أخباراهم الاخباررأي رئيسي

بين المسلم وغير المسلم : مشتركات أوسع مما نظن

حفر فينا الإنحطاط السالف أخاديد غائرة تقطر حقدا فلم يسلم من ذاك مسلم ولا مسيحي ولا يهودي إلا قليلا إذ تربى أكثرنا تربية قولية وعملية خاطئة قوامها أن الآخر العقدي حقه القتل عدا أن الظروف غير سانحة بذلك فإن لم يقتل فلا أقل من أن يهان ويؤخر. التربية الإسلامية التي تلقيناها إلا قليلا في القرون الأخيرة أقل شرها إلى ذلك الحقد من التي تربى عليها كثير من المسيحيين واليهود ولكن يظل الحق الأبلج في التعامل مع الآخر المختلف عقديا ـ بحسبانه أكبر أسباب الإختلاف ـ مدفونا في الكتاب والسنة والسيرة والخلافة الراشدة أو شذرات في التاريخ كمثل دراهم بغلية غشيها السواد حتى كادت أن تختفي. عوامل تاريخية كثيرة لعبت ذلك الدور القذر منها حروب الفرنجة ومنها العمل الإستشراقي لأكثر الباحثين ومنها الثقافة العملية التي ينشأ عليها الولدان بمعزل عن الوحي الصحيح وعوامل أخرى كثيرة لا أرب في إحصائها الآن. اليوم وقد أتيحت لأسباب إختيارية وإضطراية أسباب الحياة المشتركة بين أهل الديانات السماوية الثلاث فإنه حري بنا البحث عن الأصول المشتركة لتلك الحياة من معين الإسلام الصافي وليس من الأعراف والتقاليد أو مما ينشر عن الإسلام والمسلمين أو عن غيرهم لعلنا نساهم في تنفيذ أغلى مقاصد الإسلام : السلم والأمن إذ بالسلم والأمن فحسب ينداح الإسلام وبالحرب والخوف فحسب يندحر الإسلام

من مساحات الإشتراك بين المسلم وغير المسلم

في الإعتقاد

من العجب العجاب الذي حرص عليه الوحي الكريم ( القرآن الكريم بصفة خاصة ) أنه لا ينادي أهل الكتاب إلا بهذه الصفة المحببة لهم ولنا أيضا أي أنهم أهل كتاب وليسوا أميين من ذوي الأمية الحضارية أي من غير كتاب سماوي هاد. يفعل ذلك في كل متونه وآياته وسوره حتى وهو يعدهم كفارا ولكن لا يتخلف مرة واحدة في ندائهم أو الإشارة إليهم بأنهم أهل كتاب تمييزا لهم عن المشركين وغيرهم وهي رسالة عجيبة ذكية علينا إلتقاطها لعلنا ننسج دوائر الإشتراك حتى في العقيدة ونعمل على توسيعها وكأنه يقول لنا ولهم معا أن الإيمان بالله سبحانه هو المشترك الأعظم الأوّل فما علينا جميعا سوى التقدم خطوة أخرى لأجل تحرير ذلك الإيمان من شغبات الشرك أن ينسب له الولد سبحانه فإذا إقتحمنا هذه العقبة وحررنا الإعتقاد ونزهناه سبحانه بما يليق به فإن الإيمان يكون صافيا رقراقا. فإن لم يكن ذلك كذلك فالحد الآدنى المطلوب هو الإجتماع منا جميعا على ذلك القدر من الإيمان حتى وبه الذي به من جانبهم ولذلك حرص حرصا عجيبا لم يتخلف مرة واحدة على مناداتهم بالصفة التكريمية( أهل الكتاب) لعل الكتاب وهو جذر واحد قطعا مقطوعا يجمعنا. من أراد منا أن يمتحن إستجابته لله سبحانه وإيمانه به إيمانا يرضى به عنه فليختبر نفسه بنفسه هنا في هذا الموضع فإن وجد في نفسه قبولا ورضى بذلك ( أي عدم الضجر من تلك المساحة المشتركة ) فهو المؤمن ومن وجد في نفسه تململا وضجرا ونفورا فهو الذي آمن بفيه ولكن فؤاده ليس بعيدا كثيرا عن أهل الكتاب أنفسهم

في العبادة

أقر الله سبحانه لأهل الكتاب بصفة خاصة حق الحياة والعبادة وفق معتقداتهم وطقوسهم وفي الآن نفسه يعدها كفرا بل ذهب خطوة أخرى أبعد إذ علمنا في سورة الحج أن حماية دور العبادة لأهل الكتاب بصفة خاصة ( وإن كان الأمر يتعداهم ) لا تنفصل عن حماية المساجد ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها إسم الله كثيرا ). معنى ذلك هو أن المسلم مطالب شرعا مشروعا بحماية دور العبادة لأهل الكتاب ولغيرهم مادامت دور عبادة وليس دور ضرار أو إرصاد لمن حارب الله ورسوله ومادام أهلها يتعبدون فيها خيارا لا إكراها وأن صونها وحمايتها من صون المساجد نفسها وحماية دور العبادة للمسلمين بل إن الفقه الإسلامي عندما إعتلى منابر الإجتهاد في زمان غابر ذهب إلى أن الدولة الإسلامية عليها حق بناء تلك الدور التعبدية لأهل الكتاب بصفة خاصة مساواة لهم بالمسلمين وهو فقه تأخرنا عنه نحن اليوم. معنى ذلك أن الله سبحانه يقر بكفر أولئك عقيدة ولكنه يأمر بصون دور عباداتهم وحمايتها وهو جمع لا يلقاه إلا من أوتي من العلم رسوخا وأكثر المسلمين اليوم لا يستوعبون كيف أنهم كفار في نظر الإسلام وفي الآن نفسه يلزم المسلم بصون دور تعبدهم وحمايتها. ذاك هو العقل المسلم عندما يكون مركبا مؤهلا لإستيعاب المركبات الفكرية أما العقل الأحادي فحسبه أنه يحسن التوصيفات المعيارية ويقف عندها ليوزع صكوك الغفران على المسلمين الذي هم على طريقته ويقسم صكوك الكفران على من بقي من الناس. أليس وجود مئات الدور التعبدية لأهل الديانات السماوية الثلاث وغيرها في الشرق العربي بصفة خاصة لدليلا على أن فقهنا كان ذات يوم معانقا لأصول التجديد الذي أخبر عنه عليه السلام في الحديث الصحيح؟ ألم نسجل خطوات رجعية في هذا المضمار بصفة خاصة؟

في الأسرة

أباح الله سبحانه التبادل التناكحي بين المسلمين وأهل الكتاب على أساس ضمان حرمة المرأة وصون كرامتها وحماية حريتها ولذلك أباح الزواج من الكتابيات بحسبان المسلم مؤمنا بحرية المرأة الكتابية التي ينكحها في تنفيذ دينها الكتابي بلا عضل ولا إكراه ولا وجس من بعلها مع أن ذلك فيه مخاطرة نسبية ـ سيما في أرض غير إسلامية ـ بالذرية الذين سيرضعون من حلمات أمّ كتابية وهي في العادة من تتفرغ لتربيتهم ولكن المصلحة هنا مرجحة بحسب النظر الإسلامي ذلك أن ما ينظر من الزوج المسلم من سماحة وخلق دمث وإيمان حقيقي وعملي بالحرية والكرامة والإعتراف بالدين الآخر ـ إعتراف حق حياة لا إعتراف مشروعية دينية ـ سيفضي في الأعم الأغلب إلى إسلام تلك الزوجة بطريق القدوة وسبيل الأسوة فإن لم يكن ذلك فإن الذرية لا خوف عليهم. ذلك هو إحدى مقاصد الأمر. ولكنه منع التضحية بالمرأة المسلمة لتكون في حضن رجل كتابي لا يؤمن بالحرية والكرامة والحرمة لأهل دين آخر فيعضلها ويفتنها بطريقة أو بأخرى رغم أن نشوء الذرية منها لا خوف عليها في هذه الحالة ولكن المعول في الإسلام هو الأصل أي المرأة وليس الفرع أي الذرية. تلك هي الفلسفة الإسلامية في التبادل التناكحي وعنوانه : المرأة أغلى وأعلى وأكرم فلا توضع في فتنة ولا في شبهة فتنة وإكراه. فإذا نكح المسلم كتابية فإن رحمه في جزء كبير منهم سيكونون كتابيين فهم أخوال أبنائه وأصهاره من رحمه بالمصاهرة فإذا كانت رضاعة فهناك صلة أخرى عليها ترتيبات شرعية بسبب الرضاعة. وصلات أخرى في الأسرة مشتركة منها أن يكون وليّ المرأة ـ إذا كان لا بد لها من وليّ ـ كتابيا كما أفتى بذلك الفقه السالف

في المعاملات المالية

في هذا الحقل تتكثف المشتركات لأنه حقل عام عماده العدل وليس الدين فمن ذلك أن الكتابي بصفة خاصة يأخذ من زكاة المال سواء بترتيب حكومي رسمي عبر ديوان العاملين عليها وذلك بمصرف المؤلفة قلوبهم وهم كفار من الكتابيين أو من غيرهم أو بترتيب فردي من مسلم لغير مسلم بمصرف الفقر أو المسكنة أو غيرها من المصارف الثمانية المذكورة على وجه التعيين. وللكتابي كذلك أن يأخذ من زكاة الفطر إذا قدر صاحبها ذلك لأسباب خاصة أو إستثنائية وعندما ينعدم المانع في فلسفة التشريع فإن الإباحة تمتد بلا قيود ولا حدود. ولا إختلاف في أن للكتابي حقا في الوصية من مال الميت إذا أوصى هذا له بشيء فيما دون الثلث تقييدا لتقدير إجتهادي ينقدح في ذهن المسلم بلا مضارة لأحد . ولا إختلاف كذلك في حقه في القرض الحسن والصدقة

في الذبائح والنحور

نظم القرآن الكريم نفسه هذا في سورة المائدة إذ أحل التبادل الطعمي بيننا وبين أهل الكتاب في الآية نفسها التي نظم فيها التبادل التناكحي عدا أن هذه ذات إتجاه واحد والأولى مزدوجة الإتجاهات ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ). العجيب هنا هو أنه ذكر حلية طعامنا لهم حتى لا نتردد في إطعامهم وإهدائهم والوصية من المال طعام أو يمكن أن تكون طعاما ومثلها الصدقة والقرض الحسن كما تقدم بنا ذلك أن الخوف هنا لا مكان له بخلاف الخوف على المرأة أن تكون في حضن زوج كتابي لا يرعى حقها في دينها. كما أباح الفقهاء وكالة الكتابي في الذبح والنحر وغيرها من الأعمال وكل ذلك مقصده الأسنى هو بث أسباب الأشتراك بيننا وبينهم أملا في إعجابهم بالإسلام ليسلموا فإن لم يسلموا فإن طمأنينة تغشى الصدور ومن ذا تنداح أمام الإسلام أسباب الإنتشار إذ تضيق مساحات الخوف منه أو التخويف به

الأعضاء البشرية

ومعلوم أن التبرع بالأعضاء البشرية كذلك يسلك المسلك المزدوج نفسه فلا يضيق مسلم بعضو بدني من غير مسلم يستوي في ذلك الكتابي وغير الكتابي عدا الأعضاء التي حددها الأطباء وهي الحاملة للهوية أي الأعضاء التناسلية وهي ليست للتبادل حتى بين المسلمين أنفسهم بسبب صون الهوية الفردية النسبية للإنسان ولا يضيق مسلم كذلك بالتبرع بعضو منه أو من وليه لغير مسلم كتابيا كان أو ليس كتابيا في حدود ما يؤمنه الأطباء طبعا إذ الكلمة هنا لهم وليس للفقهاء ذلك أن الناس يستوون في العضوية المادية فهم من نفس واحدة والعضو لا يحمل إيمانا ولا كفرا ولكن يحمل هوية نسبية قضي فيها القول ومعنى ذلك هو أن الإسلام يقدم الأساس البشري والقيمة الإنسانية وليت شعري إذا كان الإسلام يرحم بالجنة عاهرة إسرائيلية سقت كلبا بموقها فكيف لا يرحم مسلما وهب عضوا منه تحت مراقبة طبية لإنسان؟ أيهما أعلى عقلا ودينا؟ أليس الإنسان؟ عدا أن أكثر المتدينين جددا وقدما يلغون العقول عندما يتعلق الأمر بالشرع ويقدمون أسوأ القالات حتى لو كانت لا رصيد لها

دستور الحقوق في الإسلام وأحقية غير المسلم

آية النساء هي آية دستورية في تدبير الحقوق الأساسية بين المسلم وغير المسلم ونصها ( وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وإبن السبيل وما ملكت أيمانكم ). أصل الآية هو : وبالوالدين إحسانا وبذي القربى إحسانا وباليتامى إحسانا وبالمساكين إحسانا وبالجار ذي القربى إحسانا وبالجار الجنب إحسانا وبالصاحب بالجنب إحسانا وبإبن السبيل إحسانا وبما ملكت أيمانكم إحسانا . ولكن إستخدم العاطف والمعطوف هنا لتجنب الثقل ولكن قليل منا من يدرك ذلك اليوم فيظن أن قيمة الإحسان مقصورة على المذكور الأول أي الوالدين. الذنب ذنب هذه اللوحة البلاغية الجميلة المعجزة أم ذنب عرب لعنوا عروبتهم؟ الجار الجنب هو الجار الذي لا تربطك به علاقة عقدية أو رحمية أو لونية أو لسانية أو غير ذلك. والصاحب بالجنب هو الرفيق والزميل والشريك وكل من يصاحبك مؤقتا أو مدة طويلة في رحلة أو عمل أو طريق أو في متجر أو في أي درب من دروب الحياة وهو المواطن بالتعبير المعاصر

ضابط واحد هو : السلم لا الحرب

ضابط واحد لبذل عملة الإحسان إلى كل أولئك بغض النظر عن دينهم ولونهم وعنصرهم وعرقهم وهو ضابط السلم لا الحرب. ضابط يسري على التبرع بالأعضاء وعلى الذبائح والنذور والنحور والولايات الأسرية والوصايا والقروض الحسنة والصدقات والهبات والمناكح والأطعمة والأشربة والرهون والوكولات . ضابط واحد لا يتخلف إلا في معاملة واحدة وهي عدم العدوان على دور العبادة لغير المسلمين حتى في حالات الحرب ولا على المتعبدين المنقطعين لعبادتهم من غير المسلمين حتى في حالات الحرب. ألا ما أروع الإسلام. ألا ما أبعدنا عن حسن فقهه

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق