اراءاهم الاخباررأي رئيسي

حجّ البيت الحرام : حكم وأحكام

الجزء الأوّل : حكم الحج

حقيقتان قبل البداية

الحقيقة الأولى

ثواب أيّ عبادة ـ والعمل كذلك ـ يتحدّد وفق سلّم ثلاثيّ الأبعاد : البعد القصديّ. أي الباعث القلبيّ عليه لقوله عليه السّلام (إنّما الأعمال بالنّيات). والبعد العمليّ. أي موافقة تلك العبادة ـ أو ذلك العمل ـ للسنّة النبوّية إن كانت هناك سنّة. أو عدم مصادمتها في الحدّ الأدنى لأصل ثابت أو نقل صحيح أو عقل سليم. والبعد الغائيّ. أي تحقّق مقاصد تلك العبادة ـ أو ذلك العمل ـ في الواقع بدء من النّفس تزكية وتطهيرا وإنتهاء بالواقع إصلاحا وتغييرا. ليس الثّواب ضربة حظّ يستوي فيه الجامع بين تلك الأبعاد الثّلاثة وبين العابد (أو العامل) المقلّد أو المتّبع بغير إحسان. ومن ذلك أورد القرآن الكريم مرّات قوله (لا يستويان). ولكنّ رحمة الله للمؤمن أوسع. ولذلك عادة ما يعقّب بقوله (وكلاّ وعد الله الحسنى). دليل البعدين الأوليين هو قوله سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا) ودليل البعد الثّالث هو قوله سبحانه (والسّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين إتّبعوهم بإحسان) والإحسان هو الإتقان. حتّى لكأنّ العابد (أو العامل) يرى ربّه عيانا أمامه. ذلك أنّ فئتي المهاجرين والأنصار فقهوا أسرار التّشريع ولزموه فكانوا بذلك التّقديم جديرين

الحقيقة الثّانية

لست أرى سببا قاهرا لتراجعنا عن مقامات القيادة التي أعدّت لأمّة الإسلام عدا سببا واحدا جامعا عنوانه : غياب الوعي التّوحيديّ الجامع والفهم الموضوعيّ الشّامل للوحي في رسالته العامّة وخاصّة في محكماتها القطعية. إخترنا بديلا هجينا عنوانه : الوعي الجزئيّ المصروم. فكنّا أشبه بمن إتّخذ القرآن عضين. البديل عن هذا السّبب هو القول ـ كما قال عبيد الفكر الغربيّ ـ أنّ المشكلة في الإسلام الذي لا يدفع إلى التّحرّر. وليست المشكلة فينا نحن. إمّا أن نعترف بتراجعنا ونبحث عن أسبابه. وأنّ عنوانها هو قصورنا نحن. قصورا عقليّا. لأنّ العقل هو غرفة القيادة. وإمّا أن نتّهم الإسلام ذاته. لا أرى بديلا ثالثا. غدت عباداتنا محطّات باهتة شاحبة. فما ساهمت في إصلاح أعطابنا. والحال أنّ عباداتنا ما أنشئت إلاّ لتلوّن الحياة كلّها بلون العبادة والتّزكية والطّهارة والتّحرّر والقوّة والعلم وصفّ واحد متنوّع

من حكم الحجّ

للحجّ ـ ككلّ عبادة وكلّ عمل ـ حكم تجعل منه وسيلة لغاية. إذ أعمال العقلاء منزّهة عن العبث كما يقول الحكماء. بعض تلك الحكم نصّ عليها الوحي نفسه نصّا. وبعضها فوّت فيها لإجتهاد النّاس. وما نصّ عليه نفسه منه ما هو صريح بمبناه ومنه ما هو صحيح بمعناه. ذلك هو منهاج الوحي في معالجته مقاصده ومصالحه

حكم نصّ عليها الوحي بالمبنى

شهود المنافع وذكر الله سبحانه

ذكر ذلك في قوله سبحانه (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا إسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام). السّؤال هو : ما هي المنافع التي يشهدها الحاجّ؟ المنافع عادة ما تنصرف في النّظم القرآنيّ الكريم إلى مصالح الدّنيا. مثلها مثل الفضل الذي عادة ما ينصرف هو كذلك إلى ذلك. ذكر القرآن الكريم نفسه منفعة من تلك المنافع وذلك في قوله سبحانه (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم). والمقصود ـ قولا واحدا لا خلاف عليه ـ إقتراف التّجارة وما يدرّ على الحاجّ مالا. سيما أنّه يحتاج إلى إستعادة مصاريف رحلته. أمّا مصلحة ذكر الله سبحانه فهو مقصود بالضّرورة. عدا أنّ عقلنا تأخّر كثيرا في حسن فقه قيمة الذّكر الذي حفل به الوحي حفلا عجيبا. إذ قصرنا الذّكر على حركة اللّسان. وهو خطأ شنيع. بل هو الأشنع. ولو كان المؤمن ذاكرا ربّه سبحانه بلسانه فحسب ـ وكثيرا ما يكون حتّى في تلك الحركة غافلا ـ فإنّه لن يكون عابدا. وهذا يصطدم مع أصول أخرى ونقول تجعل المؤمن ذاكرا حتّى وهو يأتي شهوته أو يسعى في مناكب الأرض عيشا. خصّ من الذّكر هنا ذكر أيّام منى التي قال فيها سبحانه (وأذكروا الله في أيّام معدودات). ولكنّ كلّ حركات الحجّ ذكر لله سبحانه بدء من الإحرام الذي هو ذكر ظاهر بالثّياب قبل حتّى التّلبية ذاتها ونهاية بالحلق أو التّقصير تحلّلا ومرورا بالرّكن الذي لا يسقط ولا يجبر ولا ينوب فيه أحد عن أحد. أي وقوف عرفة. كما أشار الوحي إلى سبب واحد من أسباب الذّكر وهو الرّزق من بهيمة الأنعام التي منها الهدي والأضحية. هل يذكر الحاجّ هنا ربّه بلسانه فحسب؟ لا. طبعا. ما لم نراجع مفهوم الذّكر الذي طفح به الوحي طفحا لا ينافسه طفح فإنّا نفرغ عباداتنا كلّها بل حياتنا كلّها من قيمتها المعنوية وشحنتها الرّوحية ونحن نظنّ أنّنا بذكر اللّسان فحسب نحسن صنعا

تأطير النّفس على عبادة الإتّباع

عبادة الحجّ ـ مثل عبادة الصّلاة نسبيا ـ تكتنز قيما رمزية. التيمّم مثلا في الطّهارة للصّلاة عبادة رمزية. لا حقيقية. من رموز الحجّ : الطّواف من حيث إتّجاهه وعدده ومثله السّعي. التّرميز في العبادة مقصده تعبيد النّفس وترويضها على الإيمان بالغيب والطّاعة بالغيب. ولذلك قال عليه السّلام في الأمرين معا صلاة وحجّا (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) و (خذوا مناسككم عنّي). وما ذلك سوى لأحتوائهما التّرميز. ولأنّ العلم بهما عمليّ أوّلا ثمّ ينسبط تعليم الحكم منهما. حكمة التّديّن كلّه هي : الإتّباع في الدّين والإبتداع في الدّنيا

محطّة للتّزكية والتّطهّر

كلّ العبادات هي محطّات للتّزكية والتّطهّر. عدا أنّ الحجّ أطول محطّة زمنية لذلك. إذ تستغرق ساعات طويلات مهما تعجّل الحاجّ أو أقصر حجّه. كما أنّ الحجّ يجمع إليه تقريبا كلّ العبادات السّابقة عليه بقيمها : فيه الصّلاة. وفيه الصّيام جبرا لقصور أو نافلة. وفيه الإنفاق. الحجّ قمّة النّظام التّعبّديّ في شريعة الإسلام. ولذلك فرض مرّة واحدة في العمر. أبعاده فردية وجماعية معا. هو عبادة العمر يعضد عبادات اليوم (الصّلاة) وعبادات السّنة (الصّيام والزّكاة). من نصوص الوحي التي تزكّي الحاجّ قوله سبحانه (فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ). وهو ضبط للنّفس عن مباحاتها. بما يجعل الحجّ هنا شبيها بالصّيام. ومن ذا الذي يكفّ لسانه عن الجدال حتّى وهو محقّ؟ من لم يع أنّ العبادات هي دورات تأهيلية عملية مكثّفة لإصلاح النّفس بغرض إصلاح الحياة فهو الغافل حقّا. الهدي نفسه من وظائفه التّزكية والتّطهير. لأنّه إنفاق. لقوله سبحانه (خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها). بل إنّ الحجّ محطّة للتّزوّد بالتّقوى بصريح الوحي في آية الحجّ (وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى). وما صورة النّية التي جعلت للحجّ من خلال الإحرام بلباس محدّد للرّجال دون النّساء إلاّ إعلانا من الحاجّ والمعتمر أنّه متمحّض للإقبال على ربّه إقبالا مستغرقا خالصا من أدران الدّنيا وشهواتها. وهو يعبّر عن ذلك بظاهره ملبسا وقولا ملبّيا وتجنّبا للتّرفّق حتّى في أشكاله اليومية. من مثل التطيّب وحلق الشّعر وغير ذلك. الصّلة هنا قوية بالصّلاة. إذ كلا العبادتين إنسلاخ مؤقّت عن الدّنيا وتفرّغ للنّهل من إيثار الآخرة. لو ترك المرء إلى ذلك ترغيبا فحسب ما وجد وقتا له. ولكن يوجب عليه ذلك في محطّات محدّدة. ولقيمة الأبعاد التّطهيرية قال عليه السّلام لمّا سئل أيّ الأعمال أفضل (إيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله وحجّ مبرور). وقال كذلك (من حجّ فلم يرفث ولم يصخب رجع كيوم ولدته أمّه). بل ورد أنّ الحجّ يهدم ما قبله. مثله مثل الإسلام من بعد كفر والتّوبة من بعد عصيان. كما عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقوله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التّقوى منكم). ولئن إختلف العلماء في عود ضمير فعل النّوال هنا فإنّ المعنى واحد. وهو أنّ ما ينحر هناك هديا أو أضحية إنّما هو لبنات من التّقوى يعمر فؤاد المنفق
محطّة للتّكافل الإجتماعيّ

ما شرع الهدي في الحجّ سوى لمقصد إطعام المحتاجين. تغيّرت بعض الأوضاع اليوم فلا يشهد الحاجّ هديا ينحر ولا أضحية. ولا يقوم هو بنفسه بإطعام المحتاجين. ساهم ذلك في ضمور الأبعاد الإجتماعية للحجّ. ولكنّ كلّ الكفّارات تقريبا لا تخلو من فقرة الإطعام بمثل عدم خلوّها من فقرة التّحرير. وعادة ما يكون الصّيام فيها مؤخّرا. العبرة من ذلك هي أنّ الشّريعة تهتبل وقوع الإنسان في المعصية ـ وهو مفطور عليها ـ لحمله على جبر معصيته جبرا إجتماعيا. وذلك بجبر حاجات الفقراء والمساكين ومن في حكمهم. قال سبحانه (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) كما قال في السّياق ذاته (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ). كان الجوع في تلك الأيّام ضريبة يومية. وقليل من ينجو من براثنه. طرد الجوع اليوم من تخوم الحرمين الأوليين. ولكنّه يملأ وهادا ونجادا يصل إليها ذلك الهدي وتلك الأضحيات. مقصد التّكافل متواصل إذن

تجسيد التّوحيد الإبراهيميّ

إرتبطت عبادة الحجّ في القرآن الكريم بإبراهيم عليه السّلام. حتّى قال سبحانه (وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق). وغير ذلك ممّا ورد في ذلك الإرتباط. المعنى من ذلك هو البيان عمليا ـ وليس قوليا فحسب ـ أنّ التّوحيد النّصرانيّ المزعوم ومثله اليهوديّ والعربيّ الشّركيّ السّالف إنّما هو تديّن غير مقبول. حتّى لو تمسّك أهله بالنّسب الإبراهيميّ. الحجّ يعمّق عقيدة التّوحيد كلّ التّعميق ذلك أنّه يدرّب النّاس بالصّوت والصّورة وبشكل جماعيّ يتكرّر كلّ عام على الطّواف حول كعبة واحدة. والسّعي بمثل ذلك. وفي عرفة بمثل ذلك. شعائر موحّدة وفي زمن واحد ومكان واحد. الرّسالة هي : التّوحيد الذي يعمر القلوب هنا محلّ تجسيده عمليّا وجماعيا. وعلى مرأى ومسمع من العالمين. وهو التّوحيد الإبراهيميّ الصّحيح. كلّ العبادات جاءت لتعميق التّوحيد. لأنّ التّوحيد الخالص هو الفرق الجوهريّ الكبير الذي لا يمكن ردمه بين الدّين ذي الأصل السّماويّ. ومن ذلك إرتبط السّعي بإحياء عمل هاجر أمّ إسماعيل وهي تركض رملا وحرقة على فلذة كبدها المهدّد بالموت عطشا. وإرتبط رمي الجمرات بما فعله إبراهيم وهو يطيع ربّه وولده إسماعيل في مشهد الذّبح. هو إحياء رمزيّ وليس حقيقيّ. الحياة حقائق ورموز أبدا. ومقام إبراهيم بمثل ذلك. وأينما كنت في مناسك الحجّ إلاّ وملّة إبراهيمية تذكّرك بالتّوحيد الصّافي والمقصود رسالة إلى الذين يضفون على عبادتهم مساحيق إبراهيمية مزيّفة أنّهم على باطل وضلال. ولذلك قال سبحانه في شأن الكعبة (مباركا وهدى للعالمين) وأمره إبراهيم (وطهّر بيتي للطّائفين) وهي تطهير من الشّرك وعلاماته

فرض حرمة زمانية ومكانية لأجل حرمة الإنسان

فرض الحرمات زمانا (الأشهر الحرم الأربعة سيما المتتابعة منها ثلاثا) ومكانا يقصد منه تأمين عبادة الحجّ أن تنالها الرّماح فتشوّش على النّاس مناسكهم. سيما أنّ الحاجّ ـ وخاصّة في تلك الأيّام ـ يحتاج إلى شهور. ولذلك قال سبحانه (الحجّ أشهر معلومات). ولكنّ القصد الأسنى من ذلك التّحريم هو تربية النّاس على قيم الأمن والأمان والسّلم والسّلام. وعندما تفرض الشّريعة ثلث الزّمان حرمة تغمد فيه كلّ العداوات وتدعو بكلّ حرص وتحريض إلى بثّ التّعارف المفضي إلى الأمن فإنّ الباحث يدرك بيسر أنّ الإسلام متشوّف إلى ملء الأرض أمنا وأمانا وسلما وسلاما. إلاّ عدوانا يعوّق ذلك فإنّه يردّ عليه بعدوان مثله. وعندما توضع الرّماح في كلّ عام جديد ثلثه بأيّامه ولياليه متتالية متتابعة فإنّ ذلك أبلغ في النّفوس التي تعتاد على قيم السّلم. هي تربية عملية مرّة أخرى. وليست نظرية فحسب. الحجّ مدرسة عملية تطبيقية. ولذلك قال سبحانه (وإذ جعلنا البيت مثابة للنّاس وأمنا). وقال إبراهيم يدعو ربّه (وإجعل هذا البلد آمنا). الأمن الذي قد ينتهكه النّاس في سائر أيّامهم يكون في الأشهر الحرم الأربعة مفروضا

إعلاء الشّعائر الدّينية لتكون للنّاس قياما

متدبّر القرآن الكريم يدرك أنّ الله ما جعل للنّاس قياما عدا أمرين : أوّلهما المال. إذ قال سبحانه (ولا تؤتوا السّفاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) وثانيهما الكعبة البيت الحرام إذ قال سبحانه (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس والشّهر الحرام والهدي والقلائد). الإستقراء الموضوعيّ للقرآن الكريم يخبرك أنّه لا قيام لحياة الإنسان عدا بحفظه لذينك الأمرين : المال الذي به يقوم ماديا. وشعيرة الحجّ وما يتعلّق بها ممّا به يقوم معنويا وروحيا. ودون ذينك الأمرين مجتمعين متكافلين فإنّ الإنسان يغدو وضيعا قاعدا لا فرق بينه وبين النّعم أو حتّى الشّيء. هل قامت الحضارة الغربية التي تقوم على الهيئة المادية فحسب؟ أبدا. بل هي فريسة منخورة. لولا الزّينة. ولولا عماؤنا نحن كذلك. ولكن هل قام المسلمون اليوم؟ لا. وذلك بسبب عدم قيامهم لا على مال محفوظ مصروف في محالّه ولا على شعائر مقدّسة عالية فيهم على وجه الحقّ وليس الدّعوى. ويعضد هذا المعنى قوله عليه السّلام (لا تشدّ الرّحال إلاّ لثلاث : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). وهو المعنى ذاته الذي منعه عليه السّلام أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفا من مآلات سيّئة على المشركين أنفسهم. إذ علّل الأمر بقوله لعائشة (لولا أنّ قومك حديثو عهد بشرك). وبمثل ذلك منع الفقهاء السّلاطين من ذلك حتّى لا يكون البيت ملعبة ينشئ فيها منهم ما يشاء. ولخدمة المعنى ذاته أخبر عليه السّلام أنّ الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وأنّ الصّلاة في مسجده هو بألف صلاة وبنصف ذلك أجرا في المسجد الأقصى. وأنّ بين بيته ومنبره عيه السّلام روضة من رياض الجنّة

حكم للإستنباط

فوّت الشّارع الحكيم ـ كعادته ـ في بعض الحكم الذي أعرض عن ذكرها إبتغاء إستنباطها من أهل النّظر. إذ لو ذكر كلّ الحكم يكون قد أوضع العقل أن يتدبّر. ومن تلك الحكم التي يمكن إستقراؤها ما يأتي

إشباع النّاس بقيمة اليسر في العبادة

من أمثلة ذلك أنّه فرض الحجّ مرّة واحدة في العمر. حتّى غضب عليه السّلام على رجل ظلّ يسأله عن ذلك. وقال له : لو قلت نعم لوجبت ولما إستطعتم. ثمّ قال : ما أمرتكم به فأتوا منه ما إستطعتم. ومن مظاهر اليسر كذلك أنّه أحاط الحجّ بالحرمة الزّمانية والمكانية. حتّى يقيم الحاجّ مناسكه آمنا. إذ لا عبادة إلاّ من بعد أمن مزدوج: نفسيّ وغذائيّ. كما فرض للحجّ ضروبا ثلاثة : التمتّع الذي ذكر في الكتاب العزيز والإفراد والقران اللّذين جاءت بهما السنّة. ويظلّ سؤال الفارغين دوما هو : أيّ حجّ هو الأفضل؟ ولا يكتسب العمل أفضلية إلاّ بما يغشاه من يسر وحسن طويّة وإتّباع سنّة أو عدم مخالفة أصل أو نقل أو عقل. ولا يثيب الله عابدا أو عاملا على عمل كلّف فيه نفسه الحرج. إنّما هي ممّا تسلّل إلينا من النّصرانية. ومن مظاهر اليسر رخصة المتعجّل التي قال فيها سبحانه (فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه). أي في أيّام منى ورمي الجمرات. ومن ذلك كذلك تشريع الإنابة في الحجّ عن عاجز أو من في حكمه بل يحجّ الحيّ عن الميّت. وذلك بخلاف الصّلاة. والإنابة في بعض أعمال الحجّ كذلك. ومن ذلك كذلك تشريع الهدي والفديات والكفّارات عمّن قصّر أو تعمّد. وذلك بديلا عن الإبطال والفساد. ومن ذلك كذلك عدم إشتراط الطّهارة بكلّ أنواعها وعلى الرّجل والمرأة سواء بسواء لأيّ عمل من أعمال الحجّ. عدا الصّلاة طبعا. حتّى عرف عليه السّلام في حجّته الوحيدة ـ وهي حجّة الوداع ـ بقوله الذي تكرّر في تلك الأيّام ربّما مئات المرّات (إفعل ولا حرج). وقد كتب الشّيخ الدّكتور سلمان العودة ـ فرّج الله كربه ـ في ذلك كتابا كاملا يحمل العنوان ذاته. ما قدّم حاجّ شيئا أو أخّره أو أصاب فيه أو أخطأ إلاّ قال له عليه السّلام : إفعل ولا حرج. ولكن غلبت فئام وخلفت خلوف حبّب إليها التّعسير والتّشديد بمثل ما حبّب إليه التّيسير والتّخفيف عليه السّلام. فئام خالفة فرضت على النّاس دعاء في كلّ حركة جديدة من حركات الحجّ. أدعية يثقلون بها كواهل النّاس ويخصّص لها الأعاجم ورقات ذات ذيول طويلة يظلّون عليها عاكفين في مختلف مناسكهم حتّى تسرق منهم كلّ خشوع ونظر وإحياء للملّة الإبراهيميّة ولزوجه هاجر وولده إسماعيل

تعميق قيمة الأمّة الواحدة ذات الصّف المرصوص

لا يفوت المستقرئ أن يظفر بحكمة عظمى تنضح بها شعيرة الحجّ إذ يلتقي المسلمون في زمن واحد ومكان واحد على شعائر واحدة ومناسك واحدة وهم مختلفون لسانا ولونا وجنسا ومذهبا ومن كلّ فجّ عميق. لا ينفصل التّوحيد الإبراهيميّ الخالص عن وحدة الأمّة الإسلامية حتّى وهي متنوّعة كلّ التنوّع. التّوحيد والوحدة صنوان يتكافلان تكافل الصّلاة مع الزّكاة ومقترنان إقتران العبادة بالإحسان إلى الوالدين. من حرم هذه الجرعة القيمية فقد حرم خيرا كثيرا. قامت تضاريس الشّريعة التّعبّدية في الإسلام على نظام عجيب أمّ هندسته اللّقاء. يلتقي المسلمون مرّات في اليوم الواحد بمناسبة صلاة الجماعة. ومرّة واجبة كلّ أسبوع في صلاة الجمعة. ويلتقون في العام مرّة واحدة على الأقلّ صوما وما يتعلّق به شعوريا وعمليا. ثمّ يلتقي بعضهم بعضا مرّة أخرى في السّنة في الحجّ. كلّ ذلك لتعميق مقصد التّعارف. فإذا تعارفوا تعاونوا وإذا تعاونوا أفلحوا وتشاوروا وتلاقحوا وتكاملوا ورصّ صفّهم

موسم تجاريّ دوليّ

شاء الله أن تظلّ دعوة خليله إبراهيم عليه السّلام ماضية (فاجعل أفئدة من النّاس تهوي إليهم). وبذلك تحوّلت مكّة ـ أمّ القرى ـ بسبب الموسم السّنويّ للحجّ من جبال جرداء سود إلى مركز تجاريّ دوليّ. بل إنّ مواسم العمرة ذاتها ـ وخاصّة في رمضان ـ
ساهمت في حركة إقتصادية نشيطة. كلّ ذلك أصله يسر الإسلام الذي قال كتابه (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم). حتّى لا تشيّد السّدود الفكرية بين مطلبي الدّين والدّنيا تحت السّقف الإسلاميّ

أبعاد إعلامية دعوية

من أغراض إعلان بعض الشّعائر والعبادات إبلاغ النّاس بدعوة الإسلام. من ذلك شعيرة الأذان. ومن ذلك كذلك أنّه عليه السّلام كان يصلّي العيدين خارج المسجد. ومن الحكم من ذلك إبلاغ النّاس دعوة الإسلام. ولعلّ صلاة الجمعة ذاتها تستحوذ على شيء من ذلك. أمّا موسم الحجّ فلا ريب أنّه يحتضن إبلاغ النّاس كلمة الله الأخيرة إلى عباده ومن ذلك أنّ التّلبية تكون جهرية وتتواصل أيّاما. واليوم تنقل الفضائيات كلّ ذلك إلى العالمين. الإسلام بلاغ وبيان إلى النّاس كافّة كما قال سبحانه. وبعض شعائره وتشريعاته مسخّرة لذلك

سباعيّات تعمّق القيمة وترسّخها

درج القرآن الكريم في نظمه على أمر لا يعدمه كلّ مستقرئ مثابر جادّ. وهو التّوتير أي ذكر الأوتار من الأشياء. تتبّعت هذا بنفسي فألفيت أنّ كلّ مذكور من أجناس مختلفة أو أقوام أو غير ذلك ـ وبدون أيّ إستثناء ـ إلاّ وهو مذكور وترا. وهو وتر عادة ما يكون ثلاث وخماس وسباع. الغرض من ذلك هو تعميق العقيدة الوترية في الله سبحانه أنّه واحد أحد فرد صمد وليس كمثله شيء. وبمثل ذلك جاءت العبادات : خمس صلوات وخمسة مباني للإسلام (يسمّيها الفقهاء أركانا) ومثلها إيمانا (عقيدة بالتّعبير الكلاميّ). وفي الحجّ تعمّق هذا النّمط الوتريّ : سبعة أشواط طوافا ومثلهم سعيا وسبع جمرات على إمتداد ثلاثة أيّام وفي مواطن ثلاثة وأيّام الذّكر المعدودات ثلاثة وغير ذلك ممّا لا يعدم ملاحظته مستقرئ. الغرض من تعميق الممارسة الوترية التي تغشى الشّريعة كلّها تقريبا ـ وقبل ذلك النّظم القرآنيّ نفسه ـ إنّما هو غرس العقيدة الوترية في الإنسان أنّ الله واحد سبحانه إبتداء مبتدأ. ثمّ تعميق تلك الممارسة نفسها في النّفس. وممّا عرفنا من فنون التّعليم والتّربية مفردة التّكرار . ولعلّ الطّائف يغفل في شوطه الأوّل أو حتّى فيما بعده. ولكن من يظلّ غافلا على إمتداد الأشواط السّبعة فهو غافل ومثل ذلك في سباعيات السّعي. الأصل في النّفس أنّها عندما تقترف الأمر سبعا متتالية متتابعة تألفه وتركن إليه وتحبّه. ويكون لها ديدنا وسجيّة. وليس تكلّفا. هي سباعيّات إذن في الحجّ وغيره. وهو نظام وتريّ شامل. مقصده الأسنى تعميق عقيدة التّوحيد من جهة وتعميق الممارسة ذاتها (طوافا أو سعيا أو صلاة أو غير ذلك) حتّى تكون مألوفة مغروسة لها في أعماق الفؤاد أصولا ثابتة . ولا يحسن بمن روّض نفسه على ذلك العدد السّباعيّ في ممارسة إلاّ أن يحنّ إليه

خلاصة

حكم الحجّ كثيرة وكبيرة وعميقة. ولا يتّسع لها سفر. وليس المطلوب إحصاؤها. ولكنّ المطلوب إستحضارها وعدم الغفلة عنها حتّى تتضمّخ الأحكام بعبقها وتتزيّن المناسك بمصالحها وترتدي الأعمال ثيابها الجميلة. وبذلك يكون الحاجّ قد عبد ربّه بعقله وقلبه معا. وما إندحرت الأمّة إلاّ عندما حضر القلب وغاب العقل أو عندما حضر العقل وغاب القلب

 

وإلى اللقاء في الجزء الثاني المخصّص لأحكام الحجّ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى