اراءاهم الاخباررأي رئيسي

حادثة الإفك : أعراض النّاس مقدّسة

 

شعبان 5 ـ 6 هجرية : في طريق العودة إلى المدينة في إثر إنتصاره عليه السّلام على بني المصطلق في المريسيع وبناء أفق واسع للسّلام والأمن على تخوم المدينة بأثر من بركة الأمّ العظيمة الكريمة (جويرية بنت الحارث) التي كانت سببا في إطلاق سراح أسرى قومها منّا بدون فداء وفي إسلام قومها وفي تشييد علاقات مصاهرة بين المسلمين وبين هذه القبيلة الخزاعية بما يعزّز فرص التّعارف ويخضّد شوكات الإحتراب. وتلكم هي أعظم مقاصد الإسلام. تلك الشّجرة اليانعة الوارفة التي تحيا بماء الأمن وتبسق مثمرة بريح السّلم وتذوي (بأوكسيد) الخوف

نصر عظيم ملأ صدور المنافقين حقدا

ستنجح حركة النّفاق النّاجمة في المدينة هذه المرّة في تسديد ضربة موجعة إلى الصّف الإسلاميّ. وستكون ضربتها في نحر البيت النّبويّ ذاته في خطّة ذكية عنوانها : إذا هوى البيت النّبويّ هوى الإسلام. لنرصد مجرى الأحداث ولنرى. سار الجيش في طريقه إلى المدينة. وفي مكان ما إحتاج إلى إستراحة مقاتل. ربّما دغدغ النّعاس عيون النّاس تحت قيلولة قائظة. وفي تلك الأثناء خرجت الأمّ العظيمة الكريمة عائشة من هودجها لقضاء حاجتها. ولم يشعر بها أحد. ربّما بطّأت من حركتها بحسبان أنّ القافلة مازالت تغطّ في سبات عميق. وما إن عادت قافلة إلى راحلتها حتّى إنتبهت أنّ عقدها لم يعد في مكانه فظلّت تبحث عنه. ولمّا وصلت إلى موطن الإستراحة لم تجد أحدا. إذ قضت القافلة وطرها ورحلت. وظنّ النّاس أنّ أمّهم عائشة كعادتها في هودجها. إذ لم يشعروا ـ وهم يضعونه فوق المطيّة ـ أنّها لم تكن فيه لنحول جسمها. حدّثت نفسها أن تلزم مكانها فإذا إفتقدها النّاس عادوا إليها. وظلّت كذلك حتّى أقبل رجل هو (صفوان إبن المعطّل) كان متخلّفا عن القافلة ربّما لمهمّة أمنية. وما إن عرفها حتّى أناخ راحلته وركبت الأمّ العظيمة عائشة. سار بها حثيثا حتّى أدركوا القافلة في منبسط من الأرض والنّاس كلّهم يرقبون المشهد : صفوان يقود راحلته راجلا وعائشة على متنها. هنا كانت الفرصة سانحة لحركة النّفاق وتسديد الضّربة العنيفة. سارع رأس النّفاق عبد الله إبن أبي سلّول إلى أصحابه يستودعهم كلمة السّر الخاصّة بالخطّة الخبيثة. ومكلّفا إيّاهم بإفشاء الحديث بطريقتهم الخبيثة. كلمة السّر هي : عائشة وصفوان زنى بعضهما ببعض. والمشهد الذي رآه كلّ النّاس كاف وزيادة. سرى ذلك الإفك في النّاس. ثمّ في المدينة بأسرها سريان النّار في الهشيم. وظلّ كذلك لشهر كامل. أمّا الأمّ العظيمة عائشة فلفرط غفلتها المحمودة لم تشعر بشيء ممّا يدور حولها. وأمّا الصّحابة فقد تورّط بعضهم في تزكية هذا الإفك وقبوله. منهم (مسطح) وهو أحد المهاجرين الفقراء من أقرباء أبي بكر الذي كان ينفق عليه. ظلّت الأمّ العظيمة عائشة غافلة. إذ لم يبح لهـــا أحد بشيء. حتّى زوجها محمّد رسول الله عليه السّلام. وأمّها التي رافقتها ذات ليلة في قضاء حاجتها. فتعثّرت إذ إصطدمت رجلها بحطب. فقالت بداهة : تعس مسطح. قالت لها إبنتها عائشة : كيف يا أمّاه ومسطح من المهاجرين. عندئذ لم تجد أمّها بدّا من إخبارها بما ظلّ يهزّ المدينة كلّها هزّا ليل نهار وصباح مساء لا تقوم إلاّ عليه ولا تنام إلاّ عليه. أخبرت زوجها رسول الله عليه السّلام الذي أمسك عن الخوض في المسألة بالكلّية. فإزدادت غمّا على غمّ. وظلّت تبكي ليل نهار. وما هي إلاّ أيّام قليلات من بعد ذلك حتّى أذن سبحانه لأمين وحيه جبريل بالنّزول بسورة النّور تبرئة للأمّ العظيمة الكريمة عائشة. ومدينة بأشد العبارات حركة النّفاق ورأسها الذي تولّى كبر الإفك وبأقلّ من ذلك بقليل الصّحابة الذين تورّطوا في ذلك قليلا أو كثيرا. وإهتبلت الفرصة لتشريع جديد في شأن العلاقات بين الرّجال والنّساء وشأن البيوت وحرماتها وغير ذلك من القيم الإجتماعية والأسرية التي تحفظ للأمّة كرامتها وسيادتها القيمية. وفي الآن ذاته داعية أبي بكر إلى العفو والصّفح عن قريبه (مسطح) ومواصلة الإنفاق عليه. وتسنّ قانونا في عفو الله سبحانه عنوانه : ألا تحبّون أن يغفر الله لكم. فمن أراد أن يغفر الله له يغفر للنّاس. وبذلك إنقشع إبتلاء هو الأعظم ربّما في حياته عليه السّلام وإستلّت منه العبر المناسبة لمن له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد

عبر وخلاصات

أوّلا : أخطر تهديد للأمّة الإسلامية بمختلف مجتمعاتها وشعوبها هي حركة النّفاق التي لن تتطهّر الأرض منها حتّى يطوي الله سبحانه صفحة الدّنيا ويأذن بالآخرة. ولكنّ هذا الخطر المحدّق لا يقاوم كما يقاوم العدوّ الخارجيّ. إنّما يقاوم بسلاح القيم التي منها رصّ الصّف وتمتين روابطه الدّاخلية وتقديس حرمات النّاس وكراماتهم والفرار من خدشها فرار العاقل من حقول الألغام المبثوثة. حركة النّفاق مثل الأمراض الصّامتة التي يحدّثها عنها الأطبّاء اليوم. إذ هي تأكل الجسم أكلا خفيّا. قد لا يشعر المرء بالألم ولكنّ الغفلة عنها أو ترك الجسم دون لقاحات مناسبة يورّث الموت الزّؤام

ثانيا : أعراض النّاس مقدّسة كلّ التّقديس. أكثر حتّى من تقديس الأبشار والأموال. إذ أنّ الإنسان ظاهرة كتلة لحم وباطنه روح. هي من روح الله سبحانه. كلّ شيء يمكن جبره إلاّ تلفيق الكذب ضدّ أعراض النّاس. ومن ذا جاء العقاب الدّنيويّ على تلك الجريمة مغلّظا. ليس عنفا في غير محلّه. إنّما هو عقاب كفيل بردع جريمة العدوان ضدّ الإنسان. بناء الرّحمان الذي يغضب لهدمه. جاءت الشّريعة بقيمة السّتر حتّى عندما نكون على يقين أنّ فلانا وقع في جريمة الزّنى مثلا. فكيف إذا كانت المسألة كلّها خرصا ورميا كاذبا وإفتراء أفّاكا؟ بل كيف إذا كان ذلك المحلّ هو أمّ المؤمنين؟

ثالثا : مهما كان الألم شديدا بمثل ما وقع لأبي بكر الذي رمي في فلذة كبده من لدن قريبه الذي ينفق عليه فإنّ المؤمن يظلّ معلّقا بالآخرة (دار الحيوان) ولذلك جاء هذا القانون الدّينيّ : من يصفح عن النّاس ويعف عمّن ظلمه ينل عفو الله سبحانه. وبمفهوم المخالفة : من لا يحلم على المخطئ فلا أمل له في حلم الحليم سبحانه. تلك هي مرتبة الإحسان التي تليق بالصّديق أبي الصدّيقة عليهما الرّضوان جميعا. هو شأو بعيد ومرتفع شامخ. ولكن الله يرشّح له النّفوس الكبيرة

رابعا : ما من إبتلاء ومهما عظم لا تكون عاقبته عدا إظهار الحقّ من لدن الحقّ سبحانه ما تغشّى المسلمون في أثناء ذلك الإبتلاء العظيم بأردية الصّبر. الصّبر عن إنزال العقاب بالمجرمين سيما إذا كانوا منافقين داخل الصّف. والصّبر الذي يلجم الألسنة والأقلام وآلات التّصوير في زماننا أن تخوض مع الخائضين أو تقفو ما ليس لها به علم. ليس هناك شراب أشدّ علقمية من الصّبر دون ريب. ولكن ليس هناك شراب أحلى من العسل المصفّى لمن يحتسي شراب الصّبر المرّ

خامسا : الغفلة غفلتان : غفلة محمودة هي غفلة المؤمن عن لغو النّاس وما تمجّه ألسنتهم وأقلامهم ليل نهار صباح مساء من أباطيل وأراجيف وقيل وقال. المثال هنا هو الأمّ العظيمة الكريمة عائشة التي ظلّت لفرط غفلتها المحمودة في غيبوبة تامّة عمّا ظلّ يعتصر المدينة بأسرها رجالا ونساء ليل نهار صباح مساء لشهر كامل أو أزيد. وغفلة مذمومة وهي غفلة المؤمن عن ذكر ربّه سبحانه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى