اراءاهم الاخباررأي رئيسي

حيرة مسلمي فرنسا مع ديمقراطية الخيار الأوحد

تمنح المواسم الانتخابية جماهير الديمقراطيات فرصة تعبير عن اختياراتها المفضلة وحجب الأصوات عن مرشحين غير مرغوبين. لكنه امتياز لا يسري على ملايين الناخبين المسلمين في فرنسا، الذين يواجهون مفاضلة حرجة بين المتسابقين إلى الإليزيه.

قد يبدو جان لوك ميلينشون زعيم حزب “فرنسا الأبية” الذي ينادي بـ”جمهورية سادسة” أقدر على اجتذاب أصوات المسلمين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، لكنّ السياسي الجريء القادم من أقصى اليسار يأتي في الترتيب الثالث حسب الاستطلاعات ولم يحظَ من قبل بفرصة العبور إلى الدور الثاني رغم محاولاته المتكررة.

ستجري المنافسة في الجولة الثانية حسب المتوقع بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان زعيمة “التجمّع الوطني”، ما لم يحدث اختراق مفاجئ، ولن يجد الناخبون المسلمون حينها خياراً سوى ترجيح كفّة ماكرون في مواجهة لوبان التي تقعد لهم كل مرصد.

تمنح قائمة مرشحي الرئاسة الاثني عشر انطباعاً بتعددية الخيارات، لكنّ فرص الاختيار المتاحة للفرنسيين عموماً في هذه الانتخابات تبقى محدودة، بعد أن خلا الوسط السياسي المحسوب على “الاعتدال” من أي اسم مؤهّل لمناجزة ماكرون، فيما يحاول مرشحان محسوبان على أقصى اليمين (لوبان) وأقصى اليسار (ميلينشون) اللحاق به بمشقّة.

تتوقع الاستطلاعات فوزاً سهلاً لماكرون بولاية ثانية رغم أنه لم ينجح في استنهاض حزبه من الناحية الهيكلية أو تحقيق أي مكسب في الانتخابات الإقليمية والجهوية التي أُجريَت السنة الماضية، ومن لا يرغب بماكرون رئيساً من جديد سيُجازَى بيمين متطرف يتأهّب لاقتناص الفرصة وتنفيذ وعوده المتشدِّدة.

يتكرر تقريباً مشهد صعود ماكرون قبل خمس سنوات عندما أخلى له الوسط السياسي الطريق ليصعد “السياسي الشابّ” وقتها سريعاً إلى الدور الثاني ويتغلّب على لوبان.

لكنها ليست كل الحكاية، فاليمين المتطرف ينجح في فرض العناوين والمضامين وإن لم يتصدّر النتائج والأصوات، ذلك أنّ المنافسة انزلقت في فرنسا خلال السنوات الأخيرة نحو أولويات أقصى اليمين الذي تعاظمت هيمنته على الشواغل الانتخابية، واقتدر بصفة غير مسبوقة على نظم إيقاعها في المنصات السياسية والإعلامية والشبكية.

دفعت هذه الحالة الوسط السياسي، بما فيه ماكرون وفريقه، إلى مجاراة الحالة الشعبوية عبر محاولة اصطياد الأصوات عبر عناوين تقليدية يستثمر فيها اليمين المتطرف.

خاض إيمانويل ماكرون، بدءاً من سنة 2020، بمعيَّة شخصيات من حكومته وحزبه، تصعيداً ضد المواطنين المسلمين، بدعوى مكافحة “الانفصالية” و”الإسلام السياسي” و”التطرف”، وتوالت إملاءات ثقافية مشبَّعة بالتعليقات المغالية ضد مظاهر الحياة الدينية والثقافية المسلمة بدواعي “تعزيز العلمانية وترسيخ مبادئ الجمهورية”.

لم يبتعد هذا النهج عن سلوك تَكرَّس في الحياة السياسية الفرنسية التي تسلّل إليها الهوَس وهيْمن عليها خطاب التطرُّف، ذلك أنّ فريق ماكرون الذي تدهورت شعبيته في السنوات الماضية أدرك مبكراً أنّ مواجهته الانتخابية الحاسمة في ربيع 2022 ستكون مع أقصى اليمين، مما اقتضى منه تملُّق مزاج جماهيري وقع تسخينه لصالح التطرّف.

ضمنت القيادة الفرنسية أنّ مسلكها التصعيدي مع المسلمين يلقى مباركة الوسط السياسي والمنابر الإعلامية، ويكفي حضور اليمين المتطرف في المشهد لمنح صكّ اعتدال لما سواه في الوسط السياسي، وإن جارى الحالة الشعبوية.

صار هذا التأثير يسري نسبياً على المتطرفة مارين لوبان ذاتها، التي يراها بعضهم عشية انتخابات الرئاسة (أبريل/نيسان 2022) معتدلة بعض الشيء لمجرّد ظهور مَن هو أشدّ منها تطرفاً في المشهد.

يقف إريك زمور، زعيم حزب “الاسترداد”، في خطابه ومواقفه إلى اليمين من لوبان، وكان قبل أشهُر معدودة من الانتخابات الرئاسية أوفر حظاً في مزاحمة منافسته المتطرفة بعد صعوده الخاطف في استطلاعات الرأي قبل أن يتراجع نسبياً.

ويبقى ترشّح زمور للرئاسة “فضيحة الديمقراطية الفرنسية” كما جاء على غلاف صحيفة “لومانيتي” اليسارية بعد دخوله السباق الانتخابي، فالمرشَّح ضالع في ترويج مضامين متطرفة عبر مقالاته وإطلالاته التليفزيونية التي حظيت بمتابعة واسعة، وصرّح بتبنِّي أفكار محسوبة على نظرية المؤامرة، من قبيل نظرية “الاستبدال الكبير” التي ألهمت مقترف مذبحة كرايستشيرتش ضد مسلمي نيوزيلندا في سنة 2019.

ظهر زمور، مثلاً، قبل أسبوع من جولة الاقتراع الرئاسي الأولى، في سوق شعبية في مرسيليا، ليباشر تسخين الناخبين معتبراً أنها مثال للاستبدال المزعوم الذي تشهده البلاد.

آلت جولات الاقتراع الفرنسية إلى مرتع لخطابات متطرفة وحُمّى تحريض تفيض من منصّات سياسية وإعلامية وتضع المسلمين وحالة التنوُّع الثقافي عموماً في بؤرة استهدافها الصريح أو الإيحائي، ولم يجد بعض الوسط السياسي المحسوب على الاعتدال حرجاً في تملُّق هذه الحالة المتشنِّجة من الناحية المضمونية لاستمالة جمهورها وكسب أصواتها وتحييد ذرائعها، ولم يجرؤ على تحذير الأمّة والمجتمع من مخاطرها أو خوض مواجهة صارمة معها.

بلغ الأمر مبلغاً جسيماً في عهد ماكرون الذي شارك في تسخين الموقف بحديثه عن مخاطر “الانفصالية” و”الإسلام السياسي”، وهي تعبيرات فضفاضة حملت وصماً إيحائياً ذميماً للمسلمين ومؤسّساتهم وتجمّعاتهم السكانية، واستثار الرئيس الفرنسي العالم الإسلامي بتصريحاته التي منحت انطباعاً بالحماية السياسية لازدراء المقدسات الإسلامية وبحديثه المتزامن عن أنّ “الإسلام في أزمة في كل مكان”، فتحرّكت حملة مقاطعة واسعة ضد المنتجات الفرنسية.

ساهم صقور إدارته في تصعيد الهوَس في المنصّات السياسية والإعلامية في ما يتعلّق بستر شعور المسلمات، وامتدّ المنحى إلى وصم الأكاديميين والمثقفين والنقابيين الفرنسيين الناقدين لهذا التدهور بأنهم “يسار إسلامي” في مسعى لعزلهم وإسكاتهم، واجترأ وزير التعليم جان ميشيل بلانكير على اتهام الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا بـ”اليسارية الإسلامية” المزعومة، فيما عبّر وزير الداخلية جيرالد دارمانان عن انزعاجه الشديد من المنتجات الحلال في المتاجر الفرنسية تماشياً مع خطابات ماكرون الذي انتقد وجود “قوائم دينية” في مقاصف المدارس، في إشارة إلى الأطعمة الحلال.

دفع هذا الانزلاق الذي شهده عهد ماكرون مفكرين فرنسيين إلى التحذير من “إسلاموفوبيا الدولة” و”مكارثية جمهورية” تستهدف المسلمين، بتعبير عالم الاجتماع السياسي جان فرانسوا بايار.

لم تنفتح الساحة السياسية الفرنسية على مشاركة المكوِّن المجتمعي المسلم فيها، ومالت إلى تغليب منطق “الخطر الداهم على العلمانية أو ثقافة المجتمع”، الذي قد تشكِّله أمٌّ مسلمة تستر شعرها خلال مرافقة التلاميذ في رحلة مدرسية، حسب شواغل المشرِّعين الفرنسيين في سنة 2019.

وما إن انتخب طلبة جامعة السوربون زميلتهم مريم بوجيتو لرئاسة اتحادهم حتى ثارت ثائرة وزراء ونواب ومعلِّقين ضدها كلّما أطلّت على الشاشة وهي مغطاة الشعر أو في محفل عامّ، حتى إنّ صحيفة “شارلي إيبدو” كرّست غلافها لازدراء هذه القيادية الطلابية في رسم مُهين.

عندما يتصرّف الوسط السياسي على هذا النحو ويتهاون في الوقت عينه مع عنصرية أقصى اليمين إن اختصّت بالمسلمين تحديداً وتتواطأ وسائل الإعلام مع هذه الحالة، فإنّ الانطباع الذي يتشكّل لدى الأجيال المسلمة الجديدة أنّها “ديمقراطية ليست لنا”، على نحو يغوي بالانعزال المعنوي عن الجمهورية والقنوط من إمكانية التأثير في مواسمها الانتخابية. إنّ حيرة مسلمي فرنسا تعبير مكثف عن أزمة أوسع، من مظاهرها تآكل الأحزاب التقليدية والعزوف المُتناميٍ عن التصويت في المجتمع الفرنسي عموماً، حتى إنّ ثلثي الفرنسيين أحجموا عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الإقليمية والجهوية التي جرت سنة 2021، وسيبلغ الامتناع عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية منحىً قياسياً حسب التوقّعات رغم سخونة المنافسة.

لن يجد مسلمو فرنسا مبرراً للتصويت لصالح ماكرون سوى الخشية من بديل متطرف يتوعّدهم بسياسات تمييزية وإقصائية فجّة تتجاوز كلّ ما سبق تجريبه. وتبقى النتيجة المؤكدة سلفاً التي سيسفر عنها هذا المعترك الانتخابي، أنّ معضلات الديمقراطية الفرنسية تتفاقم باطّراد، بصرف النظر عن اسم الرئيس الذي تخرج به صناديق الاقتراع جولة بعد جولة.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى