اراءاهم الاخباررأي رئيسي

رمضان : عناوين خمسة

 

لرمضان خصوصية دون ريب. عدا أنّه لا ينفرد بهذه الخصوصية إلاّ فيما يتعلّق بفريضة الصّيام. ذلك أنّ الله أثنى على الأشهر الحرم الأربعة. وليس هو شهر حرام. جنحت أدبيات المسلمين ـ سيما في العهود المتأخّرة ـ كثيرا إلى جعل رمضان محضنا للعبادة على نحو يكاد يستأثر بها دون غيره. لست مع هذا الإتّجاه الذي يحثّ النّاس على العبادة ـ وخاصّة بمعناها الخاصّ فحسب ـ في شهر رمضان فحسب. إذ أنّ ذلك يهوّن منها ـ ولو قليلا ـ فيما عداه. إذا كان محمّد عليه السّلام هو الأسوة ـ وهو كذلك ـ ومن بعده الأصحاب عليهم الرّضوان فإنّ رمضان كان محطّة لم تستثن من الجهاد والمقاومة ومباشرة الحياة بشكل عاديّ ومعالجة المشكلات بما تيسّر. وربّما قدّر الله سبحانه أنّ يحتضن رمضان إنتصاري بدر وفتح مكّة ـ عدا تبوك وغيرها في عهده وفتوحات أخرى من بعده ـ لتعليمنا أنّ تخصيص رمضان بعبادة ـ عدا الصّوم ـ تعيق الحياة أو تؤخّر واجبات اليوم إلى غد ليس إتّجاها صحيحا. رمضان عناوين خمسة

أوّلا : الصّيام

أحكام الصّوم أيسر من اليسر ذاته. إذ أنّه كفّ عن المفطرات الثّلاثة المعروفة من طلوع الفجر حتّى غروب الشّمس. إنّما المطلوب فقه الحكمة من الصّوم. وهي حكمة لم يفرّط القرآن الكريم في بيانها بشكل عامّ إذ قال فيها (لعلّكم تتّقون) ثمّ قال بعد ذلك في السّياق ذاته (ولعلّكم تشكرون) ثمّ قال (لعلّهم يرشدون) . وفي الأثناء بثّ من أسباب اليسر ما لم يبثّه أبدا في أيّ موضع آخر من الكتاب العزيز. كما أخبر بشكل عامّ عن الحكمة من الصّوم إذ قال (وأن تصوموا خير لكم). هي حكم عامّة فيها الخير والتّقوى والشّكر والرّشد. المقصد الأسنى من الصّوم هو تحرير الإنسان من داعيات هواه. إذ عندما يتحرّر المرء من نفسه الأمّارة بالسّوء فهو أكثر أهلية للتّحرّر من كلّ العوائق التي تعترض سبيله وأكفأ لخوض الحياة ونيل الفوز. الصّيام في نظري مضادّ حيويّ حصين ودورة روحية مكثّفة

ثانيا : القرآن الكريم

لم يتردّد القرآن الكريم في الإجابة عن هذا السّؤال : لماذا نصوم رمضان وليس شعبان أو ليس شهرا حراما؟ ذلك أنّه قال (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن). ومعنى الكلام هو أنّ الصّيام إحتفاء بنزول القرآن الكريم وإحتفال به. ومن ذا يكون إحتفال المسلمين بكتابهم صوما للزّمن الذي نزل فيه. هي دعوة منه سبحانه إلينا جميعا ـ سيما الغافلين عن مائدة الرّحمان سبحانه أي القرآن الكريم ـ إلى الإلتحام مجدّدا بكتابه الذي هو شفاء روحيّ ونفسيّ وعقليّ للفرد والأسرة والجماعة. ومن ذا شرعت صلاة التّراويح في عهده عليه السّلام. عدا أنّه خوفا من فرضها ورحمة بأمّته عدل عنها جماعة ثمّ سنّها جماعة الفاروق. ومضت الأمّة على ذلك. العودة إلى القرآن الكريم تلاوة باردة فحسب لا تدبّر فيها ليست مقصودة. التّلاوة ليست مقصودة لذاتها قطعا مقطوعا عندي. إذ أنّه ما برح يؤكّد أنّ القرآن الكريم نزل بقصد التدبّر. وليس بعد كلام الله من كلام

ثالثا : الإنفاق والتّكافل

أمور ثلاثة تؤكّد أنّ رمضان شهر التّكافل. زكاة الفطر التي أوجبها عليه السّلام على ربّ البيت يخرجها حتّى على غير المكلّف ممّن هو تحت مسؤوليته. وأخبر عن حكمتها إذ قال عليه السّلام (طعمة للمساكين). وقوله عليه السّلام (من فطّر صائما كان له مثل أجره من دون أن ينقص من أجر الصّائم شيء). والأمر الثّالث هم الأصحاب الذين أخبروا عنه عليه السّلام أنه كان أجود (هكذا بصيغة المبالغة) ما يكون في رمضان. وليس بعد هذه العلامات الثّلاث من دليل أنصع أنّ رمضان هو شهر التّكافل الإجتماعيّ. ذلك أنّ الإسلام : توحيد لله سبحانه وعبادة من جهة ورحمة بالضّعفة والنّاس من جهة أخرى. فمن قطع إحدى جناحيه قطعه الله

رابعا : الدّعاء وهو مجاب

لأيّ غرض حشر الله سبحانه آيات الدّعاء في سياق الصّوم في سورة البقرة؟ أيّ معنى لقوله سبحانه (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان)؟ أيّ معنى لذلك في أمّ آيات الصّيام؟ لا شكّ أنّ الجواب هو أنّ الصّيام مرتبط كلّ الإرتباط بالدّعاء الضّارع. هذا دليل من القرآن الكريم. ودليل الحديث قوله عليه السّلام (للصّائم دعوة لا تردّ). وفي حديث آخر (وذلك عندما يفطر). وفي حديث آخر (ثلاث لا تردّ دعوتهم : ومنهم الصّائم عندما يفطر). تلك أدلّة قاطعة على أنّ رمضان شهر الدّعاء وأنّ الدّعاء فيه من الصّائم سيما عند إفطارة مجاب بإذن الله سبحانه. بل كان الأصحاب يعدّون قائمة في أدعيتهم قبيل رمضان. وكيف لا يجاب دعاء صائم ملتحم بكتاب ربّه يتلوه متدبّرا ويصيب من التهجّد الذي يصيب؟

خامسا : الإعتكاف والتّراويح

لم يرد الإعتكاف في الكتاب العزيز عدا في آيات الصّيام في سورة البقرة. الإعتكاف كان سنّة مؤكّدة عنده عليه السّلام. إذ كان يعتكف في العشر الأواخر. وإعتكف في العام الذي قبض فيه العشرين الأواخر. وإعتكف أزواجه من بعده. الإعتكاف عبادة خاصّة ذات قربى. ومن ذا رجّح أكثرهم أنّها لا تكون إلا رمضان وفي مسجد. الإعتكاف عندي هو تجديد الفحص الفنّيّ للجهاز الرّوحيّ لكلّ إمرئ. بمثل ما يجدّد ذلك لظهره الذي يمتطيه (أي سيّارته) وما يفعل ذلك لظهره إلاّ ليؤمّن نفسه ومركبه ومن فيه والنّاس كلّهم من حوله أن يصيبهم مكروه بسبب عدم صلوحية مركبه. الأمر نفسه في نظري للنّفس التي تحتاج إلى محطّة إعتكاف سنوية تجدّد فيها فحصها الفنّيّ حتّى تكون مؤمّنة. وعندما لا يكون الإعتكاف متاحا لكلّ أحد سيما في أعصارنا وأمصارنا فإنّ صلاة التهجّد ـ التّراويح ـ تقوم مقام ذلك الإعتكاف سيما مثابرة فيها ومواظبة عليها وخاصّة عندما يكون ذلك في أغلى ساعات اليوم واللّيلة طرّا مطلقا دون أيّ منازع أي وقت السّحر الذي لم يمدح سبحانه وقتا غيره. وكلّ ذلك هو شكل من أشكال الإحتفاء بالقرآن الكريم في الشّهر الذي شهد نزوله

هي عناوين خمسة أظنّ أنّ من نهل منها بقدر إمكانه وهبه الله سبحانه جائرة العتق العظمى من النّار. تقبّل الله صيامكم وقيامكم وإنفاقكم وصالح أعمالكم وأعتق رقابكم جميعا ومن معكم والمسلمين قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها من النّار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى