اراءاهم الاخبار

بين يدي (كورونا) : حياة الإنسان مقدسة ومقدمة على التدين

أمران لا مناص منهما لمقاومة الأوبئة : أوّلهما حسن فقه أسبابها العامة ـ وليس الخاصة التي لا يعلمها إلا الله سبحانه ـ وهو مثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من مثل قوله سبحانه ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). ونظير هذا التحذير إستلالا من خبر القوم السالفة كثير لا يكاد يحصى في الذكر الحكيم وسيظل كذلك تنبيها وتحذيرا وعظة بها يتعظ العالمون ولا يضيرها أن كثرة كاثرة من الناس اليوم ـ ومنهم مسلمون ـ ينكرون ذلك إذ الحق أحق أن يتبع. ونظير ذلك في الحديث الصحيح قوله عليه السلام في حديث طويل يحذر فيه الناس أن تصيبهم الأوبئة التي لم تكن في أسلافهم بسبب معاصيهم ( ما ظهرت الفاحشة في قوم وأعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم ). وهي نصوص من الوحي صحيحة وكثيرة وصريحة في إفادة أن الله سبحانه يرفع من حين لآخر في وجوه الناس شارات حمراء قانية لعلهم ينزجرون ويتوبون كما قال مثل ذلك في سورة الروم ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ). وقوله سبحانه ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير). ولكن المصيبة العظمى هي عندما نصاب فلا نفقه لم أصبنا؟ الأمر الثاني هو إتخاذ الأسباب الروحية والمادية معا لمقاومة هذا الوباء

من الأسباب الروحية والمادية العاجلة

تقديس الحياة الإنسانية

قدس القدوس سبحانه الحياة الإنسانية تقديسا إذ أخبرنا أن من أحيا نفسا واحدة كان كمن أحيا الناس جميعا ومن قتلها كمن قتل الناس جميعا وذلك بعد أن أخبرنا بتكريمه الإنسان وما تكريمه إياه سوى لأن الإنسان فيه نفخة رحمانية لطيفة وهي النفخة التي لم يحظ بها مخلوق عدا الملائكة ولذلك فضل الله الإنسان على كثير ممن خلق تفضيلا. تقديس الإنسان مقاومة لهذا الوباء يعني عدم تعريض النفس لأي إمكانية من إمكانيات العدوى وعدم تعريض الأنفس الأخرى لمثل ذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ومن ذا وجبت إجراءات كثيرة لعل أولها هو الإنعزال عن الناس ولقائهم قدر الإمكان إذ لا يعلم الإنسان هل هو مصاب بهذا الوباء فيعدي غيره ولا يعلم إن كان غيره مصاب فيعديه

تجميد غشيان التجمعات ولو كانت دينية مفروضة

وهو الأمر الذي إتخذته الدول المتقدمة الحريصة على تقديس الحياة الإنسانية وأفتى به العلماء الربانيون الراسخون إذ أوصدت المساجد عن الجماعات وصلاة الجمعة وكل الأنشطة بسبب أنها من أكبر محاضن الإجتماع الإنساني حيث يكثر إلتصاق الناس بعضهم ببعض وتكثر المصافحات والمعانقات ويجد هذا الوباء حقلا خصبا للإنتشار وسرى ذلك إلى الأسواق والمصانع والمعامل وغير ذلك حتى فرض حظر الجولان في أكثر بلاد الدنيا

لزوم أسباب الطهارة والنظافة

وهو الأمر الذي جاءت به شريعة الإسلام إذ يتطهر المسلم مرة كل أربع ساعات ونيف على الأقل ولا صلاة إلا بطهر بل إن السنة جاءت بما هو أكثر من ذلك من مثل تطهير الفم ولو باليد أو بما تيسر وخلال الفطرة المعروفة وغشيان الطيب الذي كان يحبه عليه السلام حبا جمّا ولك أن تلاحظ أن ذلك كان حده الأدنى مفروضا وحده الأقصى مستحبا حتى في تلك الظروف التي تكون فيها أسباب الطهارة والنظافة ليست ميسورة كما هو عليه الحال اليوم إذ توفر الماء الساخن وأدوات التعقيم والتطيب وغير ذلك وختام ذلك قوله سبحانه : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. بل ختام ذلك قوله عليه السلام : الطهور شطر الإيمان. وأبشر بدين يكون شطره الكامل أن يكون المرء طاهرا نظيفا في بدنه وثوبه وفناء بيته وبذلك يكون المسلم إفتراضا هو آخر الناس إصابة بالعدوى ويكون جسمه أقوى الأجسام مقاومة لها. ولكنه يظل إفتراضا نظريا بسبب هجراننا كثيرا من السنن الموغلة في التطهر والتنظف

تأهيل الأجهزة المناعية الداخلية للمقاومة الشرسة

لك أن تفتخر بكل إعتزاز أن الإسلام عمل على تقوية الأجهزة المناعية في الجسم البشري بمثل ما عمل على تقوية الأجهزة المناعية الروحية سواء بسواء إذ العقل السليم كما قيل قديما لا يكون إلا في الجسم السليم. من ذلك أنه حرم الخبائث بعمومها فلم ينخرط في تعدادها وإحصائها لأنها لا تحصى ولا تعد إذ تتغير من زمان لزمان ومن مكان لمكان ولكنه حصر المحرمات من المأكولات والمشروبات فيما يكون خبيثا سواء قرر الأطباء ذلك أو قررت النفوس والعادات ذلك. ومن ذلك التدخين الذي يقتل في كل يوم آلافا مؤلفة وغيره من المنتنات القذرات مما إتخذته شعوب وقبائل في الشرق والغرب في دنيا الإسلام أقواتا ولا حديث هنا عن آفة المخدرات التي تفوق ناكية التدخين مائة مرة

توفير القوة النفسية والمؤهل الروحي الكفيل بالمقاومة

ومن ذلك كذلك تأهيل المناعة الروحية الداخلية بمثل ذلك إذ جهزت الشريعة الناس بهذه العقيدة ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) وبإيمان عجيب بالقدر الذي قال فيه عليه السلام عن الأدوية : هي من قدر الله سبحانه وبمثل ذلك حذا الفاروق في القصة المشهورة بينه وبين أبي عبيدة في طاعون عمواس إذ قال بعقيدة قدرية عظمى : نفر من قدر الله إلى قدر الله وبمثل ذلك قال عبد القادر الجيلاني وإبن القيم ومحمد إقبال وغيرهم كثيرون ما يظنه كثيرون منا اليوم هرطقة وزندقة : نحارب قدر الله بقدر الله وكلها تعبيرات تعكس الإيمان الصحيح بل الأصح بعقيدة القضاء والقدر التي إتخذها المسلمون في القرون الغابرة مشجبا يعلقون عليها هزائمهم ولكلم أفلح من قال : إن القدر يحتج له ولا يحتج به. ولكن أين المسلمون من طينة الفاروق؟

لزوم الطاعات وخاصة الذكر في الصباح والمساء

ومن ذلك دعاءان مشهوران والأدعية هنا لا تحصى لكثرتها : أولها عند خروجه من البيت إذ يقول : بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا الله حتى يوكل الله له ملكا يقول له : هديت ووقيت وكفيت وتنحى الشيطان عن طريقك. والدعاء الآخر : بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. ذلك هو التوكل الصحيح على الله سبحانه أي توكلا روحيا وماديا معا

إعتكاف إجباري فلنهتبله

رغب سبحانه في الإعتكاف في العشر الأواخر أو في أكثر من ذلك في رمضان وذكر ذلك في كتابه العزيز ومضت سنته عليه السلام على ذلك وإعتكف نساؤه من بعده وليس هناك من ريب في أن الحكمة من الإعتكاف هي إجراء فحص فني عام من الإنسان على نفسه مرة واحدة في العام وهو يفعل بنفسه كما يفعل بسيارته التي يخضغها مرة في العام أو العامين لمثل ذلك حتى تتحصل على شهادة في الجولان بدون أن تكون مصدر قهر أو ضر لا له ولا لمستخدمي الطريق معه. الأمر نفسه يقع مع النفس وهي أجدر بذلك الفحص لأن النفس تتجول في الطرقات وتعاشر الناس وتتعامل معهم وفيهم الأحمق وفيهم الكيس الفطن ولا مناص لها إذن من تأهيل نفسها كما يؤهل صاحب السيارة سيارته حتى تظل لعام كامل من رمضان إلى رمضان صالحة للجولان والمعاملة والمعاشرة في الرضى والغضب والفقر والغنى واليسر والعسر وهي بحالة طيبة إما أن تسدي معروفا وخيرا أو تمسك شرها على الناس. وقد وهبنا الواهب سبحانه هذا الإعتكاف الإجباري لزوما للبيت بمناسبة هذا الوباء أفلا نهتبل ذلك لإجراء ذلك الفحص؟

أغلى الدروس هو : ليذهب كل شيء ولتحفظ الحياة

في هذا الوباء الذي ألزم الناس منازلهم خوفا من الموت دروس وعبر لا تحصى ولعل أعلاها هو أن الإنسان مقدسة حياته تقديسا عجيبا ولا شك أن الإقتصاد الدولي أصيب في الأيام الأخيرة بضربات موجعة ربما هي الأعنف عليه منذ عقود أو قرون وفرض ذلك على الأرض كلها حظرا جويا وبريا وبحريا لا قبل للناس به وكل ذلك لعله لنعلم مرة أخرى أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي قدسه القدوس تقديسا فلا يوطأ ولا يعتدى عليه ولا يعالج إلا بالحق والخير والجمال واللطف والرفق. الدرس الباقي هو أن الإنسان الذي تهاونا فيه كثيرا وسمناه بما لم نسم به العجماوات والبكماوات لهو المقدس الأعظم عند الله سبحانه فهل نتعظ من هذا أم هل ينصرف هذا الوباء وهو منصرف حتما بإذن الله سبحانه ثم نعود إلى جريمتنا؟ الأيام الحبلى سترينا

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق