أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

جزء 3–أوروبا – المكانة بين الأقطاب ومساعي تثبيت الحضور وإعادة التموضع

على ضوء تطوّرات سنة 2021

أوروبا ومصر

تؤكد الدبلوماسية الأوروبية متانة الشراكة مع القاهرة، أو بتعبير جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، فإنّ “الاتحاد الأوروبي ومصر شريكان قويّان”، حسب تغريدة له خلال زيارته إلى القاهرة في 3 سبتمبر/ أيلول 2020، صدرت تصريحات مثلها عن كبار المسؤولين في عدد من دول أوروبا خلال زيارات متبادلة مع الجانب المصري.

تحرص مصر خلال عهد عبد الفتاح السيسي على تثبيت شبكة مصالح متبادلة مع الدول الأوروبية ضمن مقاربة تضمن غطاء سياسياً خارجياً أفضل في القارّة علاوة على العلاقة مع الولايات المتحدة، والعلاقات مع روسيا والصين، ومن شأن ذلك أن يمثِّل عامل توازن نسبي مقابل علاقة القاهرة الخاصة مع واشنطن. تقوم شبكة المصالح مع الأوروبيين على توفير فرص تجارية واستثمارية وصفقات مع عدد من البلدان الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، علاوة على وجوه التعاون في القضايا والملفات ذات الطابع الاستراتيجي، ومنها ليبيا وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية وما يأتي تحت عنوان “مكافحة الإرهاب والتطرٌّف”. فعلى سبيل المثال؛ تُعدَ مصر شريكاً محورياً لفرنسا في المنطقة، وتلتقي أدوارهما في الساحة الليبية، وجاءت استجابة باريس للتصعيد العسكري الذي شهدته فلسطين في مايو/ أيار 2021 من خلال التواصل مع القاهرة تحت عنوان تهدئة الوضع ووقف إطلاق النار، بينما تمثِّل مصر زبوناً مهماً للصناعة العسكرية الفرنسية أيضاً فسجّلت مبيعات السلاح الفرنسي إلى مصر تقدّماً على نظيرتها الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.

تبقى الانتقادات الأوروبية المتعلِّقة بأوضاع حقوق الإنسان والحريات في مصر ضمن مستوى البلاغات اللفظية أو مواقف البرلمان الأوروبي غير المُلزِمة في الواقع، كما أنّ قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر سنة 2016 لم تترتّب عليها أزمة سياسية جادّة بين مصر والدول الأوروبية، بما فيها إيطاليا، رغم التحركات والتجاذبات التي رافقت مسار القضية سنة بعد سنة. عبّر الرئيس الفرنسي ماكرون عن أولوية العلاقات الاستراتيجية ومنطق المصالح على حقوق الإنسان في العلاقة مع مصر في مؤتمر صحفي تخلل زيارة السيسي إلى باريس في ديسمبر 2020، وقدّم تبريرات لذلك منها الرغبة في عدم إضعاف دور مصر في “مكافحة الإرهاب”.

 

أوروبا والأوضاع في ليبيا

شهدت سنة 2021 استقراراً لوقف إطلاق النار الذي ظلّ سارياً في ليبيا منذ توقيع اتفاقية جنيف في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وأعيد فتح الطريق الساحلي في يوليو/ تموز 2021، والتأم بعد شهرين من ذلك أوّل اجتماع من نوعه للجنة العسكرية الليبية المشتركة المعروفة بـ”5+5″ في طرابلس. لكنّ تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 24 ديسمبر/ كانون الأول رغم الإقبال الواسع نسبياً على التسجيل في قوائم الناخبين أظهر صعوبات تعترض المرحلة الانتقالية في البلاد.

أسفرت تطوّرات السنوات الأخيرة عن تراجع نسبي لبعض الأدوار الأوروبية في ليبيا، بعد تنافُس فرنسي إيطالي محموم على النفوذ في البلاد عبّر في حينه بوضوح عن جانب من أزمة السياسات الخارجية الأوروبية. لكنّ الدبلوماسية الأوروبية بقيت حاضرة، كما تمثّل في المؤتمر الذي استضافته برلين في يونيو/ حزيران 2021 تحت مظلّة الأمم المتحدة “لإرساء الاستقرار” في ليبيا، الذي وصفته الخارجية الألمانية في ختام أعماله بأنه ناجح، رغم أنه لم يخرج باتفاق على انسحاب جميع المقاتلين الأجانب من البلاد كما كان مأمولاً من جدول أعماله.

برزت خلال ذلك أولوية كبح الهجرة عبر الساحل الليبي صوب أوروبا، وتجلّى ذلك في قيام خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي باعتراض سبيل قرابة 15 ألف شخص في عرض البحر خلال النصف الأول من سنة 2021، باسم مهامّ “إنقاذ”، وهو عدد يفوق حصيلة سنة 2020 كاملة حسب منظمة العفو الدولية.

أدّى ذلك إلى تكدّس الساعين إلى الهجرة نحو أوروبا داخل بعض مناطق ليبيا في ظروف مزرية تتخلّلها انتهاكات جسيمة. اكتسبت مراكز احتجاز طالبي الهجرة واللجوء في طرابلس، مثل مركز غريان ومركز المباني ومركز شارع الزاوية، سمعة سيئة حول العالم بعد أحداث مأساوية شهدتها، حتى أنّ المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ندّدت بها في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 متحدِّثة عن “سلسلة من الأحداث المروِّعة” واقتراف “فظائع” ضد هؤلاء البشر.

 

أوروبا والتطوّرات التونسية

شهدت تونس خلال سنة 2021 منعطفاً حادّاً عندما أقدم الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز، في ذروة أزمة سياسية واقتصادية وصحية واعتصامات شهدتها البلاد، على إقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان واتخاذ تدابير استثنائية تباعاً أسفرت عن سيطرته شبه المطلقة على السلطة. 

عبّر الاتحاد الأوروبي وعدد من العواصم الأوروبية عن الانشغال بهذه التطوّرات، وأعربت بعض المواقف عن القلق على مستقبل الديمقراطية والهدوء في البلاد. أجرى الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل، في سبتمبر/ أيلول، زيارة إلى تونس التقى خلالها الرئيس سعيّد، عبّر خلالها عن “مخاوف” الاتحاد الأوروبي إزاء الأوضاع في تونس، ودعا فيها إلى استئناف عمل البرلمان. وفي أكتوبر/ تشرين الأول صوّت البرلمان الأوروبي لصالح قرار يدعو إلى “عودة الديمقراطية في تونس بشكل كامل واستئناف عمل البرلمان في أسرع وقت ممكن”. وجاء في القرار: “يجب حماية الدستور والإطار التشريعي في تونس، واستعادة الاستقرار المؤسسي في أقرب وقت ممكن واحترام الحقوق والحريات الأساسية”. دعا القرار إلى “عودة مؤسسات الدولة التونسية إلى العمل بشكل طبيعي والإعلان عن خريطة طريق واضحة لاستئناف عمل تلك المؤسسات”. وأبدى القرار البرلماني “قلقاً عميقاً إزاء تركّز السلطات بشكل كبير في يد الرئيس التونسي قيس سعيّد”. بيْد أنّ قرارات البرلمان الأوروبي المتعلقة بالسياسة الخارجية تحمل قيمة رمزية فهي ليست في الواقع مُلزِمة للاتحاد أو لدوله الأعضاء.

وفي ديسمبر/ كانون الأول أصدر سفراء دول مجموعة السبع (الولايات المتحدة، كندا، اليابان، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا) وبعثة الاتحاد الأوروبي في تونس بياناً مشتركاً أعلنوا فيه “دعمهم بقوّة الشعب التونسي في سعيه إلى حكم فعّال وديمقراطي وشفاف (…) ونجدِّد تأكيد أهمية احترام الحريات الأساسية لجميع التونسيين والمشاركة الشاملة والشفافة لجميع الأطراف المعنية بما في ذلك أطراف المجتمع المدني والسياسي”.

أمّا قيس سعيّد فألحّ في مواجهة الانتقادات الخارجية غير المباشرة على فكرة “السيادة الوطنية” وأنّ “الوضع في تونس هو وضع تونسي خالص” رافضاً التداول الخارجي بشأنه، ودعا الدول الأوروبية وغيرها إلى “إعادة أموال تونس المنهوبة” قبل أن تقترح الحلول، قائلاً في أكتوبر/ تشرين الأول “نحن لدينا الحلول (…) إذا أراد الخارج مساعدتنا بالفعل فليُعِد إلينا أموالنا المنهوبة التي تم إيداعها في بنوكهم”.

تنطوي المواقف الأوروبية من هذه التطوّرات التونسية على معضلة مركّبة. فعواصم القرار في الاتحاد الأوروبي، خاصة باريس وبرلين، لديها منطلقات متباينة في تقدير الوضع التونسي انطلاقاً من تفاوت مصالح البلدين وصلاتهما. كما أنّ المقترحات المتعلِّقة بوضع خريطة طريق تبدو قابلة للانسجام مع فكرة تقديم “خريطة طريق” من جانب سعيّد الذي أعلن لاحقاً عن خطوات في هذا الشأن، رغم أنّ خطواته بدت مكرّسة لتغيير المشهد السياسي في البلاد حسب رؤيته. ولا تبدو ثمة بدائل سياسية داخلية في تونس بعد احتدام حالة الانقسام السياسي والتشرذم الحزبي وتعثُّر الأداء الحكومي والبرلماني والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي سبقت إجراءات قيس سعيّد الاستثنائية. تبقى ضمن أولويات العلاقات الأوروبية مع تونس كبح الهجرة ودرء “التطرّف”، على نحو من شأنه تغليب منطق حفظ الأمن والاستقرار على ضمان الحريات والحقوق وسير الحياة الديمقراطية كما ينبغي. تُعدَ تونس بوابة هجرة غير نظامية نحو أوروبا، فالساحل التونسي قريب من جزيرتي لامبيدوزا وصقلية الإيطاليتين. ورُصِدت في تونس سابقاً حالات تطرُّف في أوساط شبابية ساهمت بتغذية “داعش” في سورية بنسبة ملحوظة من التونسيين خلال العقد الماضي، كما اتُّهم تونسيون وفدوا إلى أوروبا بشكل غير نظامي بتنفيذ هجمات دامية، كما حدث في نيس سنة 2020 وبرلين سنة 2016، علاوة على هجمات دامية استهدفت أوروبيين داخل تونس ذاتها خلال العقد الأخير. على هذا الأساس؛ حظي نظام زين العابدين بن علي بعلاقات أوروبية متميِّزة حتى سقوطه، خاصة من جانب فرنسا، وقُدِّم نموذجاً للانفتاح والحداثة مع تجاهُل طابعه الاستبدادي الطاغي.

تحظى فرنسا بنفوذ تقليدي كبير في تونس بمقتضى علاقات ما بعد الاستعمار، وهي الشريك الاقتصادي الأبرز لتونس. فرضت الانتفاضة الشعبية التي انقدحت شرارتها في البلاد في أواخر سنة 2010 على باريس تحدِّي الحفاظ على نفوذها في مرحلة التحوّل خلال العقد الماضي. يبدو مفهوماً بالتالي أن تخلو ردود الفعل الفرنسية على إجراءات قيس سعيّد ذات الطابع الانقلابي، من رسائل ضاغطة، كما أنّ خريطة تحالفات فرنسا الإقليمية، مع مصر والإمارات مثلاً، تنسجم مع دعم كفّة مشروع سعيّد، بينما تعيش باريس هاجس الحفاظ على نفوذها التقليدي في البلدان المغاربية وفي دول الساحل والصحراء بالنظر إلى تعاظُم التنافس الدولي على تلك الدول وتآكل نفوذ فرنسا نسبياً في بعضها. ويُلاحظ أنّ بعض المظاهرات التونسية المندِّدة بخطوات سعيّد تلك حملت شعارات مناهضة لفرنسا التي اتُهمت بـ”التواطؤ مع الانقلاب”.

 

الأزمة الألمانية – المغربية

اجتازت العلاقات الألمانية – المغربية على مدار سنة 2021 أزمة بلغت حدّ القطيعة الدبلوماسية بين الرباط وبرلين. نشبت الأزمة بعد اعتراف الولايات المتحدة في نهاية سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء؛ عندما ردّت ألمانيا على الخطوة بأن دعت إلى عقد جلسة لمجلس الأمن للتباحُث بشأن القضية. ثم تدحرجت الأزمة بين الجانبين، واستدعى المغرب سفيرته من برلين للتشاور في أيار/ مايو بسبب غضب الرباط مما اعتبرته “تراكماً للمواقف العدائية ضد المصالح العليا للمملكة من جانب جمهورية ألمانيا المتحدة”، وردّت وزارة الخارجية الألمانية بالقول إنّ “هذه التهامات لا يمكن فهمها”. تشعر الرباط علاوة على ذلك بتهميش ألمانيا لدورها بشأن ليبيا، بعد عقد مؤتمر برلين في يونيو/ حزيران 2021 الذي أعقب جهود المصالحة الليبية التي استضافها المغرب. لكنّ نهاية سنة 2021 أسفرت عن بداية انفراج في الأزمة من خلال مواقف إيجابية متبادلة في ديسمبر/ كانون الأول. 

يُرجّح أنّ برلين، شأن أطراف أخرى، كانت تراهن على إمكانية عودة موقف واشنطن من قضية الصحراء إلى سابق عهده بعد انتهاء ولاية دونالد ترمب؛ الذي اعترف بسيادة المغرب على الصحراء في الأسابيع الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض. وبعد أن احتفظت إدارة بايدن بغموض موقفها بشأن هذه القضية عدّة شهور توالت الإشارات الصادرة من واشنطن بأنها لن تُجري تغييراً على القرار المُتخّذ في نهاية عهد ترمب، وأنها تدعم خطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحلّ القضية، كما جاء في نهاية زيارة أجراها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021. تزامن هذا مع الانتخابات الألمانية ثمّ مجيء ائتلاف حاكم جديد في برلين أبدت معه وزارة الخارجية الألمانية نبرة ودية نحو المغرب.

إنْ احتدمت الأزمة بين المغرب وألمانيا على هذا النحو فإنها لا تغطِّي على واقع الخلاف بشأن قضية الصحراء مع إسبانيا، وبدرجة أقل مع فرنسا، بعد إعلان ترمب أيضاً، وتضاف إليها أزمة ترسيم الحدود البحرية المغربية مع إسبانيا بالنظر إلى تداخُل جزر الكناري التابعة لإسبانيا مع هذه الحدود ووقوع جبل تروبيك الغني بالمعادن النفيسة في قاع المحيط الأطلسي ضمن هذه المنطقة. تحرّكت بواكير هذه الأزمة في سنة 2020 وتبقى مرشّحة لاحتمالات التصعيد بين الرباط ومدريد.

 

الأزمة الفرنسية – الجزائرية

شهدت العلاقات بين فرنسا والجزائر أزمة تصاعدت بدءاً من إبريل/ نيسان 2021 عندما ألغى الوزير الأول الفرنسي جان كاستيكس زيارة كانت متوقعة إلى الجزائر، ثم بلغت الأزمة ذروتها في سبتمبر/ أيلول مع صدور تصريحات من جانب الرئيس ماكرون ذات طابع مسيء للجزائر، أعقبها استدعاء السفير الجزائري من باريس وإغلاق المجال الجوي الجزائري في وجه الطائرات العسكرية الفرنسية. ثمّ أظهرت باريس حرصها على احتواء الأزمة عبر زيارة قام بها وزير خارجيتها لودريان إلى الجزائر في ديسمبر/ كانون الأول التقى خلالها الرئيس عبد المجيد تبون، وأعرب لودريان بعد اللقاء عن أمله في إمكانية استئناف العلاقات بين البلدين في سنة 2022. يأتي سعي فرنسا إلى احتواء هذه الأزمة بعد تقارير تحدّثت عن تراجع نفوذها الاقتصادي ونشاطها التجاري في الجزائر التي تنفتح على بدائل مع شركاء تجاريين آخرين، علاوة على هواجس فرنسا من تآكل حضورها في البلدان المغاربية ودول الساحل والصحراء وتنامي التحرّكات الشعبية المضادة لفرنسا في بعض هذه البلدان، علاوة على مفعول حملة مقاطع المنتجات الفرنسية التي انطلقت عبر العالم الإسلامي بدءاً من سنة 2020 وتواصلت جزئياً في سنة 2021. ويُقدّر بأنّ كلاًّ من باريس والجزائر ستحرصان على استناف العلاقات بينهما نظراً للمصالح المتشابكة، لكنّ الجزائر أظهرت خلال هذه الأزمة قدرة أعلى على المناورة السياسية وممارسة الضغط على الجانب الفرنسي رغم العلاقة الخاصة بين الجانبين.

 

أوروبا والتطورات السودانية

شهدت علاقة السودان الأوروبية تطوّرات ملحوظة بعد عهد البشير الذي أُسقط في انتفاضة شعبية وانقلاب عسكري داخلي عليه في إبريل/ نيسان 2019 بعد تأزّم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد.

فتح صدور القرار الأمريكي القاضي بإزالة اسم السودان من قائمة “الدول الداعمة للإرهاب” في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2020 الباب لاستعادة الخرطوم علاقاتها الأوروبية والدولية. تأتي الأولويات الاقتصادية، مثل الحصول على مساعدات ودعم المشروعات التنموية وإلغاء الديون، في صدارة شواغل الخرطوم في اتصالاتها مع الأطراف الأوروبية والدولية، علاوة على ترويج الخطوات المتخذة في المرحلة الانتقالية التي تقوم على ترتيبات استثنائية يتولاّها مجلس انتقالي غير منتخب يضمّ عسكريين ومدنيين.

نظّمت فرنسا في 17 مايو/ أيار 2021 مؤتمر دعم المرحلة الانتقالية في السودان، برئاسة إيمانويل ماكرون، بعد سلسلة من المؤتمرات في دول أوروبية لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، منها مؤتمرات أصدقاء السودان في السويد (فبراير/ شباط 2020)، ثم في فرنسا (مايو/ أيار 2020)، ثم جاء عقد مؤتمر شركاء السودان في برلين (يونيو/ حزيران 2020) بمثابة محطة مهمة على هذا الصعيد.

دخلت الأوضاع في السودان حالة من التأزيم في خريف 2021 هدّدت المسار الانتقالي، مع اندلاع مظاهرات واعتصامات وإغلاقات في أنحاء من البلاد وقيام المكوِّن العسكري في السلطة الانتقالية بتهميش المكوِّن المدني والقبض على مقاليد الأمور، وتوالي المظاهرات المنددة بذلك. أدّى وضع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك رهن الإقامة الجبرية إلى تنديد أوروبي ودولي، فأعيد إلى المنصب من خلال اتفاق شراكة في السلطة يهيمن عليه العسكر.

ولوّح اللواء محمد حمدان دقلو (حميدتي) بورقة الهجرة الضاغطة على أوروبا، قائلاً في مقابلة نشرها الإصدار الأوروبي من صحيفة “بوليتيكو” في مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2021 إنّ القارّة ستواجه تدفُّقاً للاجئين من السودان إن لم تدعم الحكومة الجديدة تحت قيادة الجيش. بعد أسبوع من ذلك طالب سفراء الاتحاد الأوروبي في الخرطوم رئيس الوزراء حمدوك بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى كل أرجاء السودان دون قيود، وأشاروا إلى أنّ أوروبا دعمت الخرطوم سياسياً ومالياً منذ إسقاط حكم البشير. 

 

الدور الأوروبي في ملفات الأزمات – القضيّتان السورية واليمنية مثالاً

واكب الاتحاد الأوروبي والعواصم الأوروبية تطوّرات مهمّة شهدتها بلدان وأقاليم عدة في العالم العربي والإسلامي، منها فلسطين وسورية والعراق ولبنان وليبيا والسودان وأثيوبيا وتونس وتركيا وأفغانستان وإيران ومالي. لم تعد أوروبا ذات حضور فاعل، أو تراجع حضورها نسبياً، في عدد من الملفات، مثل الملف السوري، والتطوّرات العراقية، والقضية اليمنية، مع الاحتفاظ بدور متصدِّر على صعيد الإنفاق في الجانب الإنساني. 

ففي الشأن السوري؛ يرى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الكيفية الأمثل لمعالجة القضية السورية في الشروع في عملية سياسية شاملة تقوم على مختلف مكوِّنات القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. بيْد أنّ الأدوار الأوروبية تراجعت في الملف السوري خلال السنوات الأخيرة مع بقاء الاتحاد الأوروبي أكبر مانح للمساعدات الإنسانية في هذا الشأن. قضت المواقف الأوروبيية بإبداء الحرص على الحلّ السياسي الشامل والإعلان عن استجابات إنسانية للأزمة، وإدانة هجمات يقوم بها النظام السوري كما جرى في الحملة على درعا في أواخر يوليو/ تموز 2021 مثلاً التي جاءت مصحوبة بتجديد الالتزام بمكافحة إفلات مرتكبي انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان الأشد خطورة من العقاب. ويُبدي الأوروبيون الحرص على “مواصلة الجهود الدبلوماسية التي نبذلها بمعيّة شركائنا بغية التوصُّل إلى حل سياسي دائم وموثوق به للنزاع السوري” المواقف الأوروبية في سورية” حسب وزارة الخارجية الفرنسية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، التي أكّدت في الوقت ذاته معارضة باريس “تطبيع العلاقات مع سورية وأي تخفيف من حدّة آلية الجزاءات ما دام النظام السوري لا ينفكّ يزعزع الاستقرار ويُفاقِم الأزمة الإنسانية ويؤجِّج التهديد الإرهابي”.

علّق الاتحاد الأوروبي على الانتخابات السورية الرئاسية التي أجريت يوم 26 مايو/ أيار 2021 بالقول إنها “لا تتفق مع أي من معايير التصويت الديمقراطي الحقيقي (…) ولا تساعد في تسوية النزاع هناك”.

شهدت سنة 2021 تطوّرات على صعيد أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء السوريين في أوروبا، منها إعراب بعض الحكومات عن سعيها إلى ترحيل فئات معيّنة منهم بمقتضى توجّهات أكثر تشدداً في التعامل مع هذا الملف، بعد أن أنهت ألمانيا في أواخر سنة 2020 حظر الترحيل إلى سورية الذي كان ساري المفعول منذ سنة 2012 بعد أن دفع التحالف المسيحي الذي كانت تقوده المستشارة الألمانية ميركل في هذا الاتجاه، وسيسري الترحيل على سوريين تُرفض طلبات لجوئهم، لكنّ عراقيل عملية اعترضت تنفيذ ذلك من بعد.

وقُدِّمت دعاوى قضائية في ألمانيا والسويد وفرنسا من قبل منظمات حقوقية سورية ضد أشخاص تقلّدوا مسؤوليات في النظام السوري ونُسبت إليهم اقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وأصدر القضاء الألماني في فبراير/ شباط 2021 أول حكم إدانة من نوعه في أوروبا على مسؤول سابق في النظام السوري. ونظرت السلطات القضائية في عدد من دول أوروبا خلال السنة ذاتها في قضايا بحق أشخاص قادمين من سورية متهمين بالارتباط بمجموعات مسلّحة منها “داعش”.

يأتي ملف الهجرة واللجوء بين محدِّدات المواقف الأوروبية بخصوص الأوضاع في سورية، فأي عملية عسكرية واسعة في الشمال السوري من شأنها أن تدفع بأفواج غفيرة من النازحين الذين سيتدفّق بعضهم على أوروبا التي لا ترغب باستقبالهم، وسيفرض على ذلك على الاتحاد الأوروبي التفاوض مع أنقرة بشأن وجهتهم.

ثمة ملف آخر برز بعد الإعلان عن هزيمة تنظيم “داعش” في سورية في مارس/ آذار 2019 يتمثّل في أعداد غفيرة من الذين احتجزوا بدءاً من ذلك في ظروف مأساوية في شمال شرق سورية تحت سلطة مليشيات “قسد” المتطرفة التي تلقّت دعماً أمريكياً وأوروبياً منذ ضمِّها إلى “التحالف الدولي ضد داعش”. بين هؤلاء أعداد غفيرة من الأوروبيين تنبذهم دولهم ولا ترغب برؤيتهم مجدداً حتى في سجونها، علاوة على أوروبيات مع أطفالهن محتجزات في مخيمات مزرية تحت سيطرة المليشيا ذاتها، لأنهم موصومون بالتبعية لتنظيم “داعش”. تخشى أوروبا من عودة بعض مواطنيها هؤلاء إلى بلادهم الأوروبية أو أن يسعى آخرون من غير الأوروبيين إلى التخفِّي بين أفواج اللاجئين للعبور نحو القارة. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أعلنت ألمانيا والدانمرك أنها “استعادت” مجموعة من مواطني الدولتين من النساء والأطفال وجرى احتجاز النساء وبدءت تحقيقات جنائية معهن.

وفي اليمن، مثلاً، تركّز الجهد الأوروبي على إعلان دعم الجهود الدولية المبذولة للحل السياسي في البلاد، الذي يشهد انسداداً، مع تقديم الدعم والمساندة للجهود الإنسانية من جانب والمساندة الاقتصادية للحكومة اليمنية التي تتخذ من عدن مقرّاً لها، وفق ما جرى خلال لقاءات عقدها مسؤولو الحكومة في عدن مع سفراء الدول الأوروبية. 

واعتمد البرلمان الأوروبي، في 11 فبراير/ شباط 2021 قراراً بالأغلبية أدان فيه “العنف المستمرّ في اليمن منذ بدء النزاع الذي أسفر عن أسوأ أزمة إنسانية في العالم”. وأكّد القرار أنّ لا حلّ للأزمة إلا عبر مفاوضات بقيادة يمنية تشمل جميع مكوِّنات الشعب. ودعم القرار جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن لدفع العملية السياسية، وطالب بسحب جميع القوات الأجنبية من اليمن وأن يتحرّك الاتحاد الأوروبي عبر مجلس الأمن الدولي لإحالة الوضع في البلاد إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوسيع قائمة الأشخاص الخاضعين لعقوبات مجلس الأمن. طالب القرار أيضاً بوقف بيع الأسلحة والمعدّات الأمنية التي تستخدم في الحرب اليمنية، لكنّ الاستجابة الأوروبية لذلك بدت جزئية.

أعلنت دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة، مثل ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، عن تعليق أو حظر صادرات السلاح إلى السعودية والإمارات على خلفية دورهما في حرب اليمن، بينما ترفض بريطانيا وفرنسا وإسبانيا ذلك. ويُلاحظ أنّ 22 من 24 نائباً فرنسياً امتنعوا عن التصويت على قرار البرلمان الأوروبي المذكور بالنظر إلى موقع صادرات السلاح في العلاقات الفرنسية – الخليجية.

 

أوروبا والخليج

طوت سنة 2021 صفحة الأزمة الخليجية مع انعقاد قمّة مجلس التعاون الخليجي الحادية والأربعين في العلا بالمملكة العربية السعودية في 5 يناير/ كانون الثاني، بعد قرابة خمس سنوات من اندلاع الأزمة التي واكبت عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. أنهت المصالحة الخليجية حصار قطر ففُتِحت الحدود والمنافذ والأجواء المُغلَقة واستُعيدت العلاقات القنصلية وجرى تبادل الزيارات، رغم استمرار الفجوة بين الدوحة والمنامة، ونسبياً بين أبوظبي والدوحة، ثم شهدت العلاقات بين الدوحة والقاهرة انفراجة على المستويات السياسية والإعلامية.

نأت الأطراف الأوروبية بنفسها عن الأزمة الخليجية منذ اندلاعها، وأعربت عن قلقها من هذا التطوّر في حينه. كانت عواصم القرار الأوروبي وجهة زيارات خليجية استهدفت التأثير عليها في بداية الأزمة؛ لكنها احتفظت بعلاقاتها مع الأطراف جميعاً وأعربت عن دعمها لمساعي المصالحة التي قادتها الكويت وباشرت من جانبها اتصالات لتخفيف حدّة التوتُّر. أدركت أوروبا أنّ اندلاع الأزمة الخليجية كان من متلازمات وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة الأمريكية، فالأزمة تفجّرت بعيد زيارته إلى الرياض مباشرة، بينما تدهورت العلاقات الأمريكية – الأوروبية في عهده وشهدت نفوراً وتوتّرات وتعبيرات متشنِّجة، كما تملّصت إدارة ترامب من اتفاقات ومعاهدات منها اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني المبرم سنة 2015 بمشاركة أوروبية فاعلة.

أظهرت الأطراف الأوروبية حرصها طوال سنوات الأزمة على إدارة علاقات متوازنة مع دول الخليج العربية تراعي مصالحها مع هذه الدول من جانب واستقرار المنطقة من جانب آخر، وتتحاشي اختلال التوازنات القائمة فيها أيضاً. تمثِّل دول الخليج العربية، بما فيها قطر، شريكاً تجارياً واقتصادياً مهمّاً للدول الأوروبية، كما يتجلّى في إمدادات الطاقة ومبيعات السلاح والتبادل التجاري وحضور الشركات الأوروبية علاوة على اجتذاب الاستثمارات الخليجية نحو أوروبا.

ومع حرص الدول الأوروبية على توثيق علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع دول الخليج لم تُسَجّل إشارات ذات شأن إلى ملفات حقوق الإنسان والحرِّيات بشأن دول الخليج خلال سنة 2021، كما تراجعت وتيرة الانتقادات الموجّهة إلى أطراف خليجية على خلفية حرب اليمن منذ وصول بايدن إلى الرئاسة، الذي استدعى دخوله البيت الأبيض مراجعة الرياض لمقاربتها بشأن الأوضاع على نحو حفّز، مع بواعث أخرى، إجراء مباحثات سعودية – إيرانية.

من بين الزيارات الأوروبية إلى دول الخليج برزت جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر/ كانون الأول 2021 التي شملت السعودية والإمارات وقطر، وعبّرت عن حرص باريس على تعزيز علاقاتها مع المنطقة في ظلّ التطوّرات الجارية على مستوى الإقليم وقوى النفوذ الدولي، علاوة على ملفات إمدادات الطاقة وصفقات السلاح والعلاقات الخليجية – الخليجية، وشؤون لبنان وإيران وأفغانستان واليمن. جاءت هذه الزيارة ضمن مساعي فرنسا لإعادة التموضع وتثبيت الحضور الاستراتيجي والاقتصادي، كما تستبق استئناف الاتفاق النووي الإيراني المحتمل ورفع العقوبات عن طهران بالتالي. سعت فرنسا بشكل ملحوظ إلى تكثيف حضورها الاقتصادي في الخليج عموماً ومع الإمارات خصوصاً، كما تجلّى في تشكيلة الوفد المرافق لماكرون علاوة على المشاركة الفرنسية الضخمة في معرض “إكسبو دبي 2020” الذي انطلق مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2021 ومدّته ستة شهور.

 

أوروبا وإيران

شهدت سنة 2021 سلسلة من الجولات التفاوضية في فيينا الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، تغيّبت عنها الولايات المتحدة رسمياً لكنها واكبت أعمالها بشكل غير مباشر. أحرزت المفاوضات تقدُّماً جزئياً على صعيد اللجان الفنية المختصة، وتوقفت عن الانعقاد بدءاً من الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ثم استؤنفت جولاتها بعد شهور من تقلُّد إبراهيم رئيسي رئاسة إيران وبدا الأداء التفاوضي الإيراني أكثر تصلُّباً في عهده، ومن المنتظر أن تتواصل المفاوضات في سنة 2022. عبّرت الأطراف الأوروبية المشاركة في مفاوضات فيينا، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عن تفاؤل نسبي بإمكانية الوصول إلى اتفاق، وحذّرت في خواتيم سنة 2021 من تسارُع قدرات إيران النووية بشكل قد يُفرغ الاتفاق النووي من فحواه مشيرة إلى أنّ الوقت المتاح لإمكانية العودة إلى الاتفاق يُقدّر بأسابيع وحسب وأنه لا مجال أمام إيران للمماطلة أو التلكٌّؤ. عبّرت الأطراف الأوروبية عن مواقف بدت أقرب إلى واشنطن، بخلاف المواقف الروسية والصينية. تتمسّك إيران من جانبها برفع شامل للعقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وبالعودة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 دون إضافات عليه، وترفض فكرة إبرام اتفاق مؤقّت، وتُطالِب بضمانات كافية بعدم تكرار تجربة تملُّص الولايات المتحدة من الاتفاق المبرم برعاية دولية، كما ترفض إدراج ملفّات أخرى في المفاوضات مثل القدرات الصاروخية الإيرانية وأدوار طهران الإقليمية. ومع اقتراب إمكانية التوصُّل إلى اتفاق في فيينا تكثّفت الاتصالات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية للتحذير من استئناف الاتفاق وتزايد تلويح الجانب الإسرائيلي بالخيار العسكري لإحباط قدرات إيران النووية.

ردّت طهران على الهجمات الموضعية، التي تعدّ تدبيراً إسرائيلياً، التي استهدفت برنامجها النووي خلال سنة 2021 وما سبقها، بزيادة منسوب تخصيب اليورانيوم ورفع جاهزيتها التقنية في المفاعلات والتلكُّؤ في التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما منح انطباعاً بأنّ الهجمات ومحاولات التعطيل عادت بمردود عكسي إلى حدّ ما وربما ساهمت في تقريب إيران من العتبة النووية. كما لم تؤدِّ العقوبات الأمريكية التي فُرِضت على طهران خلال عهد دونالد ترمب إلى إبطاء برنامجها النووي على ما يبدو رغم المتاعب الاقتصادية والسياسية الداخلية التي ترتّبت عليها بالنسبة إلى إيران.

تبدو أوروبا معنيّة باستئناف الاتفاق النووي الإيراني الذي خرجت منه الولايات المتحدة في عهد دونالد ترمب، ولا تجد مصلحة لها في تصعيد عسكري مع إيران إن لم يُستأنف الاتفاق من جديد، لكنها تخشى من اقتراب إيران من العتبة النووية إن تسارعت قدراتها التقنية حسب ما تحذِّر منه تقارير. كما أنّ توجيه ضربات عسكرية إسرائيلية و/أو أمريكية لإيران قد يؤدي إلى تدحرج الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة لا ترغب بها أوروبا بطبيعة الحال. تتطلّع الدول الأوروبية إلى جني مكاسب من رفع العقوبات الأمريكية على إيران في حال العودة إلى الاتفاق النووي، بعد أن تضرّرت الشركات ومساعي الاستثمار الأوروبية من هذه العقوبات.

من جانب آخر جاءت التطوّرات التي تسارعت في أفغانستان مع نهاية صيف 2021، لتعزز من دور إيران نسبياً في المنطقة بالنسبة لأوروبا بعد الفراغ الكبير الذي أحدثه الانسحاب السريع والمتخبِّط للقوات الغربية من أفغانستان. وإذ تخشى أوروبا من موجات نزوح واسع من أفغانستان بعد انهيار نظام الحكم المدعوم من الولايات المتحدة والدول الغربية الذي أقيم بعد غزو البلاد سنة 2001؛ فإنّ أوروبا تعوِّل على دور دول العبور، مثل إيران وتركيا، في منع وصول طالبي اللجوء الأفغان إليها. وقد تجد فرنسا المعنية بالشأن اللبناني المأزوم حاجة للتواصل مع طهران في هذا الشأن أيضاً بالنظر إلى نفوذ الأخيرة في الساحة اللبنانية.

 

دروس أفغانستان

سقطت في أفغانستان رهانات أطلسية، منها ما عوّل على تحميل أعباء الميدان على أكتاف قوات محلية موالية يتم تشكيلها وتدريبها وتسليحها وتمويلها بسخاء، بعد تجارب التدخّل العسكري الموجعة في فيتنام والصومال التي تميّزت بتكثيف الحضور العسكري المباشر. فالجيش الأفغاني الذي شكّله الأمريكيون وحلفاؤهم انهار سريعاً وتهاوت معه عقيدة نقل الأعباء إلى قوّات محلية تقوم بمهام ميدانية واسعة بدلاً من قوات التدخّل بشكل كامل أو جزئي. 

تحمل تجربة الإخفاق الذريع في الميدان الأفغاني رغم عقدين من الغزو والاحتلال دروساً وتبعات للشركاء الأوروبيين أيضاً، فهو بالنسبة لألمانيا سيكبح نزعة المشاركة في حروب وعمليات عسكرية خارجية بعد أن عبّرت مساهمة القوات الألمانية في احتلال أفغانستان تحت مظلة حلف الأطلسي عن تغيُّر ملحوظ في إحجام ألمانيا عن مهام كهذه يمنع دستورها القيام بها إلاّ في ظروف محددة. وستعزِّز هذه التجربة تردُّد بعض الدول الأوروبية في الالتحاق بعمليات غزو قد تقودها الولايات المتحدة لاحقاً. 

أمّا بالنسبة لفرنسا التي تميّزت برشاقة تدخّلاتها العسكرية وضرباتها الجوية في دول الساحل والصحراء والهلال الخصيب وليبيا فإنّ تجربة المقاومة الأفغانية للقوات الأطلسية ستكون محفِّزة لاستنزاف القوات الفرنسية في مناطق انتشارها من قبل مجموعات مسلّحة محلية.

أظهرت تطوّرات الأوضاع في أفغانستان حساسية أوروبا المتزايدة في ما يتعلق بملف الهجرة واللجوء، فما إن تدهورت الأوضاع في أفغانستان مع نهاية صيف 2021 حتى انطلقت تحذيرات عبر أوروبا من تدفُّقات بشرية وشيكة نحو القارّة ودعوات إلى إبرام تفاهمات مع دول عبور اللاجئين الأفغان في هذا الشأن، خاصة وأنّ التعامل مع طالبي اللجوء الأفغان الموجودين حالياً في أوروبا كان قضية إشكالية في بعض الدول قبيل سيطرة حركة طالبان على البلاد. من شأن هذه الأولوية أن تنعكس بوضوح على المقاربات الأوروبية المستقبلية في التعامل مع الأزمات المحتملة في البلدان والأقاليم المرشّحة لنزوح بشري منها صوب القارّة.

 

العلاقات الأوروبية – التركية

شهدت سنة 2021 تراجعاً نسبياً في منسوب التوتُّر بين تركيا والاتحاد الأوروبي بعد احتدام أزمة شرق المتوسط، لكنّ العلاقات بين أنقرة والجانب الأوروبي بقيت متأرجحة نسبياً وعرضة لمواقف حرجة وتعبيرات حادّة أحياناً؛ كما حدث مثلاً لأسباب بروتوكولية خلال زيارة وفد الاتحاد الأوروبي إلى أنقرة في إبريل/ نيسان 2021، وحينها عقّب رئيس الحكومة الإيطالية ماريو دراغي على الموقف بنعت الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بـ”الدكتاتور”. كما جرّ إعلان تركيا رسمياً في آذار/ مارس الخروج من “اتفاقية اسطنبول” (اتفاقية منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي لعام 2011) انتقادات أوروبية.

وبعد أن جاءت تركيا ضمن شواغل عدد من القمم الأوروبية في السنوات الأخيرة، فإنّ قمّة قادة الدول والحكومات الأوروبية التي التأمَت في بروكسيل يومي 24 و25 يونيو/ حزيران 2021 رسمت ملامح توجّهات الاتحاد الأوروبي نحو أنقرة. انعقدت القمّة بعد شهور من التهدئة الواضحة من جانب أنقرة في الملفات الحسّاسة بالنسبة لأوروبا، وهذا ما أقرّت به رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع انعقاد القمّة، لكنّ الاجتماع دعا أنقرة إلى “إزالة العقبات المتبقية” أمام إحياء العلاقات المتبادلة. أكّدت أعمال القمّة أنّ الأوروبيين لا يريدون تأزيم العلاقة مع تركيا، لكنهم تحدّثوا بنبرة مشروطة ولم يُظهِروا استعداداً لفتح الباب أمام شراكة منفتحة على آفاق عضوية الأتراك في الاتحاد التي ما زالت بعيدة المنال رغم عقود الانتظار. ينحو الاتحاد الأوروبي إلى ربط الملفات المتعلِّقة بتركيا بعضها ببعض في محاولة لإحكام علاقة تعاون مشروط مع أنقرة، عبر ربط سلوك أوروبا في الملفات ذات العلاقة بسلوك تركيا ابتداء. من شأن هذا التوجّه إضفاء مزيد من التعقيد على العلاقات الأوروبية – التركية على نحو قد يُدخلها في توتّرات مُتعاقِبة، خاصة في ملفات الجزيرة القبرصية، والتنقيب في شرق المتوسط، وتفاهمات اللاجئين، دون أن تفتح في المقابل أفقاً جدِّياً لعضوية تركيا في الاتحاد أو يُحرَز تقدّم عملي في ملف الاتحاد الجمركي.

وبعد أزمة شرق المتوسط تصدّرت قبرص عناوين التوتّر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا خلال سنة 2021، فالاتحاد عبّر بوضوح عن رفض فكرة حلّ الدولتين في الجزيرة المقسّمة بصرامة وتمسّك بمقاربته الفيدرالية، وأعلن أنه يُراقب زيارة الرئيس التركي إردوغان التي كانت مرتقبة إلى شمال الجزيرة في العشرين من يوليو/ تموز، وأثارت الزيارة التي تمّت في موعدها المقرّر من جانب أنقرة استياءً أوروبياً.

قرّرت قمّة يونيو/ حزيران الأوروبية تقديم خمسة مليارات وسبعمائة مليون يورو حتى سنة 2024 لاستيعاب اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري لدرء إمكانية وصولهم إلى أوروبا. لكنّ الاستجابة الأوروبية في هذا الشأن لم تَرْقَ إلى ما تطالب به أنقرة، فمبلغ ثلاثة مليارات يورو منها وحسب المخصّص لتركيا يعادل نصف ما تُطالب شركاءها الأوروبيين بالوفاء به، وهو يختصّ فقط باللاجئين السوريين دون غيرهم؛ مثل الأفغان الذي يمثِّلون قسطاً معتبراً من الساعين إلى العبور نحو أوروبا. ثم إنّ هذا المبلغ لن يُمنح، حسب القرارات الأوروبية، للدولة التركية مباشرة التي تُدير هذا الملف، فهو سيُخصّص لمنظمات غير حكومية. 

من الرسائل الشائكة التي حملتها القمّة المذكورة أنّها عادت إلى التلويح بورقة القانون والحقوق في وجه القيادة التركية، معتبرة أنّ “سيادة القانون والحقوق الأساسية في تركيا لا تزال مصدر قلق كبير”.

جاء ملف حقوق الإنسان ليُضاف إلى ملف اللاجئين، وشرق المتوسط، والجزيرة القبرصية، والاتحاد الجمركي، ومسألة العضوية في الاتحاد، وشؤون أخرى ذات صلة. تحاول أوروبا على ما يبدو أن تربط هذه الملفات بعضها ببعض بشكل ما، ومن شأن هذا أن يزيد تشابكات العلاقات الأوروبية مع تركيا تعقيداً. يُوْحي الأمر عموماً بغياب الإرادة السياسية الموحّدة ضمن الاتحاد لتحريك العلاقات مع تركيا في اتجاه إيجابي أو بالافتقار إلى الاستعداد للتعامل مع تركيا متجاوزة للتوقعات النمطية الأوروبية، علاوة على صعوبة إحداث توافق ضمن الأسرة الأوروبية في ما يتعلّق بالعلاقة مع تركيا عموماً وبهذه الملفات كل على حدة. كما تكمن خلف هذا الموقف الأوروبي تحفّظات عميقة على الصعود الإقليمي التركي الذي صار يُوصَف بالتحدِّي لأوروبا، حتى أنّ القمة المشتركة بين المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ماكرون في برلين يوم 18 يونيو/ حزيران خلصت إلى أنّ روسيا وتركيا تحدِّيان كبيران للاتحاد الأوروبي.

تمنح صعوبات صناعة القرار الجماعي الأوروبي الانطباع بأنّ الاتحاد الأوروبي لن يكون قادراً على إنجاز حوار منفتح ومستقرّ مع تركيا، خاصة مع المواقف المتصلِّبة لبعض دوله الأعضاء مثل اليونان وقبرص اليونانية وفرنسا والنمسا، وإيطاليا أحياناً. لكنّ أوروبا تخسر أيضاً بهذه المماطلة الرِّهان على استيعاب تركيا ضمن مشروع الوحدة بكل ما يعنيه هذا الاستيعاب من تعزيز الوزن الاستراتيجي والاقتصادي للقارّة الموحدة خاصة بعد تقلّصه جراء خروج بريطانيا من الاتحاد. وجاء الأداء السياسي والميداني القوي الذي سجّلته أنقرة في الحرب التي اندلعت بين أذربيجان وأرمينيا سنة 2021، ليعزِّز المكانة الاستراتيجية التي تحظى بها تركيا في محيطها، علاوة على مواقع النفوذ التركي الأخرى.

في المقابل؛ تفرض الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد التركي مع التذبذب الحاد في سعر صرف الليرة والارتفاع الجسيم لمعدّل التضخّم خلال سنة 2021 علاوة على تبعات جائحة كورونا السلبية على اقتصاد البلاد، درء احتمالات تدهور العلاقات مع أوروبا التي تعد الشريك التجاري والاقتصادي الأبرز لتركيا. وتحوز تركيا، بالنظر إلى موقعها بين أوروبا والشرق، بعض الفرص لإعادة التموضع في حركة التجارة الدولية مع أوروبا بعد تجربة جائحة كورونا التي ضغطت على سلاسل التوريد الطويلة.

 

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى