ بما يُفضي إلى جلد الذات واستسهال الإحساس بالعدمية عند الصدمة الأولى.

فعَلَت هذه المقولات الرائجة فِعلَها في وعي جيل الميادين العربية المنتفضة، عندما أبصر شعارات الميدان وهي تنهار على رؤوسه في لحظة انكفاء التجربة أو انكسارها. وما أذكى الحالة كيفيّاتٌ مضلِّلة تلقّى فيها بعض هؤلاء الشباب دورات “التثقيف على الديمقراطية” على أيدي مبعوثي سفارات ومبشِّري منظمات غير حكومية أمريكية وأوروبية وعبر أدبيّات مُعولَمة مترجمة إلى العربية؛ عرضت الديمقراطية كآلية تشغيل لا كمسيرة نضال، وشرحت منتجها النهائي بمعزل عن مساراتها التاريخية وتدافعاتها المجتمعية. لم يًصارَح الشباب بحقيقة المخاضات الأليمة التي يتطلّبها “التحوّل الديمقراطي” في أمم محكومة باستبداد الداخل وهيمنة الخارج ومعادلة التجزئة وواقع التخلّف. والنتيجة أنّ بعضهم تصوَّر حقاً أنّ الجولة التاريخية حُسِمت تقريباً في أسبوعين أو ثلاثة في الربع الأول من عام 2011، دون أن يلحظوا أنّ الطريق إلى الديمقراطية مرّت لدى أمم أخرى كثيرة بأكوام من الأشلاء وجبال من الأنقاض وكثير من الحرائق والانتكاسات قبل أن تستوي على سوقها ويشتدّ عودها.

لا يصحّ التغافل عن مأزق التكوين لدى النخبة الشبابية الطليعية في الميادين العربية، فضلاً عن دوائر جماهيرية أوسع ضمن المشهد ذاته، علاوة على معضلات مشهودة لدى نخب مجتمعية محسوبة على “الإصلاح” و”التغيير” و”الثورة” من أجيال أسبق أيضاً؛ بما أوْرَث بعض الجيل الصاعد حيْرةً واضطراباً ونزوعاً إلى خيارات عدمية بعد محنة الارتطام بالواقع.

كان أحدهم في ما مضي يردِّد محفوظات لقّنته إيّاها أجيال سبقته في التشكيلات المجتمعية التي انخرط فيها، ثم وجد نفسه، فجأة، مكشوفاً ومتروكاً بعد انكسار التجربة التي عوّل عليها، فاختار الانزواء أو الانكفاء أو التحوّل؛ أو صار بذاته مَن يقوم بمهمّة التنظير عبر مواقع التواصل في مرحلة مضطربة مضى فيها على غير هدى.

الانفصال عن المجتمع

من الواضح أنّ الذين ظهروا في وثائقيّ “سبع سنين” انفصلوا عن مجتمعهم وفقدوا ثقتهم بأجيال تتقدّم عليهم سنّاً، علاوة على ما يُلحَظ في الفيلم من هوّة معنوية سحيقة بين الأجيال. لكنّ خيارات الانفصال عن المجتمع تفترق في تمظهرها بين حالة وأخرى. وجد شبّان وشابات فرصتهم في الالتحاق بمنظمة غير حكومية مدعومة غربياً، وصاروا يبحثون عن شقة فسيحة في العاصمة للاستقلال عن مجتمعهم، كما يصوّره وثائقي “حكاية فتاة اسمها إسراء” في عشرين دقيقة، وانكفأ آخرون على ذواتهم المصدومة وكياناتهم الكسيرة داخل كهف معنوي انزووا إليه، وبحث فريق ثالث عن فرصة استقلال عن مجتمعه عبر الالتحاق بالميدان المسلّح الذي لا رجعة عنه تقريباً.

فأي فرص مشارَكة في المجتمع أو حضور في الحياة العامة حازها شباب مسلّح توزّع على جبهات قتالية في زمن الحيرة العربي؟ انعقدت آمال هذا الشباب على لحظة تغيير كبرى في سنة 2011 دفعت إليها جماهير هادرة بشعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بعد أن تحقّق انتصار أوّلي سريع بفرار رئيس مزمن في ليلة تونسية، ثم بإعلان تنحية رئيس آخر مُعتّق عن منصبه في وادي النيل، أما الانتكاسات اللاحقة فمعروفة ومشهودة.

 

يتضافر الشعور بالإحباط من مآل الانتفاضات الشعبية مع الإحساس بخيبة أمل عميقة من الشعب ذاته واستشعار حالة انهيار قوّضت مشروع الإصلاح أو الثورة كما ارتسم في الأذهان. صار بعض الشباب المحسوب على الميادين يستشعر وطأة الاضطهاد المُسلّط عليه من النظام القهري ومن بعض المجتمع أيضاً، مع الذهول من التدهور القيمي الذي طرأ على أوساط من الشعب لم تكترث بالمذابح أو لعلّها احتفت بها، حتى قال أحد الشبان المسلّحين في الوثائقي: “أنا مِش من البلد دِي، أنا مِش من الناس دِي، لا هم منِّي ولا أنا منهم” (د 48). تأتي هذه الرسالة من الشبّان والشابّات الذين ظهروا في العمل على الجانبيْن – التحوّل الاعتقادي والمروق المسلّح – بتعبيرات متعدِّدة؛ تدور حول معنى الاغتراب عن المجتمع وفقدان الثقة به، مع رغبة جامحة في التنصّل منه وإعادة تعريف الذات الفردية من خلال انتماءات جديدة مشفوعة بنزعة متمرِّدة أو انتقامية على سمات الانتماء المجتمعي الذي أَلِفوه والنسَق الثقافي الذي انسلّوا منه.

لم ينبثق هذا الجموح من فراغ، فبعضهم فرّوا إلى فضاءات جديدة بحثاً عن اعتراف بهم لمّا استشعروا أنّ مجتمعهم يرفضهم ابتداءً ويمعن في ذمِّهم. وجد هؤلاء الشبّان والشابّات أنفسهم في مرمى خطاب تعبئة متشنِّجة أسرَف في شيْطنة جماهير الميادين المنتفضة ونزَع صفة الانتماء إلى النسق المجتمعي العريض عنها. اغترفت الدعاية الرسمية التي يرعاها العسكر والأمن ومراكز النفوذ المتحالفة معها من مفردات الإقصاء الوطني والتفكير الديني، وهو ما عبّرت عنه أغنية فجّة تمّ بثها على شاشات العسكر في ظلال موسم رابعة الدامي: “نحن شعب وهم شعب، لنا ربّ ولهم ربّ”. توجّهت هذه الدعاية التحريضية إلى تخدير إحساس الشعب بعضو يُراد بتره على الملأ؛ أو بجماهير من المواطنين سيجري سحقهم في الميادين بالأحرى، وكان لهذه التعبئة تأثيرها الجسيم على وعي المجتمع وقيَمه ومواقفه؛ وعلى ارتدادات بعض الشباب الذي استهدفته دعاية النبذ والشيطنة والتحريض الفجّة.

“سقط كل شيء”

يكشف فيلم “في سبع سنين” عن إحساس جارف بوطأة الانهيارات القيمية وبالمنحى العدمي في الواقع المستجدّ. يقول الفتى الذاهل “حسن” إنه كان مستعدّاً للتخلي “عن كلِّ شيء؛ وليس عن الدين وحده”، بعد الفواجع التي تعاقبت على وعيه في أيام معدودات من صيف 2013.

وأفصح شابّ آخر التحَق بالميدان المسلّح عن ضراوة الإحساس بانهيار القيم الكبرى في الواقع؛ بما لا يقتصر على تضعضع وعود الإصلاح والتغيير، فقال مثلاً “أحسَسْتُ أنّ الإسلام سقط، أنّ كل شيء سقط”؛ كنايةً منه عن شعور جارف استولى عليه بالعدمية؛ بما حرّض هؤلاء الشباب على استسهال الإقدام على خيارات عدمية مقابلة؛ من شأنها أن تتجلى في تمظهرات اعتقادية وسلوكية وميدانية.

تختزل مقولة الإحساس بأنّ “الإسلام سقط” في ذاتها استشعاراً لفداحة الخسارة التي تحقّقت مع سقوط تجربة معبِّرة عن قيم عليا ومعانٍ سامية ورمزيّات ساطعة؛ بكلّ ما يجرّه هذا السقوط الوجداني على تلك القيم والمعاني وما يُرمَز إليه من خلالها. فالانكسار الميداني الذي لَحِق بحشود جماهيرية وتشكيلات مجتمعية حسبها بعضهم معبِّرة عن الإسلام أو رافعة لشعاره؛ عُدّ في هذا المنطق سقوطاً للإسلام ذاته. ساهمت بعض الخطابات في توليد هذا المنطق التعسّفي؛ مثل الذين أوحَوْا بأنّ المواجهة بين ميادين الكرامة وسلطات القهر هي معركة مفصلية بين إيمان وكفر، وإن كان هؤلاء لا يعبِّرون عن عموم المشهد بالطبع. وكان لخطابات مُقابِلة مفعولها عندما منحت هذا الانطباع قوْلاً وإيحاءً وعملاً بأنْ تطرّفت في تعبيرها عن علمانية مزعومة، أو لدى استباحة قوات السلطة المستبدّة المساجد واقترافها الفظائع بدم بارد بحق مواطنيها؛ وغير ذلك.

لم تَنْتَهِ الرحلة مع “سبع سنين”، ولا مع “حكاية بنت اسمها إسراء”؛ فموعدنا في المقال التالي مع بوْح الشبّان والشابات الذين ظهروا في الفيلميْن الوثائقيين، بأفكارهم ومواقفهم وعواطفهم، وفي تأويل ما جاء منهم بعد سبع سنين؛ وما قد يكون منهم من بعدها.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق