منوعات

بين ( القزع ) وشباب الإسلام : إختبار للفقه الإسلامي أي قيمة لهذا الموضوع ؟

أوّلا : صيحة ( القزع ) ( موضة جديدة ) إشرأبت إليها أعناق شبابنا متدينهم ومتسيبهم سواء بسواء وإستبدت بهم وسمّمت المناخات بينهم وبين آبائهم وبينهم وبين المنسوبين إلى الدين دعوة وإفتاء

ثانيا : كثرت أسئلة الناس عن هذه الظاهرة الجديدة فهي مما عمّت به البلوى

ثالثا : ليس فيها من لدن المفتين ما يشفي الغليل إما تأثما وتحرجا وتهيبا أو تنكبا لأصول الإفتاء

القزع لسانا ودينا

القزع لسانا قطع من السحاب الرقيق عادة ما يكون متفرقا مثل غمامة أو غيمة
القزع دينا ورد فيه حديث صحيح متفق عليه عن إبن عمر إذ قال أنه عليه السلام نهى عن القزع

القزع هيئة ومحلاّ

محلّ الهيئة هو صبي أي دون سنّ التمييز رآه عليه السلام ( قد حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال : إحلقوه كله أو إتركوه كله ) رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو على شرطهما. ولم يرد له محلّ آخر عداه. ومما يعضد هذا وبدرجة الصحة ذاتها أي على شرطهما أنه عليه السلام أمر بعض أهل بيته من آل جعفر بحلق شعر ( أفرخ ) أي ذرية صغار مات أبوهم. ونعود إلى هذا عند الحديث عمّا كان يدفع الناس إلى القزع. أما عن هيئته فأرجح ما ورد فيها عند البخاري وعن إبن عمر ـ مرة أخرى إذ هو من روى الحديث الأصلي المتفق عليه ـ أنه سأل عبيد الله إبن حفص ما القزع؟ فقال : إذا حلق الصبي وترك ها هنا شعرة وها هنا وها هنا

ماذا قال فيه الفقهاء الأولون ؟

قال النووي : أجمع العلماء على كراهية القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها وهي كراهة تنزيه ( أنظر شرح المشكاة للطيبي) ونقلت الكراهة عن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة . كما قال القرطبي في المفهم أنه لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه لما عرف من اللغة كما نقلناه ولتفسير نافع له بذلك

مدخل أصولي يحتضن المسألة

السؤال الأوّل : عقيدة أم عمل؟

ذاك أوّل سؤال يطرحه الفقيه المتصدر للفتوى تمييزا بين مستويات التحريم ولا ريب أن القزع ينتمي إلى العمل وليس إلى الإعتقاد ومن ذا يدور الحكم فيه بين الحلال والحرام وغير ذلك وليس بين الكفر والإيمان

السؤال الثاني : عمل معلل أم تعبدي؟

إذ تواضعنا أنه عمل وليس عقيدة فإن العمل نفسه تعبدي وعادي ولا ريب أن القزع عادة وتقليد وليس عبادة ومن ذا فهو عمل معلّل أي يخضع لعلة أو مقصد أو غير ذلك من صياغات الفقهاء ومن ذا فإنه لا مناص من تحكيم أعظم قاعدة أصولية هنا وهي أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وهي بنت من بنات القاعدة العقلية الصارمة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وسنخصص للعلل السابقة أو اللاحقة فقرة إن شاء الله

السؤال الثالث : أي منهج أصولي أدنى إلى الإسلام؟

هو في الحقيقة منهج واحد عند الأقدمين وخاصة جيل الصحابة الكرام والقرون الأولى المعنية بسلامة التدين في الحديث الصحيح ولكن إبتلينا بمن يدخل في الفقه هواه ثم تكرّ الأيام بجهلها على الناس فيجد ذلك الهوى لنفسه مكانا بل قد يرقّ الجهد التجديدي من لدن أهله فيكون ذلك الهوى منافسا ثم مزاحما ثم طاردا. المنهج الأصولي الذي عليه الصحابة وأهل الفقه السلفي الأوّل الصحيح قوامه الإحتفاظ بالأصول والإجتهاد في الفروع هو قوله عليه السلام ( الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو عفو لكم ) وهو المنهج الذي عبّر عنه الأصوليون بقولهم أن السنة لا تستقل بالتشريع تحريما قطعيا بمعناه الديني المستأهل للعقاب وأن ما يظهر منها غير ذلك فهو إما تأكيد للكتاب العزيز أو ترغيب في الخير من دون إلزام شرعي عدا لأهل الفضل ( أبوبكر إذ دافع عن نفسه في وجه من يسبه ) أو ترهيب من الشر من دون نهي شرعي يستوجب العقاب أو بيانا وتفصيلا وهو الذي أسماه الفقهاء تخصيص العام أو تقييد المطلق أو تفصيل المجمل وهو قليل وأندر. هذا أمر كما أنف غفل عنه الناس ـ بل أهل العلم منهم ـ وفتح على الناس أبواب خلط شنيعة ولنا فيه أمثلة نفرد لها ما يتسنى في هذا المقال

السؤال الرابع : أي مقام نبوي أدنى إلى مشهد القزع؟

هذا ضرب آخر من ضروب الفقه التي أهملها الناس فأربكت حركة التدين وإختلط حابلها بنابلها وإنه لمؤسف أشد الأسف أن يخلد أهل العلم إلى الدعة أو إلى ما يشغلهم عنه إذ مات صاحبه الذي كتب فيه ما لم يكتب فيه أحد قبله ولا بعده أي إبن عاشور في سفره العظيم ( مقاصد الشريعة ) ثم تمحّض له الفقيه السياسي المغربي الدكتور سعد الدين العثماني في بعض مؤلفاته عدا أنه إهتم بالمقام السياسي فحسب تقريبا وبذا ظل هذا العلم يتيما وهو عيب كبير ونقص أكبر سيما أن التدين الوسطي المعتدل يلقى عنتا وحرجا من تدينات طائشة سلفية مغشوشة وصوفية متبرجة وعلمانية فاسدة وأسطورية خرافية قضيتها الجنة وليس الإنس وما تسلط عليهم. بأي مقام نهى عليه السلام عن القزع ( وسنعود إلى أن النهي محلّه صبيّ من ناحية وأن هيئة القزع بمعناه اللغوي أي التفرق كما جاء عند البخاري من ناحية أخرى )؟ صيغة النهي لا توحي أنها تبليغ عن ربه سبحانه بالمعنى التشريعي الملزم ثوابا أو عقابا كما سيتبين ذلك عند بحث علله. ولنا مشهدان فيه : مشهد عائلي ( آل جعفر ) وهو هنا يتصرف بمقام الوليّ وليس بمقام النبيّ والمشهد العام ( أي رؤية الصبيّ ) والأرجح أنه مقام الترهيب فإن لم يكن فهو مقام الدعوة إلى معالي الخلق تطيبا وتجملا وحسن مظهر فإن لم يكن لا ذاك ولا ذلك فإن العلة تسعفنا إذ سنلفى أن العلة مترددة بين إعتقاد فاسد أو تشويه لصورة صبيّ كان يمكن أن يكون أكثر جمالا وحسنا أو تشبه بيهود أو بغيرهم. ما يهمني هنا بإلحاح ليس فوقه إلحاح أن عزوف أهل العلم عن إعتبار فقه مقامات المشرع ومواصلة جهد إبن عاشور لا يبشر بخير بل يمكّن لتدينات فاسدة مفسدة

السؤال الخامس : منزلة الهيئة والصورة والمظهر ومراتب النهي شريعة

الشريعة صندوق مدهش في تنظيمه وترتيبه وهندسته وليست هي كيس محشوّ بأشياء لا إرتباط بينها حتى ليغدو الباحث فيها عن شيء لن يظفر به إلا كما يظفر الباحث عن إبرة في كومة تبن. تبين هذا في إستقراء الكتاب العزيز وفي أحاديث كثيرة منها حديث الدارقطني وحديث جبريل عن عمر وحديث معاذ السائل عن أمر عظيم وغير ذلك كثير لا يحصى. حرص الإسلام على المعتقدات التي بها يتحرر الفكر ويتنور العقل وتستقيم النفس أكثر من حرصه على الأشكال والمظاهر ومنها الألبسة والشعور إلا ما كان متعلقا بلباس التقوى أي ستر العورة أو متعلقا بالجمال والطيب والحسن. القزع ينتمي إلى الشكل والمظهر وليس إلى الأوليات المقدسات في الإنسان من مثل تحرر فكره وإستقامة نفسه وطهارة روحه. خمار المرأة نفسه ينتمي إلى هذا المربع حتى لو كان أرفع من مسألة القزع ولعل بعض الأمثلة التي ترد في هذه القالة تساهم في توضيح القضية إن شاء الله

السؤال السادس : التخصيص والكراهة

من أصول الفقه أن بعض الأمور تخصص العام أو تقيد المطلق ومن أصوله كذلك أن المكروه يقترف لأدنى حاجة. كذلك باللحم والدم جاء تعبير الفقهاء. يقترف المكروه لأدنى حاجة وهي أدنى بدروها من الضرورة التي قال فيها أحد أكبر الفقهاء إبن القيم عليه الرحمة : لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة. دعنا مع الأصل الأول والمقصود هنا أن من المخصصات للعموم العرف ومن الأمثلة على ذلك أنه نهى عليه السلام عن إتخاذ الكلب إلا لحراسة أو صيد. هذا نهي يخصص اليوم بمن يتخذ كلبا ليس لحراسة أو لصيد ولكن لأداء خدمات سواء وقائية من مثل كلاب الأمن التي تعد أسلحة متطورة جدا ضد التجارة بالمخدرات أو لأداء خدمات في البيت أو خارجه لعجوز ليس له من يقوم على شأنه أو غير ذلك مما يتوسع في قيمة الحراسة أو يتعداها بالكلية. وسترد علينا فيما يلي إن شاء الله أمثلة أخرى نقتطف منها ما يخصص بعض العموميات ولكن المؤكد فقها أن العرف يخصص بعض العموميات ومن ذلك إفتاء إبن عاشور أن العرف التونسي في أيامه أي قبل عقود قصيرات يخصص بعض ما نهى عنه عليه السلام من تزين المرأة في وجهها ببعض المساحيق. أما أن المكروه ـ وقد مرّ بنا آنفا أن كلمة الفقه قديما إنعقدت إجماعا على أن القزع مكروه ـ يقترف لأدنى حاجة فمعناه شبيه بمعنى التخصيص آنف الذكر وقد أباح عليه السلام لخاله لحكة فيه الحرير الصافي وقد يكون الحرير الصافي للرجال أعلى من المكروه والطلاق نفسه يسير في الإتجاه المضاد لمقصد الإسلام ولكن يقترف للحاجة . فصل القول هنا مقاصديا هو أن القزع ليس من باب الضروريات تحريرا للإنسان دينا ونفسا وعقلا ومالا وعرضا ونسبا وليس هو من باب الحاجات ولكنه من باب التحسينات أي أدنى درجة مقاصدية في سلم الإمام الغزالي الذي لم يجرؤ أحد إلى يوم الناس هذا على الإجتهاد عليه إلا إجتهادا فيه. فلنا أن نجتهد في القزع من دون تحريفه عن موقعه المقاصدي أي التحسين وموقعه الأصولي أي نهي نبوي لا يعني عدا الكراهة في أسوإ الحالات بل هو معلّل كما سنرى ذلك أن حسن الفقه ومبتدإه إنما هو سلامة عملية التكييف الفقهي تخريجا للمناط وتشذيبا وتحقيقا فإن مرت هذه العملية بسلام فقد تأمّن ما بعدها وإن إختلت فقد إختل ما بعدها قطعا مقطوعا

السؤال السابع : أمثلة

المثال الأوّل : بيع السلم

معلوم أن بيع السلم ( حضور الثمن وغياب المثمون بخلاف بيع الأجل ) لم يكن معهودا في مكة بسبب طبيعتها وتضاريسها ولكنه كان منتشرا في المدينة فلما هاجر إليها عليه السلام نهى عنه تقييدا أن يكون في وزن معلوم وكيل معلوم ولأجل معلوم وثمن معلوم. لم نهى عنه وقيده؟ نهى عنه لأنه خلاف الصيغة الطبيعية للعقد ولأنه قد يكون مظنة إحتراب بين الناس بما يخلخل وحدتهم الإجتماعية ولكن أباحه وقيده تجفيفا لمنابع تلك الآفات من جهة ولئلا يستخدم ذريعة لإستحلال الربا من جهة أخرى. وبمثل ذلك فعل الإمام علي عليه الرضوان مع ما عرف في الفقه بتضمين الصناع إذ أن كل ذلك مخالف للأصول كما يقول الفقهاء أنفسهم وبهذا التعبير لحما ودما ولكن ليس كل ما خالف الأصول يمنع أو يكره أو يحرم ولكن ينظر في العاقبات والمآلات ترجيحا. وأظن أن كل ذي لبّ يعلم الفرق الشاسع بين القزع وبين عقود تجارية للناس فيها حقوق حرصت عليها الشريعة حرصا لم تحرص مثله على شيء

المثال الثاني : الصبغ والوصل

نهى عن صبغ الرجال شعورهم ثم إستثنى السواد وصبغ أبي إبن كعب وغيره إذ فقهوا أن العلة من منع الصبغ وخاصة بالسواد التزييف في العمر سيما لمن ينكح فمن أمن ذلك فلا حرج عليه. ومثل ذلك الوصل أي وصل شعر المرأة إذ أن النهي الذي بدت فيه صرامة إنما كان لأجل العلة نفسها أي التزييف على الناكح ولذلك أباح الفقهاء للمرأة نمص شعرة أو أكثر لشذوذ فيها تعكر عليها جمالها وهو غير النمص المقصود به إما إفسادا لخليقة الرحمان سبحانه بما يزين الشيطان للناس أنه زينة وإما تشبها بغير المسلمين. وقيست على ذلك منهيات كثيرة معللة بعللها

المثال الثالث : الإنتعال

نهى عليه السلام عن المشي في نعل واحدة في المتفق عليه كما نهى أن ينتعل الرجل قائما. لا أظن أن العلة من وراء ذلك عدا نشدان الجمال والزينة وحسن المظهر سيما أن حديثا آخر يربط ذلك بمن إنقطع شسع نعله أو نشدان العافية أو ألا يظنه الناس معتوها فيشهدون عليه وهم لا يعلمون الحق ولا أظن أن النهي عن الإنتعال واقفا إلا لضمان عدم سقوط المنتعل ونحن اليوم نستمتع بآلات تمكن من الإنتعال واقفا من دون أن نصاب بسقوط أو دوران أو غير ذلك

المثال الرابع : إبقاء النار مشتعلة

وبمثل ذلك نهى عليه السلام عن إبقاء النار مشتعلة في البيت عند النوم وهو متفق عليه كذلك ولا أظن أن العلة سوى تأمين البيت ومن فيه إذ النار تأكل ولا تذر شيئا ومن شررها الصغير سيما مع الغفلة يكون ضر مستطير ولكن لو تأمن ذلك بأي سبيل فلا حرج من ذلك

المثال الخامس : الحديث من بعد صلاة العشاء

ثبت نهيه عن الحديث من بعد صلاة العشاء وهو متفق عليه كذلك وهو متعلق بظروف الناس إذ أنه عليه السلام كان يحبذ تأخير العشاء ولكن عاد عن ذلك لما رأى الناس لا يطيقونه وبعضهم يشخر متكئا على السارية فلا يعيد وضوءه فلا حرج على من صلى العشاء وقام بأي عمل آخر حتى لو كان حديثا مباحا أو سمرا لا إثم فيه وإنما يدعو هنا عليه السلام إلى معالي الخلق ( إحدى مقامات تشريعه عليه السلام عند إبن عاشور ) أن يختم المرء عمل يومه بالصلاة التي ضمن سبحانه بها المغفرة بينها وبين الصلاة التالية وهي الصبح هنا فإذا كان النوم مظنة موت بلا نذر فإن المرء قد يختم لنفسه بسوء ولكن لا سوء في سمر لا إثم فيه ولا حديث من بعد العشاء قد يكون مطلوبا أصلا

المثال السادس : النهي عن صوم الجمعة منفردا وعن أكل الثوم

ثبت ذلك ولكنه معلل بتجنب الإجهاد أو تغير ريح الفم إذ أن صلاة الجمعة واجب ويأتي إليها الناس عبادة وتعارفا وتعاونا فلا يليق بالمسلم أن يتغير ريح فمه بأثر من الصيام ويؤذي الناس بذلك وقد يجهد نفسه وصولا إلى مسجد بعيد أو دابة حرون وقد يظن الناس عندما يرق الدين أن ذلك مستحب وأن يوم الجمعة يخصص بغير صلاة الجمعة قياما أو صياما كما كره المالكية صوم أيام شوال وهي سنة معلومة معروفة حملا للناس على التمييز بين الفريضة وبين السنة. كما ثبت نهيه عن قربان المصلى لمن أكل بصلا أو ثوما والعلة ليست سوى تجنب إيذاء الناس بالريح السيء فمن أكل ذلك وهو مفيد طبيا وعلميا ثم وجد ما به تزول الريح فلا إثم عليه ولا حرج

المثال السابع : تجصيص القبر

ثبت النهي عنه كذلك إذ لم تكن في تلك الأيام حاجة بسبب قلة الناس وعدم قرارهم كذلك إلى معرفة صاحب القبر ولكن لما قرّ الناس وإتخذوا لهم مقابر معلومة فإن العلة إنتفت إذ لم تكن العلة المانعة عدا عبادة الناس للقبور وأصحابها إذ أن إعلاء القبر في تلك الأيام قد يكون مظنة أنه للعبادة كما يفعل المشركون ولكن إذا إستقر أمر الدين وترسخت العقيدة وذهبت تلك العادة الشركية وإحتاج الناس إلى معرفة قبور أمواتهم من أهلهم فإنه لا مانع من تعليم القبور ( أي وضع علامات عليها ) سواء بتجصيص أو بناء أو كتابة إسم أو تاريخ وفاة أو غير ذلك مما يصلح علامة وأمارة سيما أن زيارة القبور سنة من سننه عليه السلام بل إن تعليم القبور اليوم قد يثمر مصالح من مثل نقل الميت لحاجة من حاجات الناس إلى مكان آخر أو حاجة الطب إليه تشريحا لمعرفة الجاني إذا مات مقتولا أو غير ذلك من الأغراض التي لا يمكن إحصاؤها

المثال الثامن : بيع الحاضر للباد

نهي صحيح ثابت عنه عليه السلام أن يبيع حاضر لباد أو حتى تلقيه والمقصود هو ألاّ يستلم السلعة التي يأتي بها البادي أي ساكن البادية حاضر أي مقيم ليبيعها عنه مظنة أن يرتفع السعر إذ أنه إمتنع عن التسعير وقال إن المسعر هو الله وليس ذلك تحريما أو مجرد منع أو نهي عن التسعير ولكن إقرارا لقاعدة إقتصادية هي اليوم مخ الإقتصاد الدولي وهي أن العرض والطلب هما فحسب من يحدد السعر وهو عين العدل وأمّ القسط فإذا إستلم السلعة حاضر عن باد ولبث بها حتى إستقر السعر في السوق فإن النهي ينتفي لإنتفاء علته

المثال التاسع : السفر بالقرآن إلى دار الكفار

ورد النهي صحيحا والعلة هي عدم تعريض الكتاب العزيز للذلة والمهانة والإستخفاف من لدن من يكفر به فإذا تأمّن ذلك فلا حرج بل هو مطلوب وهو ما يقع اليوم تجاوزا حتى لما يهرف به الهارفون من عدم مسّ المرأة الحائض والنفساء له وهذا الكافر يمسه ويملأ به الطائرات والبواخر والسيارات ويحجزه في الموانئ بغرض ترتيب إعادة تسفيره

خلاصات

الخلاصة الأولى : قياس القزع على الملبس والمظهر أولى

كما أنف بيانه فإن نجاح العملية القياسية والتكييف الفقهي هي المحددة في سلامة الإجتهاد وإلاّ ضاع كل شيء وما ضلت مقدماته فلا خير في مخرجاته. القزع أولى أن يقاس على المظهر والملبس ففي الملبس مثلا أمر عليه السلام بالبياض منه ولكنه لبس اللون الأحمر بما أعجب بعض الصحابة وكان في عرفهم أن يستلقي المرء في المسجد على قفاه ويضع رجلا على رجل وقد فعل هو نفسه عليه السلام هذا وليس هذا من عرفنا اليوم. وما تعلق بالمظهر والملبس فيما دون العورة والتشبه العقدي بالكفار وليس غير العقدي فإن مكانه متأخر وليس متقدما يثمر تحريما يستأهل العقاب

الخلاصة الثانية : الموضع الذي نهى عنه عليه السلام محلّ صبيّ

هذا واضح في المشهد آنف الذكر وهي حالة واحدة ومشهد واحد لم يتكرر ومن ذا فإن الأغلب أن هذا الصبيّ لم يحلق لنفسه وإنما حلق له كما جاءت الصيغة مبنية للمجهول والنهي ورد على أهله أو أوليائه ومن هنا يترجح أن تكون العلة إما تقززا من هذا المشهد المقرف فعلا فطرة أو نهيا عن تقليد ورد عند الأقدمين أنه يهودي أو تقليد لفاسدات وعاهرات كن كذلك يفعلن والإسلام حريص على بناء جدار سميك في العادات والتقاليد بين أهل الإيمان وغيرهم صونا للإعتقاد فحسب فإذا سلم الإعتقاد من ذلك فلا حرج بعد ذلك أن تلتقي العادات والتقاليد

الخلاصة الثالثة : هيئة القزع واحدة بحسب الرويات القدمية

مرّ بنا عند البخاري وغيره ولكني تجنبت الإطالة والإسهاب أن القزع المنهي عنه صورته حلق شعرة هنا وترك شعرة هناك وهو منظر مقرف مقزز فعلا تحركت له فطرته عليه السلام فما تردد في النهي عنه قائلا ( أحلقوه كله أو أتركوه كله ) ومعلوم أن القزع الذي يأتيه شبابنا اليوم ـ وهم ليسوا صبيانا بل شبابا ـ ليس هو من هذه الهيئة ولكنه حلق لأسفل الرأس من الجانبين والخلف وترك لأعلاه

الخلاصة الرابعة : العرف يخصص النهي النبوي المفيد للكراهة

مرّ بنا كذلك أن العرف يخصص النهي حتى لو كان نهيا نبويا صحيحا بشرط أن يكون معلّلا من جهة إذ يدور الحكم مع علته وجودا وعدما إذ هو عمل وليس عبادة ولا عقيدة ومن جهة أخرى ألاّ يكون ذلك العرف المخصص معارضا لنص إسلامي تشريعي صحيح يلزم بواجب أو ينهى عن محرم أو مقصد معلوم أو غالب على الظن أو غير ذلك مما يصرم الإسلام . وجه التخصيص العرفي هنا يستند على أمور منها ألاّ يكون الشاب صاحب القزع مقلدا لكافر أو محارب وخاصة تقليدا عقديا أو فكريا إذ أن التقليد في المظاهر والملابس وما إليها ليس تقليدا شائنا فها نحن اليوم نلبس ملابسهم ولا حرج في ذلك ومنها أن هذا القزع المقصود بالنهي ليس هو القزع الذي نراه اليوم وهذا فارق كبير في الهيئة وفي المحلّ معا

الخلاصة الرابعة : أكثر منهياته في العادات وغيرها

مرّت بنا أمثلة من المنهيات النبوية الصحيحة وأكثرها عادات وتقاليد وأعراف وغير ذلك مما لا علاقة له بالدين وأسسه ومبادئه وأصوله وعباداته ومقاصده العظمى وحرماته وغير ذلك كما تبين لنا أنها نواه معللة مقصدة وأن كثيرا منها يتعلق بمقامات له غير مقام البلاغ من مثل مقام التوجيه إلى معالي الخلق

الخلاصة الخامسة: المسألة ذريعة تفتح أو تسدّ

من خلال أمثله نواهية وهي كثيرة في الإتجاه ذاته ولكن لا يتحمل هذا المقال كل ذلك فإن المسألة في أغلبها ذريعة إما تفتح لأنها تفضي إلى خير أو تسدّ لأنها تفضي إلى شر أو غلبة ظن إذ القطع عسير. القزع الذي عليه شبابنا اليوم مهما قلنا فيه فهو ليس ذريعة تفضي إلى شر فلا مناص من سده ومنعه ذلك أنها فترة مراهقة ومرحلة تقليد معروفة عند الشباب المتعطش لإثبات ذاته وهذا مجرب لمن بلغ عمرا معروفا معلوما بل إن كثيرا من المتدينين اليوم من الشباب من أهل القزع إذ أبوا السير في ركاب الفاحشة المتبرجة التي تدعوهم ليل نهار وصباح مساء وأبوا السير في ركاب الظلمة والفجرة من أهل السوء تجارة في المخدرات وباعة للهوى ومنافقين في صفوف الدولة
المنافقة وغير ذلك من فنون الإباق والنفاق والجريمة

خلاصة مسألة القزع

ليس هو القزع المنهي عنه لا محلاّ ولا هيئة
ليس هو تقليد عقدي أو فكري لغير مسلم
ليس هو نهي يعني التحريم بل الكراهة في أسوإ حال
المكروه يقترف لأدنى حاجة
العرف يخصص مثل هذه الأمور
لسنا نحن من يحدد الأعراف لشبابنا فلنا أعراف زماننا ولهم أعراف زمانهم
القزع القديم معلل مقصد لأنه عمل وليس عقيدة
يدور الحكم مع علته وجودا وعدما
القزع يقاس على المظاهر والملابس وغير ذلك وليس هو عقيدة ولا فكر أو عبادة

كل ذلك لا يجعل منه لا مكروها ولا محرما من باب أولى وأحرى حكما عاما عند من لا يفعل ذلك تقليدا عقديا أو فكريا أو قيميا لغير مسلم تأثرا بفلسفته في الحياة بل هو عرف جديد لا ضير فيه وما على الأولياء والمربين ومن في حكمهم سوى إحترام إرادة الشباب الذي يحيا زمانه ومكانه لا نطلب منه كمالا ولكن نطلب منه لزوم الحد الأدنى من التدين والإهتمام بالعزائم وليس بالصغائر وهو شباب متدين في الجملة وهي في كل الأحوال صيحة في زمن غير زماننا وفي زمن الصيحات التي تلامس نخوات المراهقة الحريصة على إثبات الذات فلا يليق بنا تحريم ولا حتى تكريه ما لم يثبت تحريمه أو تكريهه بسبب هوانا أو بسبب أمزجتنا التي لم تلامسها تلك العادات الجديدة إذ أن ذلك هو الهوى بعينه وهو إختبار للفقه المعاصر مؤصلا في أصوله ومستوعبا لحاضراته وجدائده هل يطرق باب الإفتاء الجديد من بابه أو يأوي إلى الكسل العقلي ويتأثم من مخالفة الأقدمين في قضية عرفية وصدق سيد الفقهاء إذ قال : إنما الفقه رخصة من ثقة أما التشدد فيحسنه كل أحد أي سفيان الثوري عليه الرحمة والرضوان

والله أعلم
الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق