أخباراراءاهم الاخبار

تجديد النظر في المسألة التربوية

ابراهيم بالكيلاني

تواجه الأجيال الجديدة مجموعة كبيرة من التحديات، فهو جيل يعيش في زمن السيولة: الحياة، الثقافة، الحداثة، الرقابة، الحب..على حد تعبير (زيجمونت باومان)[1].” فمجتمع الحداثة السائلة، هو مجتمع القيم الطيارة الخالية من الهموم. مجتمع لا يحمل هم المستقبل، مجتمع متمركز حول الأثرة و اللذة و قبول فقدان الاتجاه..”[2] فهو (عصر الآنية) الذي يصبح فيه ” التاريخ عبثا إلى حد ما، فلم يعد أحد يريد تراثا، الغالبية تريد العيش في الحاضر، و صار التاريخ الوحيد الذي يستحق أن نهتم به، هو التاريخ الذي نصنعه اليوم”[3].

فهل الأجيال المسلمة التي تنشأ في الغرب اليوم بمعزل أو بمأمن عن العيش في زمن اللايقين؟ والعيش مع اللابديل؟ وهشاشة الروابط الاجتماعية؟ وصنمية الذاتية؟ والنرجسية الرقمية؟ وتسويق الذات؟ والهزات الوجودية؟ وأخلاق العناية؟ والدكتاتورية الخفية الرقمية[4]؟ وتحولات الأنا في العصر الافتراضي[5]؟..

يعيش النشء المسلم في الغرب بين مساريين، مما يُضاعف صعوباته:

  • المسار الأول هو الذي تمّت الإشارة إليه سابقا.
  • أما المسار الثاني هو الذي تصنعه ثقافة العائلة التي ما تزال تعيش متأثرة بما جاءت به من بلدانها الأصلية و ترسّبات تقاليدها و عاداتها و فهمها، و مواقفها السلبية تجاه الآخر. وهذه الثقافة نتيجة للسلطوية في التربية[6] أو التسلّط التربوي[7] ” والشخصية التي تنجم عن فعل التسلّط تتميّز بالقدرة الكبيرة على الطاعة والخضوع والتنفيذ والاستسلام، وتعاني ضعفا واضحا في القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، و في القدرة على المساءلة و المناقشة والنقد والتمحيص والتنقيب والموازنة بين الأشياء”[8].

ولا يخفى على أحد أثر الإستبداد في العديد من المشاكل التي تعانيها الشخصية العربية كمثال – هذا ينطبق على كل من يعيش في ظل أنظمة مستبدّة – وامتداداتها إلى الأجيال اللاحقة. و قد صوّر مصطفى حجازي أبرز مظاهر سيكولوجية الإنسان المقهور[9] و الإنسان المهدور[10]. فالأجيال العربية الجديدة التي تعيش في الغرب، هي بين ضغطين: ضغط الأزمنة السائلة، و ضغط آثار الاستبداد و التسلّط التربوي. و ما لم تكن الصورة واضحة لن نستطيع إبداع عملية تربوية تشبع حاجيات الجيل الجديد، وتساعده على التخلّص من أثار الضغوط الداخلية بوجهيها. و وسمنا لها بالضغوط الداخلية لأن الأجيال الجديدة تعيش فيهما وهي جزءا من حياتها اليومية.

لذلك ففي أية عملية تربوية، يجب مواجهة جميع هذه التحديات. وكما يتبيّن أنّها تحديات متنوّعة، ومتوزّعة زمنيا و مكانيا. والأمر يتطلّب مقاربات علمية من أهل الإختصاص. فالتصدّي للعملية التربوية، ليس رغبة أو هواية أو سدّ فراغ. فهو مسؤولية أصيلة و أساسية لا يتصدّرها إلا من توفّرت فيه الشروط المطلوبة: العلمية والأخلاقية والعملية. وتركها إلى الاجتهادات غير المنظّمة وإلى غير أهل الإختصاص، سيبلغ أثرها مدى سلبيا لا نستطيع تحديد مداه وأضراره، إلا بعد حدوث الكوارث.

والعملية التربوية يتداخل فيها: العلمي، النفسي، الإجتماعي، القانوني، الأخلاقي، المادي، الحضاري..وآثارها سلبا وإيجابا يطال: الفرد، الأسرة، المجتمع، الدولة، الإنسانية، الدين..

فمسألة بهذا الحجم يجب أن تحظى بعناية فائقة، ويُبذل فيها الجهد العلمي والعملي الكبير. و لنعلم أن العملية التربوية في أبعادها المختلفة يجب أن تكون متناسقة مع البيئة، ومتجذّرة في القيم الإنسانية الأصيلة، ومتساوقة مع بقية الجهود المبذولة في المجتمع، كل من جانبه. وأحد أبرز شروط النجاح في العملية التربوية، يجب أن تكون مجتمعية، بمعنى أنها تتكامل مع جهود المجتمع في بناء الإنسان، ولا تُبنى على نقيضه. لذلك علينا التحرّر الكامل من رؤية التربية وكأنها بناء يناقض ما يفعله المجتمع. فالمقصود الشرعي من رسالة الإسلام، هو مقصود أخلاقي، و”معلوم أن ترسيخ الأخلاق هو الغاية الأولى من البعثة المحمدية”[11].

[1] سلسلة من إصدار الشبكة العربية للأبحاث و النشر

[2] باومان،زيجمونت: مراجعة كتاب الثقافة السائلة، ترجمة حجاج أبوجبر، الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ط1، 2018، ص9.

[3] المصدر نفسه

[4] مارك دوغان و كريستوف لابي: الإنسان العاري الدكتاتورية الخفية للرقمية . الدار البيضاء، المركز الثقافي للكتاب، ط1، 2020

[5] إلزا غودار، أنا أُوسيلفي إذن أنا موجود. الدار البيضاء، المركز الثقافي للكتاب، ط1، 2019

[6]، عدد 362، أبريل 2009  السورطي، يزيد عيسى: السلطوية في التربية العربية، الكويت: سلسلة عالم المعرفة

[7] وطفة،علي أسعد: بنية السلطة و إشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2000.

[8] المصدر السابق ص59

[9] حجازي، مصطفى: التخلف الاجتماعي،.بيروت: المركز الثقافي العربي، ط9، 2005

[10] حجازي، مصطفى: الإنسان المهدور،.بيروت: المركز الثقافي العربي، ط4، 2016

[11]ص203  عبدالرحمن،طه: روح الحداثة. بيروت، المركز الثقافي العربي،ط4، 2016،

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق