اراءاهم الاخباررأي رئيسي

حظر حرية المرأة : ردة عن العلمانية وأفول للديمقراطية

إقرار الحكومة النمساوية في بحر الأسبوع المنصرم حظر إختمار التلميذات في المدارس ليس عملا معزولا بل هو لبنة في مسار ستكون له تداعياته المؤلمة في العقود الطويلة القابلة سيما أنه يختار الوقت المناسب لتغذية البرلمان الأروبي الجديد ـ وهو الآن رهن التشكل ـ بمنابر عنصرية يمينية متطرفة جديدة وأنه يصدر في دولة تعترف بالإسلام دينا إلى جانب اليهودية والمسيحية بطوائفها الثلاث وقطار العدوى الخبيثة يغذ السير غذا مذكرا بعدوى جنون البقر الذي ضرب ذات يوم إنجلترا ثم إجتاح أروبا بأسرها

نص القرار أشد عنصرية وتمييزا من القرار نفسه

جاء نص القرار يؤكد حظر الإختمار على التلميذات في المدارس الأساسية وينصّ في السياق ذاته على أن هذا الإجراء لا يشمل القبّعة اليهودية ولا ملابس الطائفة السيخية. وبذلك يورط المشرع النمساوي نفسه في لوثة عنصرية هي الأفظع وتمييز ديني يذكّر بحروب الفرنجة التي أوراها المتدينون الأصوليون المتشددون في أروبا ضد المسلمين في الشرق كما يذكّر بالحروب الدينية نفسها التي مزقت النسيج الأروبي إربا إربا ومنها حرب الثلاثين عام المعروفة وذلك قبل حسم الموقف الحرج بإجراء وسطي هو العلمانية ولا أظن أن قرارا أروبيا صيغ في مثل هذا الشأن في السابق وفي أي دولة أروبية بمثل هذه الصياغة الفائضة حقدا والنابضة حنقا والزاكمة لأنوف الأحرار ريحا كريهة بما جعل سياسية نمساوية تحتج على هذه العنصرية المقيتة بإرتدائها الخمار وهي في جلسة عمل حكومية رسمية

الخمار ليس رمزا دينيا ولا علامة طائفية

غير المسلمين من كل المذاهب والمشارب يعلمون هذا أكثر من المسلمين أنفسهم ذلك أن الإسلام ليس نحلة دينية فحسب أو ملة طائفية تخص مجموعة تشترك في جذر واحد أو واقع واحد. الإسلام خارج تلك الدوائر الدينية والطائفية والمللية والنحلية والمذهبية بسبب أنه دين مفتوح لكل إنسان بغض النظر عن عرقه وأصله ولونه وعنصره ولسانه وبذلك يكون الإسلام هو الدين الوحيد العابر لفضاءات الزمان والمكان فهو فوق كل ذلك يتيح الإنتماء إليه بلا مقدمات ولا إعتذارات ولا شروط ولا طقوس وهو دين لا يكره أحدا لا على إعتناقه ولا على الخروج منه إلا أن يخرج عليه شاهرا سيفه فإنه يتابعه قضائيا لا فوضويا همجيا بسبب عدوانه وليس بسبب خروجه. ومن البراهين على أن الخمار ـ وغير الخمار من الإلتزامات الإسلامية ـ ليس رمزا دينيا هو أنه لا يكفر المرأة التي لا تحمله ولا يخرجها من الملة ولا يعاملها معاملة سيئة بل هي مؤمنة مسلمة لها الذي لها وعليها الذي عليها ككل مؤمن ومؤمنة وككل مسلم ومسلمة وهو لا يكرهها لا على إختمار ولا على إنتقاب ولا على سفور. الإختمار وظيفة إجتماعية في الحياة الإسلامية وليس طقسا دينيا ولا رمزا طائفيا ذلك أن الحكمة من الإختمار ليست سوى إشعار المرأة الناس في الفضاء العام ـ وليس في البيت ـ أنها إنسان كامل الإنسانية ومطلق الكرامة لا يفضلها فحل في إنسانيتها بسبب إختلاف الأعضاء التناسلية وأن الأفضلية في الفضاء العام تكون بحسب العمل والإجتهاد لإحلال العمارة بدل الفساد والعدل بدل الجور والفضيلة بدل الرذيلة. ذلك أن غير المختمرة ـ سيما التي تسرف في التعري والسفور ـ إنما تدعو بغير وعي منها ـ جبليا وغريزيا ـ إلى إعتبارها جارية توطأ وإنسانا من درجة ثانية تكون محلّ تسلّ ومتعة وقضاء وطر جنسي. الخمار في الشريعة الإسلامية إعلان بالصوت والصورة أن المرأة إنسان وليس جارية وأنها كفؤ للرجل بل تفوقه وأن حياتها الجنسية خاصة ببيتها وهي هنا في الفضاء العام بكل حقوله السياسية والعسكرية والفنية والفكرية والمالية عضو مجتمعي عامل يساهم في العمارة وإقامة العدل وتزكية النفوس والعقول معا. لو كان الخمار رمزا دينيا لفرض من أول يوم من أيام تنزل الدين ومعلوم أن إيجابه تأخر إلى السنوات الأخيرة من حياة النبي محمد عليه السلام وظلت المرأة لا تختمر ولا تستر حتى الجانب الأشد إغراء ـ الجيب وما يحضنه من نهود ـ أكثر من ثلاثة أرباع مرحلة تنزل الدين. الخمار وظيفة إجتماعية وإعلان إنساني وإختيار حقوقي

صراع الحضارات حقيقة

لما ظهرت نظريتا ( نهاية التاريخ وصراع الحضارات لكل من فوكوياما وهنتنغتون الأمريكيين من أصل غير أمريكي ) قبل عقدين تقريبا كان التعامل معهما من لدن كثير من المفكرين المسلمين أدنى إلى التهافت والسخرية منه إلى الجدية. حقيقة الحضارة الغربية بفلسفتها المادية هي نظرية نهاية التاريخ. ذلك هو الغرب الفلسفي عندما يقوم من بيت النوم ولم يثخن وجهه الكالح بعد بالمزينات والمساحيق التي تغري المتهافتين من غير الغربيين وفاقد الشيء لا يعطيه كما قالت العرب. سرّ ذلك القبح في الوجه الغربي الفلسفي هو إبتعاده المقصود عن المنهج الإسلامي وليس من عنوان للمنهج الإسلامي حضاريا وعمرانيا عدا عنوان الفطرة الإنسانية والتناغم مع شبكة السنن الإجتماعية. كيف ينتظر من حضارة تقوم على نظرية نهاية التاريخ ( التي تعني بالمصطلح الإسلامي : شعب الله المختار الذي بسبب قربه من الله فلن يعذب بل يكرم ويثاب حتى وهو يسفك الدماء ) أن تنصف الآخرين وتعاملهم بعدل؟ نهاية التاريخ تعني أن الزمن توقف عند الإبداع الغربي وأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان ولم يترك الغربيون لغيرهم شيئا وأن الأرض كلها ما ينبغي عليها سوى الإذعان والخنوع والسجود والركوع والإتباع للنبي الجديد : الغرب العاهر. نهاية التاريخ هي النظرية الأصولية الغربية الجديدة الأشد تدميرا للعالم لأنها تعدم بتبنيها النهاية وزعمها الحداثة وإغلاقها باب الإجتهاد لغيرها كل محاولة للتحرر ومبادرة للإنعتاق. إذا كان التاريخ السياسي لأمة الإسلام أسود في نظري فإن التاريخ الفكري والفلسفي للغرب أشد سوادا. وليس نظرية صراع الحضارات إلا تلطيف لنظرية نهاية التاريخ إذ هي تعني أن هناك حضارات غير غربية مازالت تضمر الإختلاف عنّا وسمّى صاحبها سبعا منها الحضارة الإسلامية وقال ذلك بصفاقة أمين عام أسبق لحلف الناتو أن الخطر الأصفر ( الشيوعية ) تخلصنا منه وظل أمامنا الخطر الأخضر ( الإسلام ) ماثلا والمعركة الصراعية مستمرة. وصراع الحضارات عندما يفسره أكبر مسؤول عسكري وأمني في الأرض بمثل ذلك فإنه يعني أنه ليس أمام الغرب إلا إدارة الحرب باردة وساخنة مع الإسلام حتى يحتوى وتخضد شوكته كما فعل بالدب الروسي بالتمام والكمال في نهاية 1989

ردة علمانية ولا ( قاليلي ) لها

الردة ظاهرة كنسية مسيحية غربية ولا علاقة لها بالإسلام مطلقا حتى لو أغرق كثير من الشباب المتدين حديثا أنفسهم في البحث عن حدّ موهوم للردة ظانين أن الإسلام دين يرتد عنه من إعتنقه والحقيقة التاريخية أثبتت أن الإسلام يرتد إليه دوما ولا يرتد عنه ولولا أنه دين يرتد إليه وليس عنه لفني دين ظل محلّ حرب شعواء لا يهدأ لها أورا من قريش وحركة النفاق وفلول الإسرائيليين قديما إلى الحضارة الغربية حديثا من حروب الفرنجة إلى حروب الإسلاموفوبيا ويتطلع الغرب اليوم إلى وهم ( صفقة القرن ) لوأد التاريخ وأدا وقبر الأمة قبرا ولذلك لم يحفل التشريع الإسلامي بعقوبة ولا حد على المرتد لأنه لا وجود لمرتد يحفل به. بينما يرتد عن المسيحية في كل عام عشرات الآلاف وهنا في ألمانيا صيحات فزع لا تخطئها العين من حين لآخر في بعض الصحف وهي تحصي عدد المنسحبين من الكنيسة ولا حديث عن اليهودية لأنها حسيرة العدد من جهة ولأنها أمتن عقائديا بل وأقل هرطقة وزندقة من المسيحية بطوائفها الثلاث من جهة أخرى ولأنها تقوم على الرابطة الدموية والعنصرية والقومية من جهة ثالثة. الذي يعنينا هنا هو أن العلمانية التي كانت معالجة رشيدة ذات يوم قبل عقود طويلات تتعرض اليوم إلى حركة ردة قاسية إذ أن العلمانية بادئ بدء ليست سوى معالجة سياسية ذكية جدا لحقن الدماء وحفظ الوطن الأروبي وإجراء مصالحة بين الكاتوليك والبروطستنت وغيرهم من النحل الدينية داخل الجبة المسيحية وذلك بعدما إستحر القتل وأنهكت الكنيسة والقيصرية معا وإشتدت صفوف الأحرار من العلماء الكبار ومن ورائهم جماهير غفيرة وجيوش لجبة من المسحوقين والمقهورين وكان النداء الأخير للمعركة ( أشنقوا آخر قيصر بأمعاء آخر قسيس ). وبذلك كانت الثورة الأوربية حقا ثورة عظمى في التاريخ البشري المعاصر وذهب ضحية ذلك علماء أعدموا منهم العالمان الإيطاليان الكبيران اللذين يحتفى بهما اليوم وتتسمى بإسميهما شوارع في أروبا بالمئات والآلاف : قاليلي وكوبرنيكس

قامت العلمانية إذن على تحرير الفضاء الشخصي للإنسان من الجور الكنسي والإكراه القيصري فكانت العلمانية تعني في ذلك الفضاء الفلسفي الحضاري التاريخي الحرية والكرامة وغير ذلك من القيم التي سبق للإسلام أن نادى بها وأغرى وكانت خطوة عملاقة فتحت لأوربا أبواب النهضة على مصراعيها وظل الأمر كذلك حتى إصطدمت أروبا العلمانية بالإسلام فكان الإصطدام قاسيا جدا ومريعا ومؤلما إذ أفرزت أول صدمة بينهما إنقلابا في القيم العلمانية التحررية ومنذ ذلك الوقت بدأت المراجعات الأوربية تترى وحقيقتها أن العلمانية شفاء داخلي أن تمزقنا التعدديات العرقية واللسانية والدينية ولكن العلمانية داء وبيل ومرض عضال عندما يتعلق بالإسلام ذلك أن العلمانية خارجيا يفيد منها المسلمون أيما إفادة ويمكن بمرور الزمن أن يغرق ذلك القارب الأروبي وتنقلب المعادلات الديمغرافية خاصة أن تجربتنا مع الإسلام في حروب الفرنجة أظهرت أن هذا الدين يغري العقول ويستقطب الناس وما ذلك سوى بسبب مساحات الحرية التي يعرضها ومن هنا بدأت الردة عن العلمانية في الصفوف الفكرية والإعلامية ولكن ظل الصف السياسي الأوربي محتشما منافقا لا يجرؤ على ما يجرؤ عليه المفكر والإعلامي وظل ذلك الصف السياسي يصرف الردة العلمانية والإنقلاب عن الديمقراطية بما تسنى له إذ إنقلت على الخيار الشعبي الجزائري في عام 1991 وحطم كل محاولة ديمقراطية عربية وعرض كل مبادرة تحررية إسلامية للتعويق وبذلك أطلق المسلمون على العلمانية الغربية أو الديمقراطية الأوربية : الرجل الأعور أو المرأة الحولاء أو العلمانية ذات الطبيعة المركزية العنصرية التي لا تقبل الآخر إلا في حقلها الفلسفي والفكري فإذا كان الآخر مسلما فلا علمانية ولا ديمقراطية بل حرب باردة من لدن السياسيين وساخنة من لدن المفكرين والإعلاميين

خلاصات وحصائل

أوّلا : أثبتت نظرية نهاية التاريخ الغربية أنها نهاية الألق الأروبي وبداية الأفول الغربي ذلك أن التاريخ بتجربة الإنسان وحركته نحو التحرر لا تنتهي ولا تتوقف حتى يوم القيامة ومن يدعي ذلك فقد أعدم البشرية وأعاق النهضة

ثانيا : صراع الحضارات حقيقة يسميها الإسلام تدافعا لولاه لفسدت الأرض التي تأبي السكون والأسن ولكن الغرب يسميها صراعا والصراع عنده هو الحرب باردة وساخنة إذ أنه لا يحتمل المنافسة ولا قيم التعدد بسبب قيامه على نفي الآخر وعلى عقيدة فلسفية أحادية لا مكان فيها للكافر والهرطيق والزنديق فهو من يعدم المرتد وليس الإسلام

ثالثا : الخمار ـ وغيره من الأشكال والمباني في الإسلام ـ ليس رمزا دينيا ولا علامة طائفية ولا أمارة نحلية أو مللية بل هو إعلان إنسانية وإشهاد تحرر ووظيفة إجتماعية ذلك أن الإسلام ليس دينا فحسب كما هو الحال في المسيحية بل هو دين يغذي الحياة بقيم إنسانية تحرره من المنزع البهيمي

رابعا : تشهد العلمانية الأروبية ردة عن أصولها التحررية الإبتدائية التي نشأت عليها وهي ردة ستلحق القيمة الديقراطية في هذه المجتمعات وهي بدايات أفولات وتراجعات خطيرة ولن يتوقف خطها حتى تلتحم حرب شعواء ضارية يعمل المسلمون والأحرار والحقوقيون على تلافيها وتجنبها ولكن قطعان الهمج الإفرنجية الداعمة لأذيال الإحتلال والقهر في كل مكان والمتسيدة على القرار الأوربي بديمقراطية تديرها الأموال الفاسدة واللوبيات الفاحشة تعمل على تأجيجها

الهادي بريك ـ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق