اراءاهم الاخباررأي رئيسي

بين الإسلام والديمقراطية : تعايش سلمي على قاعدة المواطنة

( تونس نموذجا واعدا )

الرسالة: يوم الباب المفتوح في ألمانيا : سنة حسنة
يكون يوم الباب المفتوح في ألمانيا يوم الثالث من أكتوبر من كل عام وذلك إحتفالا من جهة بالعيد الوطني وهو إستعادة ألمانيا ما قبل ( هتلر) والحرب العالمية الثانية لألمانيا ( أي لشقها الشرقي وعاصمتها التاريخية برلين ) ما بعد تلك الحرب التي فرضت إستحقاقاتها ( إنتصار الحلفاء على المحور ) على ألمانيا حياة برزخية دامت عقودا حتى أذن لها لأول مرة بالمشاركة العسكرية في قوات ( إيساف ). كانت تلك الإستعادة في عهد المستشار الألماني الراحل ( هلموت كول ) أحد أبرز قيادات الحزب التاريخي القائد لألمانيا أي الإتحاد المسيحي الديمقراطي. يعد الألمان حكومة وشعبا ذلك العيد أكبر عيد وهو كذلك فعلا لأن البلاد لم تكن محتلة أو مستعمرة حتى تتحرر فيحتفل الناس بعيد الإستقلال ولكن كانت تحت ما يشبه وصاي…
[16:42, 01/10/2019] الشيخ الهادي: هذا مقال جديد
[11:33, 09/10/2019] الشيخ الهادي: بين الإسلام والديمقراطية : تعايش سلمي على قاعدة المواطنة
( تونس نموذجا واعدا )

ليس هناك موضوع فكري أسال المداد في العقود الأخيرة مثل علاقة الإسلام بالديمقراطية فمن قائل أنها علاقة صدام وإحتراب وهؤلاء فريقان : فريق يحتمي بالتاريخ نمذجة يتأسى به غارقا في سلفية غابرة وفريق يحتمي بالقوة العمياء والزينة الغربية. ومن قائل أنها علاقة إعتزال كأنما الديمقراطية دين فيكون الموقف المناسب هو ( لكم دينكم ولي دين ) أو كأنما الإسلام دين السود لا البيض أو الفقراء لا الأغنياء. ومن قائل أنها علاقة تلاق وحوار وتعايش سلمي على قاعدة المواطنة التي بنى عليها نبي البشرية محمد عليه السلام أول دستور مكتوب موثق. وهل تعني المواطنة عدا المساواة الفطرية بين الناس والإعتراف بمبدإ التنوع وحق الإختلاف؟ ومازالت تلك الآراء الثلاثة تعتمل في الناس شرقا وغربا سيما مع إندياح البث الفضائي والإلكتروني عدا أن الأطروحة الثالثة بسبب واقعيتها ( أي أطروحة التعايش السلمي إعترافا بحق التنوع ) تكسب مع كل عام جديد أرضا جديدة في العقول سيما أن بعض الغربيين من جهة والمسلمين من جهة أخرى إلتقوا على هذه الأطروحة

معالم على درب الوعي الصحيح

الديمقراطية ليست دينا

كثير من الناس يرفضون الديمقراطية بحسبانها دينا غربيا ظانين أن إستيرادها هو إستيراد لقيمة عقدية تجعل المسلم مرتدا والحقيقة أن الديمقراطية مخترع فكري غربي ذكي جدا ومناسب جدا إجترحه الغربيون العقلاء من بعد أن عصفت الحروب الدينية بأروبا ومزقتها شر ممزق وحولت عشرات الآلاف من الناس إلى أشلاء.ومما يعمي النظر عند أولئك المتدينين الأحداث أن الإستيراد لا يمكن أن يبعض أو يجزأ فإما إستيراد للديمقراطية بثوبها العلماني وإما ركل لهما معا. تلك هي النظرة الشمولية الكلية التي تعمي الأبصار إذ أن من يحرم حاسة التمييز بين الغث والسمين في الأشياء يحرم الخير كله ولذلك لم يتردد الوحي الكريم إذ أخبرنا أن الخمر والميسر فيهما منافع ولكن حرما بسبب غلبة الإثم فحسب أي أنه علمنا أن القبول والرفض يكون بسبب الغلبة وليس بحسب الحب والكره. الديمقراطية منجز غربي يسير جدا تجريدها من حمولاتها الثقافية الفكرية وجعلها آلة تنسجم مع الإسلام بالكلية في الحد من تغول الدولة وسلطان الحاكم الأوحد وتؤهل المجتمع لمحاسبة المسؤول وإنتخابه وعزله ومراقبة المال العام وبالخلاصة : إستعادة مكانة الإنسان ودور المجتمع ولعمري فإن تلك هي مقاصد الإسلام العظمى حتى عقديا فما بالك سياسيا . ومما يعمي الأبصار كذلك أن كثيرا من أولئك يخلطون بين العلمانية والديمقراطية بحسبان أن الديمقراطية منجز علماني قحّ وأن إستيراد الديمقراطية منهجا في الحكم وليس فلسفة عقدية يعني بالضرورة إستيراد العلمانية وهل أن بعض الدول العلمانية اليوم في أروبا هي دول ديمقراطية حقا؟ لا قطعا. ذلك أن تلك الدول حرفت المفهوم العلماني أوّلا إذ جعلت من العلمانية التي هي في الأصل حرية شخصية حيال الدين والمعتقد خصما شرسا في وجه الإسلام وهو دين ككل دين من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الديمقراطية التي تتغنى بها تلك الدول أو بعضها على الأقل هي ديمقراطية مركزية عنصرية شعارها ( حلال علينا حرام عليكم ) أي الرجل الأبيض هو الجدير بالديمقراطية أما غيره من سكان الحوض المتوسط الجنوبي فليسوا جديرين بذلك

الشورى معنى وليست مبنى

لعل كل واحد منا عندما يشارك في حوار بين الديمقراطية والإسلام يواجه بأن الإسلام يتميز بالشورى ولا حاجة لنا بالديمقراطية. الحجة في ظاهرها مقنعة وخاصة بسبب أن السواد الأعظم من الناس يشكو دون وعي منه من محدودية كبيرة في الفقه بمعناه الحقيقي. صحيح أن الإسلام جاء بنظام الشورى في العائلة بناء وعلاجا وفي المجتمع وفي الدولة حتى إنه عليه السلام إلتزم بها وإعترف بنتيجتها في عدوان أحد وهو غير راض بالنتيجة ولكن الاصح من ذلك هو أن التمييز بين المباني والمعاني هو من صميم العلم وعمق الفقه وصحة الوعي. لو كانت المباني هي الحاكمة لقلنا اليوم مثلا أنه يجب علينا أخذ الجزية على اليهود والنصارى الذين يعيشون في تونس مثلا لأن الجزية مفرد قرآني صحيح وأخذه الفاروق نفسه من نصارى تغلب وهم عرب. فإذا لم نفعل فنحن آثمون. وأننا إذا لم نسم نظام الحكم خلافة فنحن آثمون لأنه عليه السلام إستخدم هذه الكلمة. هنا تأتي قيمة الوعي الصحيح وخاصة في العلاقة بين المبنى والمعنى. الإسلام الذي فرض علينا النظام الشوري في كل المواقع بدءا من تأسيس عائلة إلى الحكم بين الناس دوليا إنما يقصد معنى الشورى وليس مبناها أي أنه يريد منا تأسيس قيم المساواة بين الناس والعدل بينهم وإجلالهم بالتكريم الذي به كرمهم خالقهم وأن الدولة في خدمة الشعب وليس العكس. عندما تتحق تلك المعاني فينا عقلا وواقعا فلا حرج علينا أن نسمي ذلك نظاما شوريا أو ديمقراطيا كما لا حرج علينا أن نسمي ذلك النظام ملكا أو خلافة أو جمهورية. القاعدة العظمى هنا هي أن العبرة بالمعاني وليست بالمباني وهي القاعدة الأصولية الفقهية العظمى والأولى الحاكمة على أزيد من ثلاثين قاعدة ومائة كما إنتهت عند أحد أقطاب الفقه في تاريخنا المعاصر أي الدكتور مصطفى الزرقا عليه الرحمة. منطقة الوعي العميق والصحيح هنا عنوانها أن الإسلام مساحتان : مساحة عقدية تعبدية تعنيها الأسماء والحركات معا إلى جانب المقاصد ومساحة المعاملات وهي الأوسع في الحياة ولا تعنيها هنا الكلمات والعناوين والأبنية أبدا إنما تعنيها المعاني من مثل تحقق التشاور والتراضي والتعارف والعدل والوحدة والتنوع وغير ذلك مما هو مذكور من محكمات الكتاب العزيز. أنا من الذين يفضلون اليوم إستخدام النظام الديمقراطي أوّلا بسبب أن العبرة عندي بالمعنى وليست بالمبنى وهي قاعدة أصولية دينية كذلك عنوانها أن الله تعبدنا بالمعاني فلو أن رجلا شرب مسكرا لا يسمى خمرا بل يسمى عسلا فهو محرم عليه ولذلك لعن عليه السلام نكاح المحلل رغم أنه من حيث البناء سليم ولكن فقد المعنى. وثانيا بسبب أني مسلم معاصر أتبع لغة عصري وأخاطب الناس بما يفهمون فإذا كانت كلمة نظام شورى تحيل إلى أمويات وعباسيات سماها عليه السلام حكما عضوضا وجبريا فإني لا أتحرج قط من ترك ذلك وإستخدام ما يفهمه الناس ورائدي في ذلك قالة القائل : أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ لست من الذين يحرصون على العناوين والأبنية وخاصة في حقل المعاملات. ألم يقرّ الفاروق نصارى تغلب على عدم تسميتهم الجزية جزية وهي كلمة قرآنية قحة؟ لم؟ لأنه يتقيد بالمعنى وليس بالمبنى

تونس : قنطرة جغرافية وديمقراطية بين الشرق والغرب

عالج كبار المفكرين المسلمين إشكالية الشرق والغرب من مثل الفيلسوف الراحل علي عزة بيكوفيتش ومثله بالتمام والكمال الفيلسوف الألماني مراد هوفمان إذ ألف كل منهما كتابا يحمل العنوان نفسه. إشكالية الشرق والغرب هي التعبير الآخر لإشكالية الإسلام والديمقراطية إذ الشرق هو الإسلام والغرب هو الديمقراطية. ولم تتردد كلمة العقلاء في العقود الأخيرة وبمناسبة صعود الإسلام إلى الركح الدولي والإعلامي في الدعوة إلى إعاة بناء قنطرة وصل بين الشرق الإسلامي والغرب الديمقراطي إذ أن التاريخ لمن يقرأه يبين بيسر وجلاء أن الغرب قبل أن يكون ديمقراطيا نهل كثيرا من علوم الشرق ومعارف الإسلام في أثناء حروب الفرنجة وأن الشرق الإسلامي إنما تخلف وإندحر بعدما إستبعد الحكم الشوري الديمقراطي ومكن الحاكم من صك على بياض وظهرت قالات إنحطاطية يندى لها جبين الأحرار ( أطع ولي الأمر ولو جلد ظهرك وأخذ مالك ) وبذلك فإن للشرق ما يضيفه إلى الغرب وللغرب ما يضيفه للشرق والإنسانية مخلوقة على قاعدة التنوع بغرض التكامل وليس بغرض القهر المتبادل والنفي والإلغاء. في هذا الإطار ظهرت التجربة التونسية محاولة واعدة قابلة للتخصيب والإثراء إذ أنها التجربة الوحيدة التي عمرت حتى الآن عقدا كاملا من الزمن من ناحية أي في العالم العربي وليس الإسلامي ومن ناحية أخرى فإنها تحاول على صعيدين توفير بيئة تعايش ممكنة بين الإسلام الذي يدين به التونسيون كلهم وبين الديمقراطية ذات المنبع الغربي العلماني. على صعيد التنظير لهذا اللقاء ظهرت كتابات تونسية معاصرة أبرزها ما دونه خير الدين التونسي المصلح المعروف وتلاه عدد من رواد الزيتونة الذين إنفتحوا على محيطهم الأروبي والدولي من مثل إبن عاشور وغيره وما دونه من بعد ذلك بعقود المفكر التونسي راشد الغنوشي الذي ضرب بأسهم ثاقبة تنظيرا لتلاق ممكن بين الديمقراطية والإسلام. وعلى صعيد المعالجة الميدانية حصنت التجربة التونسية نفسها على إمتداد عقد كامل مليء بالألغام شرقيها وغربيها من مآلات وقعت فيها تجارب أخرى. هذا المكسب عندما يستوي على سوقه يكون كسبا للمعالجة الفكرية الثقافية نفسها أي قيمة إنفتاح المسلمين على الديمقراطية وقيمة إنفتاح الغرب الديمقراطيى على الإسلام وفي هذا التلاق منافع للجانبين ومصالح للناس ولذلك تتجاوز العملية فكرا ومعالجة تونس والأرض لتكون معلما في الوعي الصحيح إذ أن السلم في الأرض يحتاج إلى تعايش سلمي على قاعدة الإختلاف وإلا فهي الحرب المدمرة التي لا تبقي ولا تذر
الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق