أخباراهم الاخباررأي رئيسي

رمضان وتحصين المناعة الفكرية

 

لو إخترت لرمضان عنوانا لما ترددت أن أخلع عليه هذا الدثار القشيب أنه مدرسة تربوية إصلاحية جامعة أو أنه موسم العفو الرحماني العامّ أو أنه وجبة دسمة لتطعيم الجهاز الدفاعي المناعي الداخلي في الإنسان بأمصال تشيّد منهاجا تفكيريا إسلاميا وسطيا معتدلا قوامه التوافق مع الأسباب الكونية والسنن الإجتماعية من جهة والفطرة البشرية من جهة أخرى. ذلك هو فهمي لرمضان فما رأي القارئ الكريم؟

أكبر خطإ نقع فيه هو التدين الفردي والجزئي

ما ينبغي لنا أن نختلف أننا في وضع مهين اليوم فمن تنكب ذلك فما عليه سوى أن يحدج ببصره ثالث الحرمين التي لا تشدّ الرحال إلا إليها والذي جاءت به سورة قرآنية مكية كاملة فإن كان حرّا والعبادة فيه حرّة فأنا سفيه إبن سفيه. لا يجادل في هذا عاقل و لا أحمق. بغيتي هنا هي أن نتواضع أن لهذا الوضع المهين أسبابا علمها من علمها وجهلها من جهلها وهذا أمر تكفّل به العقل البشري ولم يزد الدين على أن ذكّر به. فيما سلف لا مجال للإختلاف أما هنا فأدعو إلى النظر لعلّي مخطئ إذ أني أزعم مع الزاعمين أن من أكبر أسباب وضعنا المهين أمران تسللا إلينا منذ قرون وعقود ونشأ عليهما الناشئ. أوّلهما هو أننا نتدين تقربا إلى الله سبحانه تدينا فرديا لا جماعيا ولا يعدم من يستمع إلى القرآن الكريم مرّة واحدة أن يفاجأ بأن القرآن ما جاء إلا ليشيّد أمة أو جماعة أو سمّها ما شيئت فلا تعنيني الأسماء وأن ما كان منه من تعليمات فردية ـ وإن كنت لم أجد لها أثرا والقرآن بيننا ـ إنما مقصودة للتكافل على ذلك العبء الكبير أي تشييد جماعة أو أمة فإن قصدت من لدنّا لذاتها فإن الصلاح قد ينجي صاحبه من فيح جهنم ولكنه قطعا مقطوعا لا ينجيه والناس أجمعين من فيح القهر والفقر والعاهة والإحتلال والمهانة والذلة والضعف في هذه الدنيا التي ليست سوى معركة شرسة. ثاني الأمرين اللّذين هما سبب كبير في وضعنا المهين هو أن تديننا جزئي أي أننا لسنا بمنأى عن التدين الذي نعاه سبحانه على أصحابه الذين قال فيهم ( تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض). سل نفسك : ما هي نسبة التعبؤ منا أي من أغلبنا بل من ثلثنا فحسب ( والثلث كثير كما قال عليه السلام ) للتحديات العامة والقضايا الكبرى التي بسببها هي أحتلت الأرض المقدسة وأهيلت علينا أتربة الإنحطاط والذلة حتى ثملت؟

المناعة مناعتان : بدنية ونفسية

مساهمة الصيام في تحصين المناعة البدنية أمر تكفل به الأطباء وأثبتوه ولو لم يثبتوه لما كان لنا أن نترك قوله سبحانه ( وأن تصوموا خيرا لكم ) لأي قول ذلك أن الخيرية هنا مطلقة لم تقيّد بما يعني أن الصيام مجلبة للخير والخير عام مطلق لا يمكن تقييده بأنه نفسي أو بدني أو تخصيصه بمثل ذلك. أما ما غفلنا عنه فهو أن الصيام حصن للمناعة النفسية الفكرية كذلك وهو موضوع هذه القالة بل إن الحصانة النفسية الفكرية أولى للإنسان عدا أن الوعاء الذي يؤوي الإنسان أي جسمه لا مناص من أن يكون مؤهلا لذلك وقديما قيل : العقل السليم في الجسم السليم

لعلهم يرشدون : دليل على أن الصيام مناعة عقلية فكرية

معالجة القرآن الكريم لمقاصده التي أرادها من الناس تختلف من سياق لآخر فهي مبسوطة هنا ومقبوضة هناك وما قبض منها فوّت فيه للعقل إستقراء كاملا. عندما عالج القرآن الكريم عبادة الصيام في سورة البقرة العظمى قصر مقاصده على عناوين ثلاثة كبرى وهي : ( لعلكم تتقون ) و ( لعلكم تشكرون ) و( لعلهم يرشدون ). التقوى بلغة ( أي غذاء ) روحية والشكر بلغة نفسية والرشد بلغة عقلية فكرية وبذا نخلص إلى أن الصيام يحيط بالصائم من كل جانب فلا يسلمه لشوال الذي يلي رمضان إلاّ وهو إنسان جديد روحا ونفسا وعقلا

ما هي المناعة الفكرية وما أسسها وما الحاجة إليها ؟

الإنسان كائن يفكر مثله مثل أي دابة تفكيرا غريزيا جبلّيا عدا أن الإنسان بسبب النفخة الرحمانية التي أودعها دون غيره من الكائنات والمخلوقات يرتقي بالملكة التفكيرية إلى آفاق أرحب إذ أنه يفكر كيف يحيى وليس مثل الدابة كيف يعيش فحسب ومن ذا إرتبطت به الأمانة أو الرسالة التي أشفقت منها الجبال وغيرها. ولأجل ذلك فإن الإنسان محتاج إلى مناعة فكرية إذ أن عقله هو قائد رحلته وربّان سفينته عدا أن الإنسان بسبب منافذ العلم فيه ( السمع والبصر والفؤاد ) قد يتعرض للخديعة فيتبع الظن والخرص والكذب وقد يكون موضوعا لإرهاب نفسي أو فكري من مثل إرهاب السحر وغيره ومن ذا فإنه يحتاج لتحصين جهازه المناعي الدفاعي الفكري بمثل ما يحتاج لتحصين جهازه المناعي الدفاعي الجسمي. لا بدّ من كرويات بيضاء هنا وهناك سواء بسواء. ألم يضل المشركون سوى بسبب تقليدهم الآباء بلا نظر؟ ومثلهم عبيد الفكر الغربي اليوم وغير هؤلاء وأولئك بملايين مملينة أسلموا عقولهم لغيرهم إستئجارا بالمجّان. من أسس المناعة الفكرية بإقتضاب : النظر التوحيدي الذي يجعل الإنسان يفكر أن العالم كله واحد المنشأ والرسالة والمصير. النظر المقاصدي الذي يجعل الإنسان يرنو إلى الهدف الأسمى وليس سجين الأشكال والأبنية. النظر العلمي الذي يغذي العقل بالأسباب والسنن التي تؤثر في الأشياء. النظر الموضوعي الجامع الذي يجنبه النظر الجزئي الأحول الأعور. النظر التاريخي الذي يجعله يبوّأ الحدث في مبوّإه المناسب لا مبتسرا ولا مجتزأ

كيف يحصّن رمضان المناعة الفكرية؟

القيمة الأولى : وصل الإنسان بالغيب

لا شيء يميز الإنسان عن الدابة ـ وهي كائن حيّ مثله ـ عدا روحه الرحمانية التي تشده إلى ما وراء المادة ( الميتافيزيقيا ) وهو شدّ تقتضيه التركيبة ذلك أن طبيعة الإنسان مزدوجة فمن تنكر لأي بعد من بعدي الإزدواج فقد تاه وضل السبيل وجنى على حياته أيما جناية. رمضان يصل الإنسان بالإيمان بالغيب والطاعة بالغيب معا فهو عندما يصوم عبادة فردية لا مجال فيها لرياء مطلقا بخلاف كل العبادات الأخرى فإنما هو يحفر أبعادا أخرى جديدة في نفسه تمكينا للإيمان بالغيب والإيمان بالغيب هو عنصر التثبيت في النفس البشرية إذ أن الإنسان مفطور على الخوف ومجبول على الفرار من الخوف إلى الأمن وهنا يصنع الإنسان إلهه الذي إليه يفرّ عدا أن المؤمن يفرّ إلى الله الذي صنعه وهداه إليه وهو من يوفر له الأمن الحقيقي. كما إنه عندما يصوم وهو حرّ لا يكرهه على الصيام مكره مهما فعل فإنه يحفر في نفسه الطاعة بالغيب إذ هو يطيع الله الذي لا يراه ولا يسمعه وكلّ ذلك يحصن الإنسان من الإرتداد إلى عالم الدابة البهيمة التي يستوي معها بالكامل والمطلق الإنسان الذي لا يؤمن عدا بالمحسوس الذي تؤمن به الدابة نفسها. ذلك يحصن مناعته الفكرية

القيمة الثانية : وصل الإنسان بالإنسانية وقيمها

ذلك أن الإنسان يصوم عن حقوق الإنسان أن يقع فيها قبل صومه عن المفطرات البهيمية ولا شك أن البهيمة تفسها تصوم ولكن كرها وقهرا من لدن الإنسان لأي غرض مشروع أو غير مشروع ولكن البهيمة لا تصوم عدا عن المفطرات الحسية في حين أن الإنسان يكف أذاه عن الحرمات والكرامات ولذلك قال عليه السلام يؤكد هذا المعنى الإنساني ( من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه ) وجاء في الأثر ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) وهو صوم الدابة بالتمام والكمال. الصوم إذن يحصن المناعة الفكرية

القيمة الثالثة : وصل الإنسان بالواقعية وفصله عن المثالية الكاذبة

لم يشدني شيء في هذا الكتاب العزيز بمثل ما شدني أن عبادة الصيام ـ وهي عبادة ـ وحدها دون غيرها من كل العبادات بله المعاملات مغروزة بقيم اليسر ومحقونة بمثل الواقعية بكميات ونوعيات لا تضاهى في أي سياق منه. عد إليها بنفسك لتجد مصداق هذا ثم سل نفسك : لم؟. من ذلك أن الإنسان يصوم ( أياما معدودات ) أي قليلات قابلة للعدّ وما كان قابلا للعدّ فهو قليل. هي فعلا أقل من القليل إذ أن نسبتها هي : 1 على 12 أو 30 على 364. أي أقل من جزء من عشرة أجزاء. السؤال هو: أي فائدة إذن من أيام معدودات؟ الجواب هو أن الله لا يريد بالناس عسرا كما يظن كثير من المتدينة وإنما يريد إختبارهم فحسب من يطيع منهم غيبا ومن يكفر. الجزء الثاني من الجواب هو أن تلك النسبة تخضع لقانون التدريج ذلك أن النفس هي آخر شيء يتغير ولذا لا مناص من التدرج بها بتلك النسبة القليلة عاما من بعد عام مع محطات شحن أخرى حتى تشيد بعد سنوات خير تشييد. الصيام إذن يحصن المناعة الفكرية للإنسان ليقطعه عن سبيل يتعرض فيها للإنبتات ويصله بسبيل الواقعية واليسر ومن جنى اليسر في حياته فقد جنى الخير كله. أجل. الخير كله ولا أتراجع ولا أتردد

القيمة الرابعة : وصل الإنسان بالذكاء والفطنة وحسن التفكير

من أمثله ذلك أن الفاروق عمر عليه الرضوان جاء إليه عليه السلام قائلا : هلكت إذ قبلت في رمضان فقال له عليه السلام يعلمه ـ لا بل يعلمنا نحن اليوم ـ قيمة التفكير الصحيح : أرأيت لو تمضمضت؟ ولم يزد على ذلك وذلك هو منهاجه عليه السلام في بناء الرواحل العدول فهو لا يجيبهم ببرودة المعلم الفاشل بل يحقنهم بما يجعلهم مفكرين يقيسون الأمور ويجتهدون. وعلى ذلك لك أن تقيس أدلة جزئية وعامة وكلية من الوحي الكريم قرآنا وسنة بما لا يحصى. إفعل وستجني خيرا وفيرا

القيمة الخامسة : وصل الإنسان بالجماعة والأمة ونبذ الذئبية المنفردة

سؤال هو الأخطر والأكبر والأعظم بل هو مفتاح النهضة الفكرية ما سمعت من طرحه وهو : لم نصوم في زمن واحد؟ أليس الأجدى أن يصوم كل واحد منا الزمن الذي يلائمه وبذا نتجنب رخص المرض والسفر والحيض والنفاس. أي مانع يحول دون ذلك؟ عقلا لا طبعا. ولست من القائلين بأن المسألة غيبية وأستسلم للكسل العقلي ذلك أن التدبر فريضة كما قال العقاد في عنوان كتابه العظيم ( التفكير فريضة إسلاميـــة ). لما تدبرت ألفيت بيسر أننا أمرنا أن نصوم في زمن واحد رغم وجود حالات الطوارئ وهي بالملايين المملينة لغرض واحد عنوانه أن الله يريد أن يحقننا بحقنة الجماعية والتكافلية وينبذ عنا وزر الذئبية ومعلوم أن الذئب يفضل الإنفراد. وبمثل ذلك تكون طقوسنا التعبدية كلها واحدة والقبلة واحدة وفي زمن واحد وما ذلك سوى لحفر قيمة الأمة فينا حفرا غائرا لا يردم حتى لو أهيلت عليه أتربة الأرض كلها

القيمة السادسة : وصل الإنسان بقانون السببية

الكون كله مشدود بقوانين ونواميس وسنن علمها من علمها وجهلها من جهلها. والإنسان جزء من ذلك الكون ـ بل هو سيّد فيه وليس سيّد عليه أو فوقه ـ خاضع لذلك النظام السنني السببي وذلك هو معنى القيمة العلمية إذ العلم كله هو رعاية الأسباب والسنن والعلم بها والإنخراط فيها لأنها ماضية مطردة تطحن من يصادمها طحنا. من ذلك أن رمضان يعلمنا قيمة السببية من خلال الأمر بالسحور الذي قال فيه عليه السلام ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ) كما قال ( تسحروا فإن في السحور بركة ). هو سنة ولكن السياق هنا ليس فقها ولكنه سياق تبين القيمة العلمية وقوام ذلك أن بركة السحور بركتان : بركة معنوية وهي أن يصيب الصائم في ساعات السحر الغالية بل هي الأغلى في يومه كله توبة ولكن ليس هذا موضوعنا. موضوعنا هو البركة المادية التي يلقاها الصائم عندما يأكل ويشرب ويتجهز ليوم قد يطول وقد تصلى حرارته. بركة السحور معناها أن الصائم كائن عاقل مدبر يأخذ بالأسباب التي تعينه على ذلك اليوم ولذلك أمر عليه السلام بتأخيره إلى آخر رمق بل إنه أمر بعدم إلقاء الطعام عندما يكون في الفم أو في اليد عندما تحين ساعة الإمساك وكل ذلك ليعلمنا الصيام أن الصائم يحصن ملكته الفكرية بالعلم بالسنن والأسباب وهل يخفى على واحد منا أن من أكبر أسباب تخلف أمتنا في القرون الأخيرة إنما هو إهمال النظر السببي وإستبدال ذلك بتأويل الأحلام والإنخراط في حجر الشعوذة والأسطورة والخرافة؟

تلك بعض وجوه الصناعة الجديدة التي يمنّ بها علينا رمضان لإعادة تحصين الجهاز الدفاعي النفسي والفكري الداخلي أن تستبد به الخرافات والأساطير والشعوذات والتقليدات سواء تأتت من سلف شرقي يلبس كثير منه الدين بعادات الزمان وأعراف المكان أو من خلف غربي يفعل الفعل ذاته ولكن بدثار ساحر يغوي أصحاب المناعة الفكرية الهزيلة. ووجوه أخرى ربما يضيق عنها هذا القول. والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق