اراءاهم الاخباررأي رئيسي

خطبة حجة الوداع : ميثاق المسلم الأروبي

مازلنا نعبر منطقة الحرمات الواسعة ذات الأشهر الثلاثة من ذي القعدة حتى المحرم وفيها ذكرى خطبة حجة الوداع التي إجتمع فيها أمامه عليه الصلاة و السلام آلاف مؤلفة فكانت مناسبة يستأمن فيها الإنسان على الإنسان نفسه ويستودع فيها أمانة حرمة الإنسان عند الإنسان نفسه إذ إلتحق بالرفيق الأعلى بعد ذلك بأيام. خطبة حجة الوداع هي الخطبة الوحيدة ـ أو تكاد ـ مما حفظت لنا السنة والسيرة وهو دليل على مكانتها. كيف لا والذين سمعوها من فيه مباشرة عليه السلام عشرات الآلاف؟ يستهجن بعضنا مصطلح ( المسلم الأروبي ) ظنا منه أن المسلم واحد في كل زمان وفي كل مكان. الإسلام واحد في جذره الراسخ من عقائد وعبادات وما ثبت من أحكام قطعية وهي أقل من القلة وأندر من الندرة ولكن الإسلام يحتمل التنوع فيما عدا تلك المساحات حتى قرر الأصوليون أنه لا ينكر تغير الأحكام ـ أو الفتاوى ـ بتغير الموجبات من زمان ومكان وحال وعرف. تحديات المسلم الأروبي اليوم هي غير تحديات غيره ومن ذا فإن التدين الحق هو التدين المعاصر الذي يحفظ الراسخات وينظر في المتغيرات. بنود خطبة حجة الوداع تخاطب المسلم الأوربي بسبب تلك التحديات

أوّل بنود الميثاق : قدسية حرمة الإنسان

إذ قال عليه السلام ( إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام ). وبذلك يكون قد إستأمن عليه السلام المنظومة الحقوقية الإسلامية الإنسان نفسه ليكون الإنسان مسؤولا على قدسية الإنسان المكرم المستأمن المعلم المستخلف المستعمر. يقصف الإسلام اليوم وأهله بحسبانهم أعداء لحقوق الإنسان. أفليس من الحكمة ـ بل من الدين ـ إعادة إنتاج هذا الخطاب الحقوقي الذي بدأ به عليه السلام خطبته الإستيداعية الأخيرة؟

ثاني بنود الميثاق : العبرة بالعمل والكسب وليس بإرث سلف

إذ قال عليه السلام ( إن مآثر الجاهلية موضوعة إلا السدانة والسقاية ). ومعنى ذلك أن الإفتخار من لدن الناس بإرث أسلافهم وكسبهم يورثهم تواكلا وتقاعسا وإفتخارا زائفا إذ العبرة في كسب الإنسان وعمله وجهده حتى قال الشاعر : ليس الفتى من يقول كان أبي .. إنما الفتى من يقول ها أنا ذا. ذلك أن الإسلام دين يعانق التجديد ويحرض على الإجتهاد ويكفر بالتقليد والإمعية والإجترار. أما قوله ( إلا السدانة والسقاية ) فهي قيمة أخرى مضافة من قيم النبوة العظمى إذ هو يفيض وفاء لمن له سابقة فضل حتى لو كان من الجاهلية وبذلك أقرّ أهل خدمة البيت المعظم على ما هم عليه بمثل ما أقرّ أهل خدمة حجاجه على السقاية ذلك أن الإسلام ليس دبابة إسرائيلية تهدم ما يقف أمامها بل هو دين يقرّ لأهل الفضل بفضلهم ولا ينزع منهم فضلهم بسبب دينهم

ثالث بنود الميثاق : النظام الربوي نظام جائر لا بد من مقاومته

إذ قال عليه السلام ( إن ربا الجاهلية موضوع وأوّل ربا أضعه تحت قدميّ هاتين هو ربا عمي العباس). ذلك أن تحريم الربا تأخر في التشريع مراعاة لواقع عربي كانت عملته الربا والرّق والخمر فكان لا بدّ من منزع واقعي ينظر الناس حتى يتأهل فكرهم وتتطوع أوضاعهم لقبول ذلك التشريع. تحريم الربا معناه مقاومة القهر الإقتصادي والإستغلال المالي وإحتكار البضاعة وكل مظاهر أكل أموال الناس بالباطل. من قيم النبوة العظمى أنه أعلن أن أوّل ربا يضعه هو ربا عمه العباس حتى يعلم الناس أن الداعي إلى الخير يبدأ بنفسه وأهله ليكون قدوة حسنة وأسوة صالحة

رابع بنود الميثاق : الأسرة مؤسسة مقدسة والمرأة كائن مساو للرجل

إذ قال عليه السلام ( إن لنسائكم عليكم حقا وإن لكم عليهن حقا ). أبى عليه السلام إلا أن يستوصي بالنساء خيرا في مجتمع عربي مازال يحنّ إلى الجاهلية التي تئد المرأة وتعدها سقط متاع كما هو حال الجاهلية الغربية المعاصرة التي تزيف الحقيقة إذ هي تسترق المرأة وتستعبدها وتعدها بضاعة أو إشهارا لبضاعة. مؤسسة الأسرة هي مضغة المجتمع الحية فإن صلحت صلح المجتمع وإن فسدت فسد المجتمع والإحصائيات الأروبية الصحيحة تنبئك عن بدايات تشققات وتصدعات في البناء المجتمعي الأوروبي ليس بسبب نقص في المال أو الذخيرة ولكن بسبب نضوب في الرحم وعزوف عن الزواج وعن الولد وهيمنة المنزع الأناني. والمرأة كائن مساو للرجل مساواة تامة مصدرية خلقية ورسالة عمرانية ومصيرا بعد الموت ومسؤولية في الدنيا والآخرة. كان مثل هذا في البيئة العربية ثورة فكرية عظمى عدا أن حنين العرب إلى الجاهلية كان ذا عرق نزاع فما إن مات عليه السلام وإندكت الخلافة الراشدة من بعده في غضون ثلاثة عقود فحسب حتى بدأت العودة يوما من بعد يوم إلى الجاهلية العربية فيما يتعلق بالمرأة

خامس بنود الميثاق : رأس مال الأمة تآخيها وتكافلها وتراحمها

إذ قال عليه السلام ( إنما المؤمنون إخوة فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض). وها قد عدنا لما حذرنا منه إذ نشأت حكومات عربية من جهة وجماعات سلفية من جهة أخرى يضرب بعضها رقاب بعض فحكومات تضرب أعناق الناس ريبة وبلا حق وجماعات متناحرة يكفر بعضها بعضا كما رأينا في تنظيمات القاعدة وداعش وغيرها. رأس مال الأمة من بعد مرجعيتها هو تآخيها وتكافلها وتعاونها وتضامنها وصفها الواحد المرصوص حتى وهو متنوع متعدد مختلف وهو الأمر الذي وعته شعوب لا علاقة لها بالدين ولا بالإسلام فتقدمت ونسجت لأمجادها أتلادا

سادس بنود الميثاق : البشرية مستاوية الحقوق والواجبات

إذ قال عليه السلام ( إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ). سجل هذا النداء منذ أربعة عشر قرنا كاملة وهو الأمر الذي قررته المواثيق الدولية من بعد أن دمرت الحروب العالمية ملايين مملينة من الأبرياء وأحتلت بلدان وإغتصبت ثروات. لو لم يكن في الإسلام عدا هذه اللؤلؤة المكينة لكفاه فخرا. ومازالت حملات العنصرية بسبب الدين أو الملة أو اللون أو العنصر أو اللسان تغتال الناس وتفرق البشرية فما حمتهم قوانين ولا أسعفتهم سلطات

سابع بنود الميثاق : للأمة مرجعيتها الدستورية العليا

إذ قال عليه السلام ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وسنتي ). حدد عليه السلام ما حدده القرآن الكريم أي عرى المرجعية الدستورية العليا أن تتيه الأمة أو يسطى عليها أو تكون يتيمة بين الأمم لا مرجعية لها. وجود ذلك لا يعني فوقية ولا كبرا ولكن يعني تميزا إذ لا بدّ لكل أمة من مرجعية دستورية عليا تنسجم مع معتقداتها وثقافتها وهويتها وبذلك ليس هناك ثقافة قائدة كما يقول الألمان ولكن هناك ثقافات متعددة ومرجعيات متنوعة تتدافع بسلمية وتعاون فيما يكون فيه التعاون وهو كبير وكثير وتتميز فيما لا بدّ فيه من التميز

خلاصة

تلك بنود سبعة لو تدبرها المسلمون اليوم لألفوا أنها خلاصة الإسلام بتركيز وتكثيف ولو وعاها الوجود المسلم في أوربا لكانت لهم نبراسا على التعريف بالإسلام وسن سياسة تعايش سلمي مع الناس ذلك أن هذه الوثيقة النبوية العظمى تلتقي مع كثير من الدساتير الأوربية ومع الدستور الألماني بالتحديد إذ هي سبقت كل تلك التشريعات المعاصرة لتؤكد قدسية الإنسان وضرورة التعدد الديني والمذهبي والفكري وأن تساس الأرض على قاعدتي التميز من لدن كل أمة والتعاون على الخير ومقاومة أسباب القهر المالي وفسح المجال للعمل وقيمة الكسب وقدسية الأسرة ومساواة المرأة للرجل مساواة تامة

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق