اراءرأي رئيسي

حقّ الخلع بين الشريعة والواقع

25

لن أتزحزح عن يقيني أنّ الله سبحانه وضع للأسرة نظاما داخليا متينا بغرض حفظ الأمّة وقيمها: ومن ذا ظلّ الكتاب العزيز يبدئ ويعيد في الأسرة والمرأة من قبل التأسيس إلى ما بعد الموت وفي الأثناء معالجة المشكلات وبيان الحقوق والواجبات. الأسرة هي الحصن الأخير في الأمّة. عدا أنّ ما يبعث الألم والحزن هو أنّ عدو الأمّة أدرك بمهارة ذلك فظلّ يعمل من أعلى المستويات ( بعض المنظمات الدولية المنضوية تحت الأمم المتحدة) على دكّ ذلك الحصن المنيع. في حين أنّ كثيرا من المسلمين والمسلمات لم يدركوا ذلك فتسلّلت قيم العدوّ إلينا. لا يزعجني إحتلال للأرض ولا إستبداد سياسيّ ولا أيّ شيء. لا يزعجني شيء أكثر من تدنّي الوعي الدينيّ فينا إلى درجة إنتهاك حرمة الأسرة والتضحية بها وهي مصنع الإنسان وحافظ المجتمع وشريانه الدافق. كيف لا وقد تمحّضت أعظم سورة ـ أي سورة البقرة ـ لموضوع الأسرة حتى سمّاها العلماء بحقّ سورة الطلاق الكبرى؟ في تونس مثلا يرتفع معدل العنوسة ليكون هو الأعلى عربيا وإسلاميا ومعدل الطلاق ليكون هو الأعلى كذلك عربيا وإسلاميا. عندما تنزعج لذلك أو تستغرب عجبا فإني أعرّفك بسبب واحد من أسباب أخرى حتى يبطل عجبك : في تونس نفسها كذلك يرتفع معدل إستهلاك الخمر ليكون هو الأعلى عربيا وإسلاميا. لا شكّ أنّ عجبك بطل الآن إذ عرف السبب فبطل العجب كما قالت العرب. كذب المحلّلون وصدق الصّادق المصدوق عليه السلام إذ يقول ( الخمر أمّ الخبائث). أمّ الخبائث لا يعني على الفرد فحسب ولا يعني على العافية البدنية فحسب. إنّما يعني ذلك على المجتمع بأسره وعلى النفس والإرادة والهمّة والقيم الروحية كذلك

الإختلاع : مشكلة حقيقية لا وهمية

تعرض عليّ مشكلات كثيرة من زوجات تركهنّ أزواجهن معلّقات لشهور بل لسنوات وإستمعت بنفسي إلى بعضهم وهو يفصح عن عزمه التنكيل بزوجه تعليقا وعضلا. فلا هو يطلّقها ولا هو يراجعها. وبعضهم قد تزوّج عليها أخرى. وبعضهم غادر إلى مكان معلوم أو مجهول. وغير ذلك مما لا يأتي تحت حصر. أكثر أولئك يظنّ أنّ قطع العلاقة الزوجية هي بيد الزوج فحسب بطريق الطّلاق. ولم يسبق له أن سمع مجرّد سماع بشيء إسمه الخلع أو الفدية. بالرّغم من أنّ ذلك وارد في القرآن الكريم نفسه في سورة الطلاق الكبرى. أي سورة البقرة. أمّا ما ورد في صحيح البخاري عن إبن عباس أنّ إمرأة ثابت إبن قيس شكت زوجها إليه عليه السلام فقال لها : هل تردّين عليه حديقته. أي مهره الذي مهرك إيّاه؟ فلمّا فعلت فرّق بينهما. وكان ذلك لمجرّد دمامة في خلقه. ولم تكن تنكر منه خلقا ولا دينا. قال تعالى مشرّعا ذلك ( فإن خفتم ألاّ يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما إفتدت به). وهو الموضع الوحيد في الكتاب العزيز كلّه الذي إمتلأ بإعلانه أنّ العلاقة الزوجية وعشّها الودّيّ هو حدّ من حدود الله إذ حقن هذا الموضع بذلك كما لم يحقن أيّ موضع عداه رغم ورود الحدّ في غيره. العشّ الزوجيّ هو حدّ الله الوحيد. إذ ما ورد حدّ الله إلاّ وهو يتحدّث عن العلاقة الزوجية إعتكافا وإرثا وطلاقا وظهارا. ناكية الناكيات هي أنّ الإسلام يرفع تلك العلاقة إلى أن تكون حدّ الله الواحد ونحن نخفض ذلك حتى يكون هزلا وعبثا. أحيّي عدوّي الذي فقه ذلك أبلغ منّي. فهو يتوجّه إلى حدّي ذاك إبتغاء خلخلة أركانه. في حين أنّي أوري الزوابع والمعارك حول شعرات في الذقن أو سروال أو سنّة. أجل. أحيّيه لعلّي أفيد منه

معادلة معقولة : طلاق هنا وإفتداء هناك

أعرف أنّ كثيرا من المسلمين ـ أعني الذين سبق لهم أن علموا أنّ للمرأة حق الإفتداء من زوجها ولا أعني الذي لا يعلمون بذلك ـ غير مسرورين بهذا التشريع الذي فاجأهم إذ أنّهم يرون دوما أنّ فكّ عرى العلاقة الزوجية هي بيد الرّجل بسبب فحولته. لا أبكي على شيء بكائي أنّ كثيرا من المسلمين لم يفقهوا ثورة الإسلام لتحرير الإنسان بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة. لك أن تقارن الآن وليس بعد الآن بين شريعة الإسلام وشريعة غيره من المسيحيين بمختلف شقوقهم واليهود وغيرهم. لترى بنفسك إلى أيّ حدّ وصل الإسلام بالإنسان والمرأة وتقديس المؤسسة الحصن. بغّض الله الطلاق إلى أبعد الحدود. ولكنه دين الواقعية لا المثالية المحلّقة. ولذلك أباحه. ولكن بالتساوي بين ركنيه. إذ أتاح للزوج حقّ الطلاق بمثل ما أتاح للزوجة حق الخلع بفدية. الذي لا يريد الناس مجرّد الإلتفات إليه بسرعة ويسر هو أنّه عليه السلام قبل من زوج قيس إبن ثابت إختلاعها بلا تردّد بشرط وحيد هو إعادة المهر. وأنّ السبب الذي قدّمته كان كافيا وضافيا وشافيا له عليه السلام ليكون فراق. ولم يكن ذلك سوى أنها لم تعد تحتمل رؤية دمامة وجه زوجها. هل يصدّق الناس هذا؟ قليل من قليل يفعل ذلك. لم؟ لأنهم لا يريدون تصديق هذا. الإسلام يملّك المرأة على قدر المساواة مع زوجها حقّ فكّ عقدة الزواج من ناحية. ومن ناحية أخرى يقبل أن يكون ذلك لمجرّد ما نسميه نحن اليوم هوى نسويّا وطيشا أنثويّا وفسادا ودلالا زائدا. لمجرّد أنه دميم؟ ذلك هو الإسلام وذاك هو نبيّه لمن أراد أن يجدّد إنتماءه إليه ليكون أسعد. أمّا التجاهل فإنه يراكم المشكلات حتى تنفجر يوما في وجه صاحبها

جريمة الإمساك للضّرار

تدبّر معي الآن هذا الهجوم الكاسح من النظم القرآنيّ البليغ ضد الزوج الذي يبقي على زوجه معلّقة نكاية وتنكيلا. إذ قال سبحانه في السورة نفسها أي سورة البقرة ( ولا تمسكوهنّ ضرارا لتعتدوا. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه. ولا تتخذوا آيات الله هزوا وأذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به. وإتقوا الله وأعلموا أنّ الله بكلّ شيء عليم). الله وحده يشهد أنّي عاينت هذا بعينيّ هاتين مرّات ومرّات. بسبب هذه المهنة التي حقّ أن يقال عنها أنّها مهنة المتاعب. أكتب هذا والله يشهد أنّي أحترق إحتراقا إذ أستحضر بعضا من تلك النكالات والشماتات والنكايات. ويظنّ أولئك الأزواج ـ حتى وهم في أروبا أو في غيرها ـ أنهم بمنأى عمّن ينتصر لزوجه المكلومة. فهو الفحل الذي وضع الإسلام بيده حقّ الطّلاق تشريفا لفحولته القذرة. وهو من يقدر على تلقينها درسا لن تنساه. يظنّ بعضهم ذلك لأنّهم نهلوا من هذا القدر الفاسد عندما كانوا في البلاد العربية حيث تستحي المرأة أن تعرض مظلمتها على القضاء لينصفها. وحيث يجتمع كلّ الناس ضدّها. حتى أمّها وأباها وأختها وأخاها. لا أبرّئ المرأة بالمطلق. إذ عرضت عليّ حالات عاينت فيها ظلم المرأة لزوجها. والنفس هي هي. لا فرق فيها أن تكون في وعاء رجل أو وعاء إمرأة. النفس أمّارة بالسوء إلاّ من رحم ربي سبحانه. أليس أبلغ في هذا أنّ الله سبحانه عدّ الذي يعلّق زوجه ـ أو يعضلها أن تستخدم حقّها في الإختلاع أو يطلّقها ـ هازئا بآياته؟ إقرأ الكتاب كلّه بنفسك وأرصد المواضع التي فيها هزؤ بآيات الله. سلتفى أنّ جريمة الهزؤ لا تصدر إلاّ عن منافق. إفعل بنفسك لترى. أضف هذا إلى ما سبق وأنف. أي أنّ هذه العلاقة حدّ من حدود الله سبحانه. لا . بل هي الحدّ الأوحد بلغة القرآن الكريم. ثمّ قارن بين هذا التشريع الوفيّ الكريم وبين واقع المسلمين في معالجة هذا العشّ المقدّس. بعد ذلك كلّه ستجد أنّ ما حلّ بنا من كلّ النكبات إنما هو ضربة لازب نستحقها وما كان ربك بظلاّم للعبيد

لم يلجأ بعض الأزواج إلى العضل؟

العضل هو المنع لغة. العضل شرعا هو الحيلولة دون المرأة ودون إختيارها النكاح من جديد أو العودة إلى زوجها. بيّن الله سبحانه بعض الأسباب التي لأجلها يعضل الزوج زوجه من فكّ عقدة الزواج فلا يطلّقها. فقال سبحانه ( ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ). معنى ذلك أنّ بعض الأزواج لا يطلّقون أزواجهم فرارا من أداء ما يترتب عليه قضاء. أي فدية ونفقة وغير ذلك. فهو يتركها معلّقة حتى يضطرّها إلى طلب الخلع. وعندها يعود إليه المهر الذي دفعه إليها من قبل. يظنّ هؤلاء أنّ الله لا يعلم ما في الصدور؟ أم يظنّ أولئك أنّ الله لن يفضح ما في قلوبهم؟ أم يظنّ أولئك أنّ الإنسان بفحولته أكرم عليه سبحانه وأنّ المرأة بأنوثتها شيطان أخرس أو سقط متاع؟ تعس الإيمان هو إن كان في القلب إيمان. وبذا يكون حبّ الدنيا هو السبب الذي لأجله يدوس هؤلاء حق الإنسان. وأيّ إنسان؟ إنه الزوج الذي له منه الولد

الأسرة حصننا الأخير فلا تهدموه

هل نعي أنّ الإسلام لنا قلعة تحمينا؟ هل نعي أنّ الأسرة في هذه القرون الأخيرة هي آخر معقل من معاقل تلك القلعة؟ وأنّها الحصن الأخير الذي مازالت فيه بقية حياة؟ هل نعي أنّ عدوّنا أدرك ذلك قبلنا؟ هل نعي أنّه يعمل لذلك جاهدا ومن أعلى منظمة أممية من خلال إتفاقية ( سيداو) ومؤتمر القاهرة 1994 وبعدها بعام واحد مؤتمر بيجين 1995 ومن خلال أمور أخرى على خلخلة ما بقي من أركان ذلك الحصن؟ ليس لنا اليوم سقف سياسيّ يحمينا. وليس لنا قوة إقتصادية بأيدينا ـ بأيدينا ـ تحمينا. وليس لنا قوة علمية ومعرفية تحمينا. تبدّد كلّ ذلك ولم يبق لنا إلاّ آخر حصن هو الأسرة. كجنديّ مقاتل في ساحة الوغى نفدت ذخيرته وهو في مواجهة عدوّه وجها لوجه إلاّ خرطوشة واحدة أخيرة فهو يحرص على حسن التسديد. وإلاّ فهو مقتول لا محالة. ذلك هو وضعنا فيما رأيت. من له غير ذلك فلينوّرني. رسالة هذه القالة أن إتقوا الله في هذا الحصن الآخير رجالا ونساء معا. تدبّروا عظمة هذا التشريع العظيم الذي لا إعتبار عنده للجنس ولا للّون ولا لأيّ شيء. عدا التقوى. عدالة نحن عنها متخلّفون : إمّا حياة طيّبة ولا طيب إلاّ بالمشكلات التي لم ينج منها خير البيوت في الأرض. أي البيت النّبوي. فإن تعذّر ذلك فتسريح بإحسان. أي طلاق من جانب الزوج يتحمل تبعاته. أو إختلاع من جانب الزوجة تتحمل تبعاته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق