اراءرأي رئيسي

الناتو: هل يكمن التهديد في الداخل؟

كانت فرصة للاحتفال ومعالجة أعراض الشيخوخة أيضاً. إنها قمة لندن التي عقدها حلف شمال الأطلسي “الناتو” بعد سبعين سنة على تأسيسه، وقد استبقتها تباينات وتراشقات داخلية على الملأ، بما فاقم الشكوك بشأن مستقبل الحلف، ودفع بحزمة “أسئلة وجودية” في الأفق.

انفضّت قمة لندن كما هو مقرَّر وبقيت الأسئلة الكبرى كامنة في أحشاء المنظومة العسكرية الأطلسية التي تواجه معضلة جوهرية منذ نهاية الحرب الباردة في تعريف دورها المركزي الذي يبرِّر وجودها من أساسه.

افترض الحلف خلال العقود الثلاثة الماضية تحدِّيات متفرِّقة واحتجّ بها لتسويغ استمراره. فمنذ تفكيك حلف وارسو انتفى التعريف الواضح للخصم المتكتِّل الذي يستدعي بقاء تحالف عسكري ضخم تقوده واشنطن، بما أغرى بتضخيم بعض المخاطر، وربما افتعالها لتبرير الحضور وتسويغ الاستمرار.

وإنْ تذرُّع الأطلسي بعناوين فضفاضة من قبيل “الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين” أو “مكافحة الإرهاب”، فإنّ الحلف تمدّد شرقاً منذ تفكّك المنظومة الاشتراكية حتى وصل إلى تخوم روسيا، فضمّ دولاً من حلف وارسو السابق وأخرى من جمهوريات الاتِّحاد السوفييتي.

الزحف باتجاه روسيا

عظّم الزحف الهادئ في الشرق الأوروبيّ إحساس موسكو بتهديد قادم من الغرب، بما ساهم في استنفارها وأقدمت على قضم شبه جزيرة القرم، وحاولت استرجاع بعض الأواصر القديمة مع عواصم شرق أوروبا ووسطها. كما تحضّر روسيا في شرق المتوسط من خلال الرقعة السورية، وتحاول التأثير في النسيج الأوروبيّ الداخلي من خلال قوى شعبوية صاعدة. ردّت روسيا على تقدّم الأطلسي بمحاذاتها ونشر منظومات صاروخية أطلسية تراها تهديداً لها، بتطوير منظومات صاروخية بوسعها تحييد القدرات الغربية بدرجة ما.

أظهر القضم الخاطف للقرم من أوكرانيا حالة عجز أطلسية عن التصرُّف، وهو ما بعث مخاوف وجودية لدى جمهوريات البلطيق السوفييتية السابقة المنضوية في الحلف، فنشر الحلف قوات على أراضيها غير بعيد عن تمركز قوات روسية قرب الحدود. أظهر ذلك جدوى “الناتو” بالنسبة إلى دول صغيرة وهشَّة وتضمّ مكوِّنات روسية ضمن نسيجها السكاني أيضاً، لكنّ تمدّده قرب روسيا يضعه في اختبارات موضعية حرجة قد تنشب معها مواقف قابلة للتدحرج.

الصين: التحدي الجديد

لم تَعُد روسيا وحدها عنوان التحدي بالنسبة إلى الأطلسي، فقد عبّرَت قمة لندن عن انشغال متزايد بالصين أيضاً. تتعاظم قدرات العملاق الآسيوي الذي تنشغل الولايات المتَّحدة بمحاولة تحجيمه أو إبطاء تقدّمه في مجالات استراتيجية عدَّة.

يرسم الصعود الصيني ملامح عالَم متعدد الأقطاب تحاول واشنطن عرقلته، وقد لا يكون هذا ما يشغل الشركاء الأطلسيين جميعاً. لا يبدو تحجيم طموحات بكين أولوية متماثلة لدى الحلفاء، حتىإنّ الصين تنسج شباكها مع بعضهم كما فعلت مع إيطاليا التي فتحت بوابة أوروبا الموحدة من الجنوب لمبادرة الحزام والطريق الصينية، فأثارت روما بتوجّهها الانفرادي انتقادات أوروبيَّة داخلية.

ما عادت الأواصر الأطلسية على حالها السابق إذاً، رغم الإطراء الذاتي الذي جاء به أمين عام الأطلسي ينس ستولتنبرغ بقوله: “حلفنا هو الأنجح على مدار التاريخ”. تضغط تحديات خارجية وداخلية على “الناتو”، حتى إنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدّث قبيل قمة لندن عن “موت دماغي” في الحلف، وهي شكوى من دول النفوذ الأوروبيّ بأنّ واشنطن تستبعدها من القرارات الاستراتيجية. مغزى القول أنّ أوروبا تستشعر تراجع قدرتها على توجيه الدفَّة ووجود حالة من التنافر في العلاقات الأطلسية البينية.

تجاوزت القمة الأطلسية مظاهر التأزيم اللفظي التي استبقتها، فأكّد بيانها الختامي متانة الحلف وأهميته، وتتعلّق أبرز الشواغل الخارجية بروسيا والصين والعنوان التقليدي “مكافحة الإرهاب”. وإن تحدّث البيان الختامي عن روسيا و”سلوكها العدواني” فإنّ الأوروبيّين أظهروا حرصاً على تلطيف الأجواء، فاستعملت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لغة مقتضبة وحذرة في هذا الشأن وقال ماكرون إنّ روسيا رغم كل شيء “ليست عدوّاً” وتبقى “شريكاً” للحلف.

الخطر يكمن في الداخل

واقع الحال أنّ معضلة الأطلسي لا تقتصر على تبرير وجوده وتشخيص خصومه ورسم خريطة التحدِّيات المتجددة، فالحلف يشهد فوق ذلك تنافراً داخليّاً وتجاذبات حادَّة على الملأ، كما يواجه خطر الانسياق خلف أولويات خاصَّة ببعض دوله الأعضاء، ليس في التعامل مع الصين وحدها، بل في منظور بعضها تجاه ملفات أخرى.

أظهر ماكرون خلال القمة حرصاً على اجتذاب الحلفاء الأطلسيين نحو مصالح فرنسا في دول الساحل والصحراء، بما ذلك تدخلات عسكرية تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، في حين تحاول فرنسا ذاتها الابتعاد بحلف الأطلسي عن تركيا كما اتضح من سلوك بعض العواصم الأوروبيَّة خلال عملية “نبع السلام” التركية في الشمال السوري.

وفي ليبيا تتنافس باريس وروما المنضويتان في الأطلسي على النفوذ والموارد النِّفْطية منذ الإطاحة بحكم القذافي، بما أذكى استنزاف الشعب الليبي وفرض تقسيماً على الأرض. يبدو هذا التنافس تحدِّياً للاتِّحاد الأوروبيّ، ولحلف الأطلسي أيضاً الذي شنّ حملته العسكرية في ليبيا سنة 2011 تحت شعارات إنسانية دون أن يُفضي ذلك إلى الأمن والاستقرار.

ترمب: عامل التوتُّر

قد تنعقد قمة الحلفاء المقبلة عام 2021 مع دونالد ترمب أو دونه إن لم يفلح في الفوز بولاية ثانية، ولهذا تأثيره في الحالتين. فمنذ تقلُّد ترمب الرئاسة سنة 2017 يشهد الأطلسي تَلاوُماً داخليّاً. أتى ترمب بخطاب جديد يقول للشركاء الأوروبيّين: “ادفعوا لنواصل حمايتكم”! أشعَرَ التقريع الأمريكيّ المتواصل الأوروبيّين بمخاطر الركون إلى حماية أمريكيَّة أبدية، وبعث الحياة في آمال تشكيل صيغة دفاعية خاصَّة بأوروبا الموحدة مع بقائها في النادي الأطلسي.

لكنّ أوروبا وإن سعت إلى حشد قواها لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل فإنّ استغناءها عن المظلَّة الدفاعية الأمريكيَّة التي يتيحها الأطلسي ليس واقعياً. وإن خاب الرهان على تشكيل جيش أوروبيّ مشترك سابقاً، فإنّ فرص ذلك تتراجع مع دخول أوروبا العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وهي على موعد مع انفصال بريطانيا.

كما تميل عواصم أوروبيَّة إلى الانكفاء عن الأسرة الأوروبيَّة أو قد يقع هذا منها إن صعدت قوى مناهضة للوحدة في جولات انتخابية لاحقة، وهو ما جُرّب في إيطاليا مثلاً مع حكومة اليمين الشعبوي. وتبدو حكومات شرق أوروبا ووسطها أقرب إلى واشنطن عموماً في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية منها إلى بروكسل، ويعدّها بعض التقديرات معبِّرة عن نفوذ أمريكيّ ضمن البيت الأوروبيّ الداخلي، كما أنّ مجموع القدرات العسكرية الأوروبيَّة لا يعوّض عن الغطاء الأمريكيّ الاستراتيجي الذي توفّر للقارة منذ نهاية الحرب العالَمية الثانية، إزاء التحدي الاستراتيجي السوفييتي ثم وريثه الروسي.ç

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق