اراءاهم الاخباررأي رئيسي

رمضان بطعم الوباء : لنجعل المحنة منحة

نصوم هذا العام إن شاء الله 1441ـ2020 لأوّل مرّة في جيلنا تحت أقبية الخوف من وباء ( كورونا ) بما يقتضي ذلك من ملازمة للحجر الصحي توقيا للعدوى سيما أن رمضان يحييه الناس بحركية إنسيابية واسعة إلتقاء لبعضهم بعضا ليس في المساجد فحسب ( صلاة التراويح ) ولكن كذلك إفطارات جماعية وسمرات وسهرات وهي محنة لا مناص لنا من التكافل على تحويلها إلى منحة بإذن الله

الصيام شحنة من شحنات تقوية الجهاز المناعي

مما تعلمناه من الأطباء بمناسبة هذا الوباء هو أن أكثر الناس تعرضا للموت في إثر التعرض لهذا الوباء هم أصحاب الجهاز المناعي الأضعف ومعلوم أن الصيام يساعد كثيرا على تقوية ذلك الجهاز بل قل تلك الثكنة العسكرية التي تكون دوما في حالة طوارئ تحرس البدن الإنساني من الجراثيم الوافدة ومن ذا لنا أن نقول ربّ ضارة نافعة إذ أن الصيام يكون محطة مهمة في التوقي من هذا الوباء أو مقاومته لمن يصاب به ولعل الناس يزدادون يقينا في أن الإسلام كله عقيدة وشريعة وخلقا ونظاما عاما مضاد حيوي ناجع تطرد به السموم الوافدة على البدن بمثل ما تطرد به القيم الفاسدة الغازية للإنسان

الصيام عبادة فردية لا يسقط بالجملة

نحن في زمن التواصل الإفتراضي إذ يمكن لمن شاء أن يقول ويكتب صوتا وصورة ما شاء منتحلا صفة غير صفته بل إسما غير إسمه ومن ذا فإن الخصوصيات الثقافية تكون معرضة للنيل منها ومن ذلك أن شائعة سرت في الناس في الأيام الأخيرة قوامها أن الصيام الواجب في رمضان يمكن أن يسقط عن الناس جملة كما سقطت صلاة الجماعة والجمعة أو كما علقت العمرة وربما الحج كذلك أو صلاة التراويح أو صلاة الجنازة. المعيار هنا معلوم معروف وهو أن كل عبادة يغلب عليها الطابع الفردي الشخصي الخاص لا تسقط بالجملة وليس الحديث عن الحالات الفردية الإستثنائية لمرض أو سفر أو عجز ومن ذلك الصلاة نفسها والصيام والزكاة إذ أن تلك العبادات لا يشترط لها الإجتماع شرط صحة وكل عبادة يشترط لها ذلك فإنها تسقط وهو سقوط مفروض بسبب أولوية الحياة هنا ومن ذلك كما مرّ بنا قولا وعملا صلاة الجماعة والجمعة والعمرة وغير ذلك

الحائض والقرآن الكريم

هذا موضوع حارق مؤلم جدا ليس بسبب غموض فيه من الناحية الدينية ولكن بسبب أن الجهل فيه إنداح إندياحا عجيبا حتى بين فئات واسعة من المنسوبين إلى الإفتاء والعلم ولم يكن هذا وليد اليوم بل هو إرث إنحطاطي شنيع ناهيك أن المصاحف اليوم كلها تقريبا لا تصدر إلا وهي مجلدة ومكتوب على جلدها بزور وجهل آية الواقعة ( لا يمسه إلا المطهرون). لا تتسع هذه القالة لمعالجة هذه القضية وهي خطيرة ويتحمل وزرها كلّ من يفتي بحرمة مسّ الحائض أو النفساء للمصحف الشريف بل هي جريمة وإعدام معنوي ناهيك أنه عليه السلام دعا لأوّل وآخر مرة على ثلة من أصحابه أفتوا صاحبهم بجهل بالقتل ( قتلوه قتلهم الله إنما شفاء العيّ السؤال). لا أرتاب طرفة عين لو أنه بيننا عليه السلام لأعاد قالته تلك على هؤلاء الذين يتبعون الأسلاف متأثرين كما تأثر أولئك بالتشدد ضد المرأة من لدن الجنس الشرقي إذ أن هؤلاء يقتلون المرأة قتلا معنويا إذ يحولون دونها ودون مسّ كتاب ربها سبحانه وفي الشهر الذي أنزل فيه القرآن نفسه أي شهر رمضان. الآية التي يتكؤون عليها هي آية مكية ومن سورة مكية وذلك يعني أنه لا علاقة لها بالعمل بل بالإعتقاد. الآية سياقها مواصلة المعركة المكية الدامية بين الإسلام والمشركين حول مصدرية القرآن الكريم ولذلك يثبت القرآن نفسه مصدريته في كل سورة مكية تقريبا ( تنزيل من رب العالمين ) نافيا أنه من الشياطين التي ( ما تنزلت به)و( وما ينبغي لهم ) وأنه لا سلطان عليه إلا للملائكة المطهرين كرها ولم يتطهروا بإرادة منهم إذ لم تنسب الطهارة القسرية في القرآن الكريم كله إلا لهم هم أما الإنسان فإنه يتطهر ولا يطهّر. وأن دخول أداة النهي (لا) على فعل مضارع لضمه على غير العادة ( يمسه ) وفي كل القراءات والروايات يجعل منها أداة نفي ولم تعد نهيا وذاك يعني أن أمر مسّه منفي من الشياطين بالأساس وليس هو نهي وكلّ ذلك ضمن قيادة المعركة الناشبة حول مصدرية القرآن الكريم. بل إن عود الضمير ( يمسه) لا يكون إلاّ على أقرب مذكور وهو ( كتاب مكنون ) وليس ( قرآن كريم) ولو كان المصحف اليوم مكنونا ما إستطعنا ولوجه بل لما تمكن من مسّه أعوان الشحن في المطارات والموانئ وهو أمر معلوم. عدا أن الناس لا يميزون بين الوعاء الذي يعي القرآن الكريم وهو متغير وبين القرآن الكريم نفسه إذ أنه ليس هناك في عهده عليه السلام ولا حتى في عهد أصحابه حتى أواسط خلافة عثمان مصحف فعلام النهي؟ اليوم يتخذ الناس في جزء كبير منهم أوعية أخرى منها الأقراص المضغوطة والهواتف النقالة الذكية فهل نعدّ تلك مصاحف ولا نأذن بمسها للحائض أم لا؟ إذا كانت مصاحف فكيف وهي تحوي كل أنواع الفاحشة والسوء بسبب أن الهاتف الذكي فيه كل شيء؟ هي شرنقة أوقع فيها الناس أنفسهم وكان لهم أن يلزموا تعليم ربهم سبحانه ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) أو ( لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) أو قوله عليه السلام ( وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها) وتعاليم أخرى ولكن أوقعوا أنفسهم فيما أوقع فيه بنو إسرائيل أنفسهم إذ أكثروا من المسائل الجوفاء الفارغة إذ أنهم بالمعيار الإسلامي بطالون عطالون. المؤمن لا ينجس كما قال عليه السلام لأبي هريرة إذ لقيه وهو جنب فخنس أن يسلم عليه وهذا يفسر حديثه ـ لو صح ـ ( لا يمسه إلا طاهر ) والطهارة فسرها القرآن الكريم نفسه بأنها الطهارة الروحية المعنوية وليست المادية وإلاّ لما قال عن المشركين أنهم نجس وعن المنافقين أنهم رجس والحال أننا نصافحهم ولا تنقض طهارتنا. سؤال لمن يحترم نفسه ولا يريد لنفسه أن يكون إمعة تبيعا مقلدا : أالمراة حتى وهي حائض أطهر أم المشرك والمنافق؟ ألست صاحب عقل يهودي إذ تعدّ الحائض نجسا ورجسا كما ورد من مناسبة نزول بعض آيات سورة البقرة إذ كانوا لا يؤاكلونها؟ لو كانت المرأة شيطانا إلى هذا الحد قل لي بربك : لم أجمع الصحابة على إستئمان إمرأة هي حفصة على أول نسخة من المصحف الشريف؟ هل تراهم حذروها ألاّ تمس ذلك المصحف؟ أم أنهم نسوا أنها تحيض؟ أم غمرهم الجهل كلهم؟ أليس محمد عليه السلام أولى بالإتباع وهو الذي بيّن لمن كان له قلب وعقل وليس لكل إمعة تبيع مقلد يرهن عقله لغيره أن الحيضة لا علاقة لها باليد إذ قال لعائشة ذات يوم : حيضتك ليست في يدك وذلك عندما ترددت أن تناوله شيئا؟ هل نتبع الدليل وإن كانت المسألة لا تحتاج إلى دليل إذ ليس على النافي دليل كما قال الأصوليون وعلى مثبت التحريم الإتيان بالدليل الراسخ القاطع ولن يجده حتى يلج الجمل في سمّ الخياط ورب الكعبة أم نتبع قول فلان وعلان؟ هل أن الإسلام بهذه الهلامية والغموض حتى إن شيئا محرما مثل هذا يتعلق بالقرآن الكريم أن تنجسه حائض أو تلوثه نفساء لا يرد فيه محكم ثابت كما ورد في الخمر والربا والزنى؟ أم أن الصحابة كلهم لم يعلموا هذا؟ كل القضية هي أن العرب أمة كانت تئد المرأة فلما جاء الإسلام حررها وظل الأمر بيّنا في عهده عليه السلام ثم جاء خلفاء أقوياء وعلماء في الأن نفسه وحولهم صحابة مثل ذلك فلما إنقرض عهدهم دخلت في الإسلام أفواج من الناس لا لسان لهم يفقهون به هذه التفاصيل العملية وعاد الناس إلى تأثيم المرأة بسبب أنوثتها فنسجت الأوهام والأساطير والخرافات ولعلك اليوم تقرأ في كل كتب الفقه تقريبا أن المرأة لا تؤكل ذبيحتها وأنه عليها العويل حتى ينجدها فحل وأن صوتها عورة وهي في النهاية شيطان في صورة آدمي. هذه شهادتي وندائي إلى كل مسلمة : لا تتأخري عن مسّ المصحف الشريف بيديك وأنت حائض أو نفساء لتنالي أيسر الحسنات وخاصة في شهر القرآن الكريم إذ أن قراءة حرف واحد بعشر حسنات كما بشر عليه السلام. وهو ندائي ذاته إلى المنسوبين إلى الإفتاء : إتقوا الله ولا تضعوا أنفسكم مسؤولين يوم القيامة أنكم حرمتم ملايين مملينة من النساء في شهر رمضان من معانقة الإيمان وتلاوة الكتاب العزيز وتجديد العهد مع الله. اللهم هل بلغت اللهم فاشهد

تراويح في البيت وقراءة من المصحف

لعلنا نصوم هذا العام ولا نلتقي في المسجد لصلاة التراويح جماعة ومن ذا فإنه لا مانع أبدا من أمرين : أوّلهما صلاة التراويح في البيت بما أمكن ولا عبرة بعدد الركعات ولا بعدد ما يقرأ من آيات أو سور إذ هي نافلة ولا حكم للنافلة وتصلّى جماعة بأهل البيت لمن شاء طبعا وفي أي وقت من أوقات التهجد التي تبدأ من صلاة العشاء أي بعد أدائها حتى دخول الفجر إذ لا قيام بعد ذلك ولا تهجد قبل صلاة العشاء وربما تجتمع بعض الأدلة الإستئناسية لتجعل من ذلك القيام أكثر أجرا كلما كان إلى الفجر أدنى ولكن العبرة هنا بالإستطاعة. الأمر الثاني هو أنه يجوز بلا أي حرج أن يصلي الإنسان النافلة ـ كل نافلة ـ ولو عمدا وهو يقرأ من المصحف ولكنه أمر خاص بالنافلة ولا يتعدى إلى الصلاة المكتوبة بحال حتى لو كان المرء لا يحسن حتى قراءة الفاتحة. ذلك هو شأن النوافل فيها سعة غير سعة المكتوبات صلاة وصياما وصدقة . بل إنه لا مانع أصلا من أن تتقدم المرأة هنا إماما لأهل بيتها ـ لأهل بيتها وليس لغيرهم ـ إذا كانت هي الأقرأ كما أفتى عليه السلام أم ورقة بذلك وليس هذا مقصورا على النافلة ولكن الحديث الآن عن صلاة التراويح بصفة خاصة إذا كانت المرأة هي الأقرأ ويكون الأمر مقصورا على أهل بيتها ـ أهل بيتها ـ ولها أن تمسك المصحف بطبيعة الحال إلا الحائض والنفساء فإنهما لا يصليان لا مكتوبة ولا نافلة ولكن يتلوان القرآن الكريم من المصحف بلا أي كراهة بل عمل مثوب مطلوب وخاصة في شهر القرآن

إعتكاف في البيت كذلك

الإعتكاف عبادة معروفة ذكرت في سورة البقرة ولكنها مقصورة على المسجد ولا تكون في البيت كما أنها لا تكون إلا في رمضان بل في العشرين الأواخر منه كما كان يفعل عليه السلام وإعتكف من بعده نساؤه مثل ذلك. تلك هي أحكام الإعتكاف : في العشرين الأواخر من رمضان فحسب وفي المسجد فحسب. ولكن أظن أنه لا مانع من الإعتكاف في البيوت لهذا العام بصفة خاصة في صورة ما إذا حيل دوننا ودون المساجد بسبب هذا الوباء. أظن أن الأجر هو هو إذ أن الأعمال بالنيات فمن نوى الإعتكاف في بيته في تلك المدة وبشروط الإعتكاف المعروفة الموثقة في كتب الفقه ويكون المرء في حالة المضطر وكل ذلك لمن شاء الإعتكاف إذ هو نافلة وليس واجبا فإذا إنفتحت المساجد فلا إعتكاف في البيت إطلاقا

شيء من الكفاف إنفاقا على المحصرين

أكره هذا الوباء أناسا كثيرين على لزوم بيوتهم أو طردوا من أعمالهم ومن شأن الناس في رمضان أن يتوسعوا في الإنفاق وإذا كان ذلك في حدود العرف الطيب بلا إسراف وتبذير فلا شيء فيه ولكن أظن أنه علينا أن نضيق على أنفسنا من ذلك التوسع قليلا إنفاقا على المحصرين في سبيل الله ممن أكرهم الوباء على لزوم بيوتهم أو طردوا من أعمالهم فهم أولى بذلك العفو الذي ألفناه في رمضانات سالفة بل ربما نعمل بالنسة المحببة جدا وهي أن من فطّر صائما كان له مثل أجره من دون أن ينقص من أجر الصائم شيء. ذلك هو الفوز الكبير لمن يقمع شهواته تكافلا مع المحصرين وهم محصرون فعلا بالتعبير القرآني الكريم وهو حصار في سبيل الله إذ أن لزوم البيت يحفظ للناس حياتهم فهو إذن في سبيل الله سيما في البلاد العربية حيث لا تغطية إجتماعية ولا وجود لدولة إجتماعية بسبب الفساد وليس بسبب شح الموارد

ولا أملك خاتمة إلاّ أن أضرع إلى الله سبحانه أن يرفع عنا مقته وغضبه وألاّ يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وأن يذهب عنا هذا الوباء الكريه وأن يرحم موتانا وهم شهداء بإذن الله سبحانه شهادة دنيا كما قال العلماء وأن ييسر لنا خير الصيام وخير القيام وألاّ يهلّ علينا هلال شوال إلاّ ونحن في مساجدنا متعانقين فرحين مسرورين إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق