منوعات

جزء 1 –أوروبا – المكانة بين الأقطاب ومساعي تثبيت الحضور وإعادة التموضع

على ضوء تطوّرات سنة 2021

 يقتطف الموقع هدا النص من تقرير سنوي للأستاذ حسام شاكر أصدرته مجموعة التفكير الاستراتيجي

اتّسمت سنة 2021 بتحوّلات وتغيّرات جيوبوليتكية أظهرت تراجعاً نسبياً في مكانة أوروبا على المستوى الدولي، وبدا الاتحاد الأوروبي أو دول الصدارة الأوروبية بالأحرى، منهمكة على الصعيد الخارجي في تثبيت حضورها أو إعادة التموضع الاستراتيجي والتعامل مع التحوّلات والتحدِّيات الماثلة أمامها، خاصة مع تبعات جائحة كورونا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتحدِّي الروسي في الشرق، والصعود الصيني، والانعطافة التي شهدتها الولايات المتحدة من عهد دونالد ترمب إلى عهد جو بايدن، علاوة على تطوّرات دولية متعددة برزت منها أفغانستان. جاء ضمن صدارة أولويات الاتحاد الأوروبي المقررة مسبقاً لسنة 2021 احتواء تداعيات جائحة كورونا مع استدعته من قفزات استثنائية في الإنفاق العام، والتغيُّر المناخي، والهجرة واللجوء، وملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. 

جائحة كورونا

شهد عام 2021 امتداداً لجاحة كورونا في سنتها الثانية، مع ما تجرّه من تأثيرات متعدِّدة على مستوى العالم تتخطّى النطاق الصحي. تجاوز الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بعض الهواجس الصحية والاقتصادية المُغالية التي رُسِمت في بداية الجائحة، خاصة مع تصدُّر الاتحاد الأوروبي العالم في منسوب تلقِّي اللقاحات المضادة لفيروسكوفيد 19″ ومتحوِّراته المستجدّة، وفي إنتاجها أيضاً، وفي منسوب الإنفاق العام على احتواء تداعيات الجائحة الاقتصادية. بيد أنّ الانقسامات الاجتماعية بدت واضحة بشأن السياسات المتعلِّقة بالجائحة، خاصة الإغلاقات والتدابير الصحية المشدّدة واحتمالات فرض إلزامية تلقِّي اللقاحات على السكان ونشوء فئات متضرِّرة بشكل خاصّ من سياسات التعامل مع الجائحة. تحرّكت في العديد من البلدان الأوروبية موجات رفض ومظاهرات حاشدة ضد هذه السياسات لم تعد تقتصر على فئةمُنكِري كورونا، وأدّى هذا أحياناً إلى تحفّز ملحوظ وتوتُّرات وصدامات شوارع مع قوات الشرطة. عبّر الانقسام المجتمعي عن ذاته بوضوح في نشوء فضاءات بديلة في مواقع التواصل الاجتماعي مستقلّة عن وسائل الإعلام الكبرى، وفي بروز شعارات تنادي بـالحريةوتصف سياسات كورونا بـالاستبداد“. وأدّى ظهور متحوّرات جديدة، مثل دلتا وأوميكرون إلى خيبة أمل في نهاية وشيكة للجائحة، فعادت الإغلاقات وإجراءات الطوارئ الصحية من جديد إلى عدد من البلدان الأوروبية بينما أظهرت المجتمعات والنشاطات الاقتصادية تكيّفاً متزايداً مع تحدٍّيات الجائحة التي اجتازت خلال عام 2021 سنتها الثانية.

معضلات الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الأوروبي، كما تجلّى في سنة 2021 أيضاً، معضلات بنيوية مزمنة في مشروع الوحدة، منها الافتقار إلى سياسات أمنية ودفاعية أوروبية مشتركة فعّالة، أو بتعبير جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمنية الأعلى في الاتحاد الأوروبيينبغي على البوصلة الاستراتيجية أن تسمح لنا بأن نأخذ أمننا ودفاعنا بجدِّية أكبر، واصفاً في مقالة موسّعة عام 2021 بأنه كانسنة التحوّلاتوالتغيّرات الجيوسياسية التي تفرض تحدِّيات على الاتحاد الأوروبي. يأتي من ذلك غياب مظلّة دفاعية مشتركة فعّالة للدول الأعضاء التي تبقى معتمدة على تبعيتها الدفاعية للولايات المتحدة من خلال حلف شمال الأطلسيناتو“. تتصدّر فرنسا، عادة، الدعوات إلى تطوير جيش أوروبي أو آليّة دفاعية مشتركة دون أن تكون بديلاً عن المظلّة الأطلسية، وتضمّنت أولويات رئاستها الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من سنة 2022 عقد قمّة تبحث ذلك، بعد إخفاق مساعٍ سابقة في هذا الشأن.

تمسّ معضلات الاتحاد الأوروبي إمكانية صياغة سياسة خارجية مشتركة على نحو فعّال على المسرح الدولي بالنظر إلى نهج الإجماع أو التوافق في الحدود الدنيا المتّبع في اتخاذ المواقف وتبايُن مواقف الدول الأعضاء في بعض الملفّات الخارجية إلى حدّ التعارض أحياناً. أدّى توسّع الاتحاد في وسط أوروبا وشرقها خلال العقد الأوّل من هذا القرن إلى دخول مقرّبي واشنطن إلى الأسرة الأوروبية وتأثيرهم المباشر في آليّات صناعة القرار وإن عُدّ مركز الثقل التقليدي في صناعة القرار متركزاً في برلين وباريس ولندن (قبل خروجها من الاتحاد). من أمثلة صعوبات التوافق على خطوات استراتيجية فعّالة أنّ قمة بروكسيل الأوروبية التي عُقدت في يونيو/ حزيران 2021 أحبطت محاولات مشتركة بذلتها برلين وباريس قبيل انعقادها في إحراز توافق بين قادة الدول والحكومات على عقد قمّة أوروبيةروسية، بعد أن تصدّت بولندا ودول البلطيق لهذا المقترح. كان من شأن القمّة أن تمنح الأوروبيين فرصة حوار مباشر مع موسكو وإمكانية ضغط جماعي عليها، قبيل اندلاع الأزمة الروسيةالأوكرانية بشكل مفاجئ في نهاية السنة، وكان ذلك سيُعبِّر عن استقلالية نسبية عن المظلّة الأمريكية التي تحاول حشد أوروبا خلفها في مواجهة روسيا والصين. ويُلاحظ أنّ الدول الأعضاء التي عارضت عقد القمة المقترحة هي أقرب جغرافياً لروسيا وأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة.

كما تقوم بعض الدول الأعضاء بمبادرات خارجية لا تبدو منسجمة مع الاتجاه العامّ في أوروبا، من قبيل زيارة استثنائية ذات طابع دعائي خلال حملة الانتخابات الإسرائيلية، قام بها المستشار النمساوي سباستيان كورتس ورئيسة الوزراء الدانمركية ميتي فريدريكسن في مارس/ آذار 2021 إلى القدس للإشادة بـالتجربة الإسرائيليةفي التعامل مع الجائحة والتنسيق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن تطوير لقاحات كورونا، رغم عدم إنتاج أي لقاح إسرائيلي ضد الفيروس حتى حينه واعتماد الإسرائيليين على لقاحات أوروبية في الغالب.

شهدت سنة 2021 مزيداً من نزعات التمرّد والمناوأة الموجهة للاتحاد الأوروبي من عواصم في وسط أوروبا على نحو اضطرّ الاتحاد إلى التلويح بعقوبات في وجه بولندا خلال سنة 2021 على منوال ما اتُّخِذ سابقاً بحقّ المجر. ففي أكتوبر/ تشرين الأول أصدرت أعلى محكمة بولندية حكماً يقضي بأنّ بعض معاهدات الاتحاد الأوروبي تتعارض مع دستور البلاد الذي له المرجعية العُليا، ولقي الحكم ترحيب القيادة السياسية في وارسو. من شأن هذا القرار المرجعي الذي أحدث انتقادات حادّة في أوروبا أن يمثِّل نموذجاً يُحتذَى لدول أوروبية أخرى مستقبلاً، وقد يُتّخذ ذريعة للتنصّل من التزامات مقرّرة بموجب عضوية الاتحاد الأوروبي خاصة مع احتمالات صعود قيادات وأحزاب شعبوية إلى الحكم.

كما تتخلّل مشروع الوحدة اصطفافات تتشكّل ضمن الدول الأعضاء في بعض الملفات، مثلاً بين حكومات تنادي بمزيد من التشدُّد مع طالبي اللجوء، أو بين دول تشرف على سواحل المتوسط التي تقصدها زوارق الهجرة غير النظامية، أو بين عواصم تطالب بتدابير أمنية تشمل التنصّت على هواتف المواطنين وتطبيقات التواصل في الدول الأعضاء، أو بين قادة معترضين على سياسات اللقاحات الأوروبية، أو بين دول تضغط باتجاه نهج متصلِّب في التعامل مع تركيا، أو غير ذلك من الشواغل التي يستثير بعضها الحمّى الشعبوية التي يُستثمَر فيها سياسياً وانتخابياً في ديمقراطيات الوحدة على حساب جودة الأداء السياسي والمصالح الاستراتيجية أحياناً. 

تمثِّل حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيبريكستالتي نجحت عبر استفتاء شعبي سنة 2016 هاجساً لدى الاتحاد من إمكانية تكرار هذه التجربة في بلدان أوروبية أخرى عبر استفتاءات شعبية تصاحبها حملات تسخين للجمهور على نحو ما جرى في بريطانيا. ويبقى على أوروبا أن تتعايش مع احتمالات صعود قوى شعبوية، من أقصى اليمين وغيره، في عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات المقبلة علاوة على ما جرى في بعض البلدان حتى الآن، ومن شأن ذلك أن يجرّ انعكاسات متعددة على المشهد السياسي في القارّة وعلى علاقات الدول الأعضاء بالاتحاد.

تواجه أوروبا الموحّدة تحدِّيات أخرى منها اللحاق بتقنية الشبكات والأجهزة المحمولة والاقتصاد الشبكي الصاعد عالمياً، وجاء هذا من الأولويات التي حدّدتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في خطاب حال الاتحاد الأوروبي الذي ألقته يوم 15 سبتمبر/ أيلول 2021. 

شهدت سنة 2021 خروج المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من الحكم بعد ستة عشر عاماً قضتها في رئاسة الحكومة تميّزت بالاستقرار الاقتصادي رغم الأزمات المالية والاقتصادية التي عرفها العالم ودول أوروبية خلال ذلك، وترسيخ مكانة برلين في قيادة القاطرة الأوروبية، فعُدّت ميركل بمثابة زعيمة أوروبا. يواجه تحالف يسار الوسط (الديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين والخضر) الذي يقود الائتلاف الحكومي الجديد في ألمانيا بعد خسارة يمين الوسط الانتخابات (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) اختبارات تماسك الحكومة الائتلافية والتعامل مع الأولوية الصحية والأعباء الاقتصادية المترتِّبة على استمرار جائحة كورونا، والحفاظ على التوازن النسبي الذي طبع علاقات برلين الخارجية، خاصة مع تصاعد الاستقطاب الأمريكيالصيني وصعود التحدِّي الروسي كما عبّرت عنه الأزمة الروسيةالأوكرانية. افتقدت أوروبا الموحّدة، مع خروج ميركل من المشهد السياسي، زعامة قوية تقودها داخلياً وتعبِّر عنها دولياً، فالتركيبة الحكومية الجديدة في ألمانيا التي يقودها المستشار أولاف شولتس تحتاج زمناً حتى تبرهن على جدارتها، وغادرت بريطانيا الأسرة الأوروبية من خلالالبريكسيتوهي منشغلة بعدد من الملفات العالقة مع الاتحاد الأوروبي علاوة على أنّ نموذج قيادة بوريس جونسون لم تسجِّل حضوراً ملموساً على المستوى الدولي، أمّا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فواجه أزمات موجعة في الخارج ويستشرف هزيمة انتخابية متوقعة في الانتخابات الرئاسية في سنة 2022. ففي الانتخابات الإقليمية والجهوية التي شهدتها فرنسا خلال سنة 2021 لم يحقق حزب ماكرونفرنسا إلى الأمامأي مكاسب، كما كان متوقعاً، وتراجعت فيها نتائج أقصى اليمين الذي تقوده مارين لوبن زعيمةالتجمّع الوطني، بينما تجري الاستعدادات لخوض الانتخابات الرئاسية في إبريل/ نيسان 2022 التي تشهد صعود شعبية اليميني إريك زمور المعروف بمواقفه الجامحة والعنصرية المناهضة للمسلمين، ما يعطي الانطباع بأنّ السباق الانتخابي يشهد مزايدات يمينية متطرفة عموماً ومناهضة للمسلمين والهجرة والتنوّع الثقافي خصوصاً.

واصلت القيادة الفرنسية خلال ذلك انتهاج سياسات تحمل، حسب ناقدين، طابع المطاردة الثقافية للمكوِّن المسلم في المجتمع الفرنسي تحت عنوان مكافحةالانفصاليةوالإسلام السياسي“. وبرز في النمسا توجّه مشابه تقريباً إذ واصلت حكومتها نهجاً مشدِّداً ومقاربة أمنية صارمة في التعامل مع المسلمين في جمهورية الألب رغم الأزمات السياسية الداخلية التي أطاحت برئيس الوزراء الشاب المتنفِّذ المستشار سباستيان كورتس وعدد من المحيطين به على وقع فضائح الفساد والتلاعب بنتائج استطلاعات الرأي غير المسبوقة في الجمهورية. سعَت النمسا خلال ذلك إلى تنسيق الجهود والمواقف مع بعض الدول الأوروبية، مثل الدانمرك وإيطاليا واليونان ودول وسط أوروبا وشرقها، لتعزيز الموقف الرافض لاستقبال اللاجئين علاوة على محاولة إعادة بعضهم إلى أوطانهم.

على صعيد آخر نشبت توتُّرات بين فرنسا وبريطانيا منذ خروج الأخيرة من الاتحاد الأوروبي مطلع سنة 2021؛ تركّزت في جانب منها على الخلاف بشأن مناطق الصيد البحري وبعض التدابير المتعلقة بعبور البضائع من بريطانيا وإليها. وتسبّب إلغاء صفقة الغوّاصات الفرنسية مع أستراليا، في سبتمبر/ أيلول 2021 بمقتضى التحالف الثلاثي الأمريكيالبريطانيالأسترالي، إلى انزعاج فرنسي شديد من الدول الثلاث، وألقى هذا التطوّر بظلاله على العلاقات الأطلسية. مُنِيَت باريس، علاوة على إلغاء أستراليا صفقة الغوّاصات الفرنسية، بسلسلة من الإخفاقات الخارجية خلال سنة 2021، منها قرار سويسرا شراء أسطول من طائراتإف 35″ الأمريكية خلافاً لمفاوضاتها مع فرنسا لشراء طائراترافال، وقرار باكستان القاضي بمنح تركيا امتياز تحديث غوّاصاتها، وهي فرنسية الصنع، رغم ضغوط باريس على إسلام أباد للعدول عن ذلك، ونشوب أزمة بين فرنسا والجزائر استعملت فيها الأخيرة أوراق ضغط غير مسبوقة على باريس منها إغلاق أجوائها في وجه الطيران العسكري الفرنسي، وتراجع الدور الفرنسي في ليبيا ومالي علاوة على انسحاب القوات الفرنسية والغربية من أفغانستان.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى