منوعات

جزء 2–أوروبا – المكانة بين الأقطاب ومساعي تثبيت الحضور وإعادة التموضع

على ضوء تطوّرات سنة 2021

يقتطف الموقع هدا النص من تقرير سنوي للأستاذ حسام شاكر أصدرته مجموعة التفكير الاستراتيجي

أوروبا والولايات المتحدة والعلاقات الأطلسية

قوبلت خسارة دونالد ترمب انتخابات الرئاسة الأمريكية بارتياح ضمنيّ في أوروبا بعد أن شهدت ولايته الرئاسية الأولى (2017 – 2020) تجاذبات غير مسبوقة في طبيعتها مع عواصم أوروبية. أثارت المشاهد الأخيرة من عهد ترمب صدمة وذهولاً في أوروبا، عندما رفض الرئيس الأمريكي الخاسر الإقرار بنتائج الانتخابات، ثم اقتحم مؤيِّدوه مبنى الكونغرس بطريقة همجية أضرّت بصورة الديمقراطية الأمريكية في العالم. 

مع دخول جو بايدن البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2021 سادت توقُّعات باستعادة العلاقات الأمريكية الأوروبية سابق حالها. توجّهت إدارة بايدن في بدايات عهدها بخطاب منفتح على الأوروبيين تجاوز نبرة الإدارة السابقة التي اتّسمت بالغطرسة. أبرزت الإدارة الجديدة، مجدداً، أهمية قيَم الحرية وحقوق الإنسان التي تجمعها مع أوروبا، ما فُهِم على أنها محاولة من واشنطن لإبراز قواسم غربية مُشتركة مقابل الصين وروسيا، فبدا هذا استعادة نسبية لخطابات الحرب الباردة.

ثمّ سرعان ما شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا هزّات حجّمت آمال الأوروبيين. تسبّب خروج الولايات المتحدة من أفغانستان وسحب قواتها بشكل سريع وفوضوي في أغسطس/ آب 2021 في إحراج حلفائها الأوروبيين الذين شاركوها غزو البلاد واحتلالها على مدار عشرين سنة تحت مظلة حلف الأطلسي. أدارت الولايات المتحدة ملف الانسحاب من أفغانستان بطريقة انفرادية أحرجت حلفاءها الأوروبيين. 

وفي سبتمبر/ أيلول 2021 نشبت أزمة مفاجئة بين فرنسا وكل من الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا على خلفية إلغاء كانبيرا صفقة غوّاصات فرنسية كبرى بعد أن فضّلت التزوّد بغواصات أمريكية أكثر تطوّراً، بالتزامن مع الإعلان عن التحالف الثلاثي بين واشنطن ولندن وكانبيرا الذي يستهدف في المقام الأوّل تعزيز العمل المشترك في مواجهة الصين. صدرت عن باريس ردود فعل فائقة الحدّة على هذه الخطوة ودخلت العلاقات الدبلوماسية في أزمة مع استدعاء فرنسا سفيريها من واشنطن وكانبيرا للتشاور.

بدت أوروبا مستبعدة من الأزمة الروسيةالأوكرانية التي تدور رحاها فوق الأرض الأوروبية أساساً، فالاتصالات الثنائية بين موسكو وواشنطن في ظلال الأزمة أشعرت الاتحاد الأوروبي بالتجاهُل وكأنّ واشنطن تقرِّر نيابة عن الأوروبيين أيضاً.

التطوُّرات الأوروبيةالروسية والأزمة الأوكرانية

انتهت سنة 2021 بتأزيم العلاقات الأوروبيةالروسية على وقع تصاعد الموقف بين موسكو وكييف وحشد قرابة مائة ألف  جندي روسي قرب حدود أوكرانيا في حالة تأهٌّب لاحتمال الإقدام على اجتياح برِّي. أعادت هذه الأزمة المستجدّة إلى الأذهان تجربة قضم روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في سنة 2014 خلال عهد الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما، بينما جاءت التحرُّكات الروسية الجديدة على حدود أوكرانيا في عهد جو بايدن، الرئيس الأمريكي الديمقراطي أيضاَ. وإذ بدت أوروبا الموحّدة والولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بعد التوسّع الروسي السابق في القرم؛ فإنّ العواصم الغربية حرصت هذه المرّة على التلويح الاستباقي بردود قاسية في حال أقدمت القوات الروسية على اجتياح أوكرانيا.

ضغطت هذه التطوّرات الروسية على المواقف الأوروبية التي حرصت من قبل على إدارة علاقات متوازنة مع موسكو، خاصة برلين، التي اضطرت هي الأخرى إلى التلويح بردود على الجانب الروسي حال وقع الاجتياح، تشمل وقف مشروع خط الغاز الشمالي (نورث ستريم) الذي كان في الأساس مسألة خلافية بين ألمانيا والولايات المتحدة.

لكنّ تأزيم الموقف مع روسيا لن يتوقّف عند حدودها، فهو يلقي بظلاله على بعض دول الجوار الروسي وقد يمسّ باستقرار الأوضاع في شرق أوروبا والبلقان. تزامن مع هذه الأزمة، مثلاً، نشوب توتّرات على حدود بيلاروسيا، المقرّبة سياسياً من موسكو، وكل من ليتوانيا وبولندا العضوين في الاتحاد الأوروبي، بسبب تدفّقات لاجئين عبرها. تتّهم دول الاتحاد مينسك بأنها اجتذبت طالبي اللجوء هؤلاء عبر رحلات جوِّيّة إليها ويسّرت اندفاعهم المُوجّه صوب حدود الاتحاد الأوروبي ردّاً على العقوبات الأوروبية المفروضة عليها. أدّت أزمة اللاجئين العالقين، وهم من بلدان عربية ومسلمة، هؤلاء إلى تدخُّل القوات البولندية لصدِّهم، وإلى اتصالات بين برلين ومينسك لاحتواء الموقف.

يُعدّ الدور الروسي محفِّزاً لتوتُّرات مستجدّة في البلقان، من قبيل نُذُر تصدُّع النظام الثلاثي في البوسنة والهرسك بعد مواقف أبداها صرب البوسنة خلال سنة 2021، كما عاد شبح التوتُّر إلى كوسوفا في خريف 2021 حيث تدعم روسيا الموقف الصربي. بذل الاتحاد الأوروبي جهوداً لنزع فتيل الأزمة المستجدة في كوسوفا، التي نشبت ابتداء بشأن الاعتراف بلوحات السيارات بين كوسوفا وصربيا. تنتشر قوات أوروبية في كوسوفا ضمن مهمةكيفورلحفظ السلام التي يقودها حلف شمال الأطلسي بمقتضى قرار من مجلس الأمن. تعترف اثنتان وعشرون من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي باستقلال كوسوفا، بينما لا تعترف بها كل من إسبانيا واليونان وقبرص وسلوفاكيا ورومانيا لأسباب تعود أساساً إلى خشية هذه البلدان من نزعات انفصالية فيها. 

استدعت الأزمة الروسيةالأوكرانية تكثيف الاتصالات الثنائية والتحذيرات المتبادلة بين موسكو وواشنطن، وبدت أوروبا مستبعدة من اللقاءات. تقول واشنطن إنّ مباحثاتها مع موسكو بخصوص التصعيد مع أوكرانيا تجري بالتشاور مع الحلفاء والشركاء في أوروبا، لكنّ واقع الحال أنّ الاتصالات الأمريكيةالروسية انحصرت في نطاق ثنائي كما عبّر عنه اجتماعان عن بُعد بين بايدن وبوتين خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول 2021.

يحرص بوتين على الطابع الثنائي للمحادثات مع بايدن ومع الأطراف الأوروبية كلّ على حدة، فهو يتحاشى تصليب الكتلة الأطلسية في مواجهة روسيا، ويحاول استعادة مشهد ثنائية القطبية مع واشنطن بعد المرارة التي تجرّعتها موسكو جراء انهيار الاتحاد السوفياتي، ولتأكيد صدارة روسيا في المشهد الدولي. تستعيد موسكو قدراتها في مجال ضبط الإيقاع الدولي وتفرض على واشنطن أن تتفاوض معها جولة بعد جولة من موقع الندِّية، بينما تتوارى أوروبا عن إدارة أزمة دولية تدور على أرضها، رغم بلاغات لفظية متعاقبة تصدر من بروكسيل، كما كان يجري في الحرب الباردة تقريباً. فللأزمة بُعدها الرمزي بالنسبة لروسيا، وضرائبها المعنوية الموجعة بالنسبة لأوروبا الموحّدة؛ أو لباريس وبرلين على وجه الخصوص. عبّر مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل عن انزعاج الاتحاد من هذا التجاهل، فقال في تصريحات لصحيفةدي فيلتالألمانية في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2022: “لا نريد ولا يُسمَح بأن نكون متفرجين غير مشاركين فيُقرّر بمعزل عنهم فوق رؤوسهم“.

يخشى الأوروبيون أن يقتصر دورهم على مراقبة مخاطر تدور نُذُرها في جوارهم وأن لا يتجاوزوا حدود ردود الأفعال الجزئية اللاحقة على سلوك روسيا أو التصرُّف ضمن مسارات ترسمها الولايات المتحدة لهم، رغم أنّ التطوّرات الأخيرة وثيقة الصلة بالأمن الأوروبي بالأحرى. لا تُعدَم أوروبا أوراق قوّتها في التعامل مع التحدِّي الروسي، فهي تراهن على عامل الردع الاقتصادي في مواجهة روسيا علاوة على محاولة تعزيز موقف أوكرانيا، وهي إن تصرّفت في هذا الشأن فسيأتي ذلك في مقام ردّ الفعل لا المبادرة، وتحت سقف الموقف الأمريكي بطبيعة الحال. لكنّ العقوبات الاقتصادية لا تخلو من أضرار على أوروبا ذاتها، وقد تخسر مفعولها في الردع الاستباقي إن قرّر بوتين خوْض مغامرة جريئة في الميدان لن يُعدم مبررات معيّنة للإقدام عليها في لحظة الحقيقة؛ من قبيل مزاعم عن هجوم استهدف قوات روسية مثلاً أو تهديدات تقتضي منه الردّ. لدى أوروبا ما تخشاه أيضاً من تصاعد الأزمة الروسيةالأوكرانية، على صعيد أمن الطاقة، واحتمالات الانزلاق إلى سباق تسلُّح صاروخي متبادل بين الولايات المتحدة وروسيا على أراضيها. فإنْ اقتربت منصّات الصواريخ الأمريكية من روسيا لن تعجز نظيرتها الروسية على الاقتراب من العمق الأوروبي أيضاً، كأن تُنصَب على أراضي بيلاروسيا.

أوروبا والصين

يُعدّ الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للصين، بينما شهدت سنة 2020 صعود الصين إلى مرتبة الشريك التجاري الأول لأوروبا مُزيحة الولايات المتحدة عن هذه المكانة. تتعزّز خلال ذلك حظوظ التجارة البرية بين الصين وأوروبا، من خلال تطوّر خطوط السكك الحديدية بين المدن الصينية وأوروبا بشكل خاطف في السنوات الأخيرة، التي تختزل مدة شحن البضائع قياساً بالناقلات البحرية، ويأتي ذلك حسب ما يُعرف بالجسر البري الأوراسي الذي يتبعمبادرة الحزام والطريقالصينية.

وتوصّل الاتحاد الأوروبي والصين مع نهاية سنة 2020 إلى اتفاق مبدئي بشأن اتفاقية الاستثمار وإنهاء المفاوضات بين الجانبين التي انطلقت سنة 2013. جاء توقيت الإعلان متزامناً مع نهاية عهد دونالد ترامب وقرب تولِّي جو بايدن الرئاسة الأمريكية. كان من المنتظر أن تستغرق الاتفاقية زمناً حتى تقع المصادقة الكاملة عليها ودخولها حيِّز التنفيذ الذي يُفترَض أن يحقِّق مكاسب متبادلة للجانبين الأوروبي والصيني. لكنّ المصادقة على الاتفاقية تعثّرت في أوروبا، مع تصاعد الانتقادات لأوضاع حقوق الإنسان في الصين، خاصة بالنسبة للأويغور، في البرلمان الأوروبي. وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أربعة مسؤولين صينيين في مارس/ آذار 2021 على خلفية اضطهاد الأويغور. اعتبرت وزارة الخارجية الصينية أنّ العقوبات الأوروبيةتدخُّل سافر في شؤون الصين الداخلية، وأنهاتضرّ كثيراً بالعلاقات الأوروبية الصينية“. ردّت بكين على هذه العقوبات بفرض عقوبات على عشر شخصيات أوروبية بينهم أعضاء في البرلمان الأوروبي، وصفها الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل بأنهاغير مقبولة“. عقّدت العقوبات الصينية إمكانية تجاوب البرلمان الأوروبي مع مساعي المصادقة على اتفاقية الاستثمار مع الصين التي لم تتجاوز مستوى الاتفاق المبدئي بعد. اتّضح أيضاً أنّ من شأن سلوك بعض الشركات الأوروبية بدوافع مبدئية؛ أن يحفِّز ردود أفعال داخلية في الصين، على نحو ما جرى مع شركةإتس آند إمالسويدية للملابس التي قوبلت بحملة مقاطعة في الصين بعد إعلانها الامتناع عن شراء القطن المنتج في إقليم شينغيانغ (تركستان الشرقية) التي تقطنه أقلية الأويغور المضطهدة. من جانب آخر؛ أعلن الاتحاد الأوروبي في مايو/ أيار عن خطة لخفض الاعتماد على صادرات دول من بينها الصين في بعض القطاعات بمقتضى توجّه لتنويع مصادر الواردات إلى أوروبا. 

بدا التراجع النسبي في الانفتاح الأوروبي على الصين منسجماً مع توجّهات إدارة بايدن الأمريكية التي تحاول حشد أوروبا خلفها في جبهة مضادة للصين. وجاءت اتفاقية الاستثمار الأوروبية الصينية في اتجاه مُعاكِس لمساعي واشنطن الرامية لتحجيم الصعود الصيني، كما واجهت الصين بعض الصعوبات في الأسواق الأوروبية في السنوات الأخيرة تحت تأثير التوجّهات الأمريكية المضادة لها، مثلاً في ما يتعلق بشبكة اتصالات الجيل الخامس. انعكست هذه التوجهات بشكل ضمني على أعمال قمة السبع التي عقدت في بريطانيا في يونيو/ حزيران 2021. بيد أنّ الإعلان في سبتمبر/ أيلول عن تحالف استراتيجي ثلاثي أمريكيبريطانيأسترالي لا يضمّ الشركاء الأوروبيين، لا يشجِّع مساعي إلحاق أوروبا بالموقف الأمريكي، خاصة وأنه تزامن مع إلغاء أستراليا صفقة كبرى لشراء غواصات فرنسية وإحلال غواصات أمريكية بدلاً منها، ما تسبّب في أزمة سياسية ودبلوماسية عاصفة.

الهجرة غير النظامية واللجوء

صعدت في السنوات الأخيرة أولوية كبح وصول طالبي الهجرة واللجوء إلى أوروبا، خاصة بعد أن عجزت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن التوصّل إلى اتفاق على كيفية توزيع طالبي اللجوء الذين وصلوا البرّ الأوروبي، فأظهر ملف اللاجئين جانباً من الضعف البنيوي في مشروع الوحدة عندما نشأت استقطابات حادّة بين دولها في هذا الشأن وتعثّرت عدد من اجتماعات القمّة في إحراز تفاهمات ذات صلة. تتّجه أوروبا الموحدة في المقابل إلى تحصين حدودها الخارجية لمنع وصول طالبي المأوى والحماية إليها، من خلال تعزيز قوات خفر الحدود والسواحل الأوروبيةفرونتكسبصفة غير مسبوقة، ودعم خفر السواحل في دول جنوب المتوسط، مثل ليبيا، لصدّ البشر عن الإبحار من خلال القيام بعملياتإنقاذفي عرض البحر.

واصل الاتحاد الأوروبي سعيَه إلى إبرام ترتيبات مع بعض دول العبور تقضي بمنح مساعدات لتحسين مواصفات استيعابهم، كي يُحال بالتالي دون انتقالهم منها لأجل الالتحاق بوجهات أوروبية. أظهرت سياسات بعض الدول الأوروبية في غضون ذلك مزيداً من التشدُّد مع طالبي اللجوء، عبر تشديد القوانين والإجراءات ذات الصلة، مع اتجاه لإعادة بعضهم إلى أوطانهم الأصلية.

تسبّبت سياسة أوروبا القاضية بكبح الهجرة غير النظامية إليها وإبرام ترتيبات مع دول العبور في تصدير أزمة الساعين إلى الهجرة إلى خارج القارّة، ونشوء حالات تكدّس بشري على أطراف أوروبا، كما تجلّى للعيان في جزر ومناطق يونانية وإيطالية وإسبانية، أو على حدود روسيا البيضاء مع لتوانيا وبولندا، أو في بعض مناطق البلقان، علاوة على شمال إفريقيا كما يتضح في ليبيا مثلاً. يجسِّد مخيم موريا الواقع في جزيرة لسبوس اليونانية معاناة طالبي اللجوء العالقين، ولم يؤدِّ الحريق الهائل الذي دمّر المخيم عن آخره في سبتمبر/ أيلول 2020 إلى معالجة هذه الأزمة الإنسانية على أراضي الاتحاد الأوروبي وإن شملت الاستجابات العاجلة تحسين مواصفات بعض المخيمات جزئياً واستعداد دول أوروبية لبحث استقبال بعض الأطفال العالقين مع بقاء حالات التكدّس البشري على حالها تقريباً.

تمثِّل الحساسية الأوروبية الفائقة بشأن ملف الهجرة غير النظامية واللجوء ورقة ضغط محتملة لدى بعض دول المنبع والعبور على الجانب الأوروبي، كما يتضح من سيرة العلاقات التركيةالأوروبية مثلاً بدءاً من سنة 2015. وصعد دور إيران بالنسبة لأوروبا في هذا الشأن منذ تطوّرات 2021 في أفغانستان التي يُخشى أن تترتّب عليها مأساة إنسانية وموجات نزوح واسعة للأفغان. استُعمِلت ورقة الهجرة غير النظامية وطالبي اللجوء من جانب بيلاروسيا خلال أزمتها مع الاتحاد الأوروبي في السنة ذاتها. ولوّحت القيادة العسكرية في السودان بهذا الخيار ردّاً على الضغوط الأوروبية والغربية الممارسة عليها للعودة إلى المسار الانتقالي المقرّر في الخرطوم من خلال تأكيد دور الجيش في ضبط الأوضاع منع تدفّق كثيف لطالبي الهجرة واللجوء نحو أوروبا.

أوروبا والقضية الفلسطينية

شهدت سنة 2021 سلسلة من التطوّرات الميدانية في فلسطين تصدّرت الاهتمام العالمي سريعاً، بلغت ذروتها في شهر مايو/ أيار عندما تصاعد الموقف في القدس وأرجاء متعدِّدة من فلسطين ونشب تصعيد عسكري بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

أحدثت قضية حي الشيخ جراح في القدس أصداء قوية عبر العالم وصدرت مواقف أوروبية متعدِّدة في هذا الشأن، من بينها زيارة قام بها قناصل أوروبيون وممثلو الاتحاد الأوروبي، في مايو/ أيار، وأخرى في ديسمبر/ كانون الأول للأسر الفلسطينية المهدّدة بالطرد من الحيّ لإحلال مستوطنين مكانهم. وطالب ممثلو الاتحاد الأوروبي بالضغط على سلطات الاحتلال لوقف سياسات إخلاء البيوت وإجلاء سكانها وهدم البيوت الفلسطينية داخل القدس.

ومع تصاعد الأوضاع في المسجد الأقصى وبلدة القدس القديمة خلال شهر رمضان (أيار/ مايو 2021)، دعا الاتحاد الأوروبي إلى التحرّك بشكل عاجل لوقفالتوتُّر“. أدّى اندلاع مواجهة عسكرية بعد ذلك بأيام إلى مواقف أوروبية متباينة بلغ بعضها حدّ إعلانالتضامن مع إسرائيلبينما أبدت دول أخرى مواقف أقل انحيازاً أو أكثر توازناً. جدّدت عواصم أوروبية متعدِّدة خلال هذه الجولة إعرابها عن ما تسميهحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، على نحو عبّر عن انحياز إلى الجانب الإسرائيلي، على غرار ما شهدته جولات سابقة. أظهرت هذه التطوّرات الاتحاد الأوروبي في موقف عاجز عن اتِّخاذ موقف واضح وسريع يؤثِّر في مسار الأحداث، فاجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين جاء متأخِّراً، قبيل التوصٌّل إلى وقف إطلاق النار، ولم يتمكّن من الخروج ببيان واضح مشترك بسبب تبايُن المواقف بين الدول الأعضاء، بينما كانت باريس وبرلين تتحركّان في مسارات مستقلّة وغير منسّقة خلال هذه التطوّرات.

من جانب آخر؛ أدى خروج دونالد ترمب من البيت الأبيض في بداية سنة 2021 ثم نهاية عهد بنيامين نتنياهو الذي حظي بحظوة فائقة لدى إدارة ترمب، إلى إنهاء تسويق ما عُرفت بـصفقة القرن، وإن بقيت بعض ملامح المشروع ومساراته وانعكاساته حاضرة. نأت أوروبا، عملياً، بنفسها عن مشروع ترمبنتنياهو في حينه وتمسّكت من الناحية الرسمية بخطوط الرباعية الدولية (تضمّ الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا) القائمة على ما يسمىحلّ الدولتين، لكنّ العملية السياسية التي رسمتها الرباعية، أوخريطة الطريق، بقيت في حالة توقّف وانسداد. 

على صعيد آخر لم تتمخّض الأزمة السياسية الإسرائيلية المزمنة بعد أربع جولات انتخابية عامّة، كان آخرها في مارس/ آذار 2021، عن حكومة متماسكة أو ذات وجهة سياسية محدّدة، على نحو منح الانطباع بأنّ ائتلاف بينيتلابيد الذي تشكّل يوم 13 يونيو/ حزيران 2021 ليس مؤهّلاً لإنجاز أي خطوة سياسية نوعية بسبب تركيبته المتناقضة والهشّة. انتهت سنة 2021 دون أن تُعرض مشروعات سياسية أو خطوات تفاوضية بشأن القضية الفلسطينية من جانب أي من الأطراف الأوروبية أو الدولية، بينما يتمسّك رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت برفض التفاوض السياسي مع قيادة السلطة الفلسطينية الواقعة أساساً في مأزق داخلي متعاظم والتي تحافظ على تعاونها الأمني مع سلطات الاحتلال.

يمتدّ الانسداد إلى المشهد الفلسطيني الداخلي، ذلك أنّ مساعيالمصالحة الفلسطينيةلم تشهد تقدُّماً ملحوظاً خلال سنة 2021 وتجلّى الارتباك والتردّد في الأداء السياسي الداخلي لقيادة السلطة ممثلة برئيسها محمود عباس، مثلاً عندما قرّر في نهاية إبريل/ نيسان تأجيل الانتخابات التشريعية وما كان سيعقبها على مستوى الرئاسة والمجلس الوطني، بعد أن انقسمت حركةفتحعلى عدة قوائم وتراجعت حظوظها الانتخابية، وإن كان سبب التأجيل الرسمي منع الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس. كان من المُقرّر أن تجري الانتخابات على ثلاث مراحل خلال سنة 2021، لتكون انتخابات تشريعية في 22 مايو/ أيار، ثم رئاسية في 31 يوليو/ تموز، ثم انتخابات المجلس الوطني (برلمان منظمة التحرير المتقادم) في 31 أغسطس/ آب. حثّ الاتحاد الأوروبي من جانبه على إجراء الانتخابات، ثمّ أعرب عن خيبة أمله من تأجيلها كما جاء في بيان أصدره الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل.

أدّى مقتل المواطن الفلسطيني نزار بنات يوم 24 يونيو/ حزيران 2021 بعد أن اعتقلته أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية من منزله، إلى دعوات أوروبية وأمريكية للتحقيق في مقتل الناشط المعروف بنقده اللاذع للسلطة الفلسطينية، وكان مرشّحاً في الانتخابات المؤجّلة أيضاً. عبّر حساب شبكي يتبع الاتحاد الأوروبي (أوروبا وفلسطين) عنالصدمة والحزن، وزار وفد من الاتحاد أسرة الناشط للتضامن معها، ثمّ دعا بيان أصدره الاتحاد الأوروبي بالاتفاق مع رؤساء بعثات دول الاتحاد في القدس ورام الله، بعد الواقعة بشهرين، إلى الانتهاء بسرعة من التحقيق في القضيةبطريقة شفّافة بالكاملوضمان محاسبة المسؤولين عن الواقعة؛ مؤكداً أنّالعنف ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمتظاهرين السلميين أمر غير مقبول، بعد أن قوبلت مظاهرات ناقدة لأجهزة السلطة بممارسات قمعية.

وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أعلنوزير الدفاعالإسرائيلي عن تصنيف ستّ منظمات حقوقية فلسطينية تتلقّى تمويلاً أوروبياً تعمل داخل فلسطين على أنهامنظمات إرهابية“. لقي هذا القرار استنكاراً واسعاً في المجتمع المدني العالمي وعلى صعيد هيئات دولية تابعة للأمم المتحدة. وأصدرت إستونيا وفرنسا وإيرلندا والنرويج وألبانيا بياناً مشتركاً أعرب عن القلق الشديد من هذه الخطوة عقب جلسة تشاورية عقدها مجلس الأمن الدولي يوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني بشأن الاستيطان الإسرائيلي. يمثِّل القرار الإسرائيلي تحدِّياً لأوروبا سياسياً وإجرائياً ومالياً بالنظر إلى أنّ هذه المنظمات الحقوقية ومثيلاتها تحظى باتصالات مع هيئات أوروبية وتحصل على تمويل من جهات أوروبية أيضاً، ومن المتوقّع أن تخسر هذه المنظمات الحقوقية وغيرها، العاملة في فلسطين، روافد دعم لها من أوروبا بموجب هذا التطوّر.

على صعيد آخر؛ قامت بريطانيا بتصنيف حركةحماس، بجناحيها السياسي والعسكريمنظمة إرهابيةبعد أن قدّمت وزيرة الداخلية، بريتي باتيل، المعروفة بانحيازها للجانب الإسرائيلي، مذكرة في هذا الشأن إلى مجلس العموم الذي أقرّ المقترح يوم 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021. قضت المذكرة بإجراء تعديل علىقانون الإرهابلسنة 2000 كي يتيح حظر حركةحماسبجناحيها وليس الجناح العسكري وحده كما كان عليه الحال في السابق. من شأن هذه الخطوة أن تضع صعوبات على تواصل بريطانيا مستقبلاً معحماسوأن تعيق بعض اتصالات الحركة على المستوى الغربي، بعد ما أظهرته من أداء قوي وحضور متزايد في الساحة الفلسطينية خلال عام 2021. 

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى