اراءاهم الاخباررأي رئيسي

المرأة والمسجد : لوثة التديّن المغشوش

 

نصّ السّؤال : هل يجوز للحائض دخول المسجد أو المكوث فيه لمتابعة خطبة أو درس وهل يجوز لها هي نفسها ـ وهي حائض ـ القيام بدرس أو موعظة في المسجد

الجواب : يجوز كلّ ذلك دون ريب. ولكنّ التفصيل فيه يحتاج إلى كلمات أخرى خاصّة لمن تحصّل على حدّ أدنى من الفهم

مستندات الإباحة

أوّلا : كلّ ما لم يرد فيه نهي صحيح وصريح في الآن نفسه من الوحي الكريم قرآنا وسنّة فهو مباح. بل إنّ السّؤال عنه معصية لقوله الصّحيح عليه السّلام فيما أورده الإمام الدّارقطني (.. وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها). وقبل ذلك قال سبحانه في كتابه العزيز (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم). وقال كذلك في هذا المعنى ذاته (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب). وغضب عليه السّلام مرّات عمّن يسأل عن أشياء لم يرد فيها نصّ من الله أو منه هو عليه السّلام (في مسألة الحجّ مثلا هل هو واجب كلّ عام أم لا). ولا يخفى على طالب العلم أنّ قاعدة الإباحة العامّة الأصلية ليست هي قاعدة شرعية فحسب. وإنّما هي أصل مع أصول أربعة أخرى لما يزيد عن ثلاثين قاعدة أصلية شرعية ومائة. قاعدة الإباحة الأصلية ـ التي يسمّيها بعضهم الإستصحاب ـ معلومة من الدّين بالضّرورة وخاصّة لطالب العلم. والعامّي له سبيلان لا ثالث لهما : إمّا أن يتعلّم ليكون أعلم من في الأرض إن شاء أو أن يصمت (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت). أمّا السبيل الثّالث فهو سبيل سيّء. وهو سبيل الجدل العقيم أو القول على الله بغير علم إذ هو أكبر ذنب ذكر في الكتاب العزيز

ثانيا : عندما قال عليه السّلام في الحديث المتّفق عليه (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله). هل كان يعجزه أن يقيّد هذا الإذن العامّ بعدم جواز ذلك للحيّض والنّفساوات؟ هل نسي عليه السّلام؟ هل إستحى عليه السّلام؟ للفقهاء قاعدة أصولية معروفة : البيان لا يتأخّر عن وقت الحاجة. ومعناها أنّه عندما يرد نصّ من الوحي فلا يستثني شيئا فإنّ ذلك الأمر يكون عامّا أو ذلك النّهي أو ذلك الإذن. هذا الحديث مناسبة لإستثناء الحيّض. ولكن ليس فيه إستثناء. فلماذا التّعمّق في الدّين الذي نهى عنه عليه السّلام في حديث صحيح؟ ولم التّعقيب على قول الله وقول رسوله عليه السّلام؟ هذا هو الدّاء الوبيل الذي بسببه سحب الله سبحانه الميثاق من بني إسرائيل وعاب عليهم ذلك في كتابه مرّات لا تكاد تحصى. هل أنّ مسجده ـ عليه السلاّم ـ الذي جعله مفتوحا للمسلمين والمسلمات بمقتضى هذا الحديث وفي الواقع كذلك كان قاصرا على الصّلوات فحسب؟ ألسنا نعلم أنّ مسجده كان يدار فيه كلّ شيء تقريبا (الموعظة والخطبة واللّقاء والصّلاة وغير ذلك). هل إشتبه الأمر عليهنّ يومها فكنّ يشهدن الصّلاة ولا يشهدن المناشط الأخرى؟

ثالثا : لقد تحقّق لي على وجه اليقين أنّ الحائض تمسّ كتاب ربّها سبحانه ومثلها النّفساء بدون أيّ حائل مزعوم وبدون أيّ كراهة. وكتبت في هذا ونشرته. ولا يتّسع هذا المجال هنا لإعادة تحبيره. إذا كان ذلك كذلك ـ وهو كذلك قطعا مقطوعا ـ فكيف يباح للحائض عبادة ربّها سبحانه بمسّ كتابه وقراءته ـ فلا تحرم من تجديد عهدها مع ربّها بسبب لعنة الأنوثة التي إبتدعها العرب ـ ولا يباح لها دخول المسجد؟ أيّهما أولى بالحرمة؟ أليس المصحف الشّريف أولى بها من المسجد؟ ألسنا مكلّفين ـ عند عدم وجود النّص الصّحيح الصّريح ـ بإستخدام عقولنا التي بها ميّزنا سبحانه عن العجماوات والبكماوات؟ وإذا كان طلب العلم فريضة على كلّ مسلم كما قال عليه السّلام ـ وكان طلب العلم في العهود الأولى كلّها في المسجد فحسب ـ فهل نحجر هذا الفضل الكبير وهذه الفريضة العظمى على الحائض لأنّها ملعونة بسبب أنوثتها؟ هل هي التي جعلت نفسها تحيض وتنفس؟ أنّى لها أن تطلب العلم كما يطلبه الرّجل إذا حرّمنا عليها مباشرة كتاب ربّها لمدّة أسبوع كلّ شهر ولمدّة أسابيع أخرى طويلة مع كلّ وضع جديد؟ أليست تقول الأصول : أنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب؟ من أين تخرّجت فقيهات الصّحابة من مثل عائشة وأمّ سلمة وغيرهنّ كثيرات في عهده عليه السّلام وبعده؟ أليس من المسجد؟

رابعا : الذين ينتظرون من القرآن والسنّة حكما شرعيا عمليا في كلّ شيء صغيرا كان أو كبيرا أو قديما أو جديدا هؤلاء عليهم تعلّم دينهم قبل أن يموتوا. هؤلاء حقّهم إمّا طلب العلم أو الصّمت. متى كان الوحي الكريم (قرآنا وسنّة) نجد فيه كلّ شيء؟ إذا كان ذلك كذلك لم سأل عليه السّلام قاضيه إلى اليمن معاذا عليه الرّضوان : بم تحكم؟ فقال له : بكتاب الله. فقال له : فإن لم تجد؟ قال : بسنّة نبيّه. قال له : فإن لم تجد؟ قال له : أجتهد رأيي. فسرّ بجوابه وقال : الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يحبّ الله ورسوله. كيف يسأله عن شيء لا وجود له لا في الكتاب ولا في السنّة؟ إذا كان الوحي قد ضمن لنا كلّ شيء مهما صغر ودقّ فأيّ حاجة إلى الإجماع والقياس والإستصلاح والإستحسان والإستصحاب والعرف وغير ذلك من مصادر التّشريع التي أوصلها بعضهم إلى زهاء خمسة عشر أصلا؟

خامسا : عندما بايع عليه السّلام النّساء كما ورد في آخر سورة الممتحنة المدنية هل سألهن إن كنّ حيّضا أو نفساوات أو حتّى على طهارة؟ أيّهما أولى بالحرمة مرّة أخـــــــرى : محمّد عليه السّلام أم المسجد؟ كيف يقبل عقلنا أن تبايع إمرأة قد تكون حائضا أو نفساء سيّد الخلق محمّدا عليه السّلام ولا يقبل أن تدخل هذه الحائض نفسها المسجد؟ ألسنا أكرمنا بالعقول لنقيس الأمور ونتدبّر ونفقه ونفهم؟ أليس محمّد عليه السّلام ينعي على الإمّعات الذين يتّبعون غيرهم بلا علم ولا معرفة (لا يكن أحدكم إمّعة). التي أذن لها عليه السّلام بمبايعته ـ بغضّ النّظر عن صورة البيعة. إذ البيعة قيمة ومعنى وليست صورة وشكلا ـ لا يحرمها من حقّها في المسجد حتّى لو كانت حائضا. لأنّ الحيض ليس سبّة ولا عارا ولا دونية. إلاّ كما نراه نحن الشّرقيون الذين مردوا على إحتقار المرأة مرودا

سادسا : عندما قال عليه السّلام (إنّما النّساء شقائق الرّجال) هل نسي أن يستثني الحيّض والنّفساوات؟ هل إستحى من ذلك؟ لا شيء من ذلك أبدا البتّة. إنّما جاء التّقرير لهذه المساواة في الدّين عامّا لا يخصّصه عاقل لا يقدّم بين الله ورسوله عليه السّلام فينال غضب الله سبحانه. المرأة شقيقة الرّجل في الدّين بالكلّية. وليس لها دين نسويّ أنثويّ خاصّ بها. وما يغشاها من حيض ونفاس وغير ذلك إنّما خفّف عنها فيه من الصّلاة والصّيام رعاية لعافيتها البدنية والنّفسية ورحمة بها ولطفا ورفقا. وليس إعلان دونية وحقارة ولعنة أنوثة كما نريد نحن فهمه. وعندما قال سبحانه قبل ذلك معلنا المساواة التّامّة في الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية بين الرّجل والمرأة في سورة البقرة (ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف) فإنّه إعلان بأنّ الدّين واحد للبشرية جمعاء قاطبة. وأنّ المرأة مساوية للرّجل في القيمة والقدر والمصدرية والرّسالة والمصير. ولكن تختلف عنه في أشياء ويختلف عنها هو في أشياء أخرى ليس لإعلان تفضيل هذا على ذاك أو تلك على هذا. إنّما لحصول التّكامل بينهما والتّعاون منهما على القيام بشؤون الدّين والأسرة والحياة. تلك المساواة عبّرت عنها سورة الأحزاب المدنية خير تعبير. إذ ظلّت لأوّل سياق في القرآن الكريم كلّه تمدح الرّجال والنّساء معا في قرباتهم وفي مواضع عشرة (إنّ المسلمين والمسلمين ..). حتّى إنفاق المال هما فيه سواء (والمتصدّقين والمتصدّقات). بأيّ حقّ إذن نريد العودة إلى إرث الجاهلية العربية الأولى فيما يتعلّق بالمرأة؟

سابعا : قال عليه السّلام في المتفق عليه (المؤمن لا ينجس). قال ذلك لأبي هريرة إذ لقيه عليه السّلام فخنس أبو هريرة. فلمّا عاد إليه سأله فأخبره أنّه كان على جنابة. فقال له : المؤمن لا ينجس. أي أنّ النجاسة التي تصيب الرّجال والنّساء سواء بسواء ولو بصور مختلفة هي نجاسة مادية. وليست نجاسة معنوية. أيّهما أولى بالحرمة هنا مرّة ثالثة : هل هو محمّد عليه السّلام الذي كان سيصافحه أبو هريرة وهو (نجس) أم المسجد؟ لا شك أنّ محمّدا عليه السّلام أولى حرمة. لأنّه إنسان أوّلا. ولأنّه نبيّ ورسول. وهو خير من خلق الرّحمان سبحانه في عالم الإنسان. المسجد ـ حتّى لو كان المسجد الحرام نفسه ـ هو أرض وحجر وجماد. الإنسان مكرّم وغيره ليس بمكرّم. ولو كان ذلك غير كذلك لما قال عليه السّلام (إنّ قتل مؤمن أعظم عند الله من هدم الكعبة). ومن هنا فإنّ المؤمن ـ والمرأة مؤمن مثل الرّجل بالمساواة التّامّة ـ لا ينجس. على معنى أنّه يجوز له مسّ محمّد عليه السّلام ومصافحته. وبالقياس فإنّ المسجد أولى بذلك لأنّ محمّدا أولى حرمة من المسجد. ومعنى ذلك أنّ النّجاسة لا تحول دون المؤمن والمؤمنة وإهتبال فرص الإنتفاع بالعلم والمعرفة. هي نجاسة مادّية لا معنوية

ثامنا : إستقبل في مسجده عليه السّلام المشركين ونصارى نجران وذلك في عام الوفود في آخر حياته عليه السّلام وإستضافهم فيه. وظلّوا هناك لأيّام يحاورهم في المسجد النبوّيّ ذاته. هذا ثابت في السّيرة. أيّ عقل مسلم يقبل أن يدخل المشرك والنّصرانيّ مسجد رسول الله عليه السّلام ويقيم فيه أيّاما ضيفا مبجّلا ولا يقبل أن تدخل إمرأة مؤمنة حائض مسجدا من المساجد التي شيّدها المسلمون في طول الأرض وعرضها؟ هل هذا عقل مسلم؟ هل هذا تديّن يفضي بصاحبه إلى الخير؟ عندما نمنع الحائض من دخول المسجد فإنّ رسالتنا إلى أنفسنا وإلى النّاس هي : الحائض في الإسلام شيطان رجيم. وهي أشدّ نجاسة ورجسا من المشرك والنّصرانيّ. حتّى عندما قال سبحانه في سورة التّوبة وهي من آخر ما نزل (إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال العلماء : إنّ النّجاسة هنا نجاسة معنوية لا مادّية. بمعنى أنّه يجوز لنا مصافحتهم والتّعامل معهم بمقتضى الكرامة الإنسانية. ولكن عندما تحيض المرأة المؤمنة المتردّدة على المسجد تريد علما ومعرفة وقربى من الله نحرمها بإسم الله وبإسم رسوله عليه السّلام. اللهمّ إنّ هذا منكر منكور. اللهمّ هل بلّغت؟ اللهمّ فاشهد

تاسعا : في الإسلام (الكلب أطهر من الحائض). نعم ولم لا؟ ورد في الحديث أنّ الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجده عليه السّلام. وكان الصّحابة يتّبعون أثر ذلك ويرشون عليه الماء. لمن شاء التأكّد من الحديث يبحث عنه حتّى في وسائل التّواصل الإجتماعيّ فهو موجود هناك بسنده. أمرنا مع المرأة عجيب وغريب حقّا. حتّى الكلاب لا يطردها عليه السّلام من مسجده. حتّى المشركين والنّصارى يوطّئ لهم مسجده. إلاّ الحائض. هل هذا تفكير سليم يهدي إلى الحقّ؟ ألم يأمرنا سبحانه بالإعتبار (فاعتبروا يا أولي الأبصار)؟ أليس الإعتبار يفضي إلى أنّ الحائض أكرم من الكلب البائل والمشرك والنصرانيّ؟ المشكلة لم تكن في الدين يوما ولا مع الله سبحانه ولا مع حديث نبيّه عليه السّلام. المشكلة هي في هذا العقل المتأخّر المتخلّف الإمّعيّ الذي لا يعلم ولا يعلم أنّه لا يعلم. فهو يفتي بضلال وجهل وسفاهة. والنّاس بسبب ضحالة بضاعتهم الدينية وعزوفهم عن فريضة التّفكير والتدبّر يصدّقون الجهلة والحمقى.وما وقع في تاريخنا الطّويل وتراثنا الكبير من حماقات ضدّ المرأة كفيل بجعل صورة المرأة عندنا اليوم ـ وخاصّة الحائض بسبب لعنة الأنوثة ـ هي صورة شيطان رجيم. العلم ليس نقلا من الكتب ولا نسخا لقالات قد تصدق وقد تبطل. العلم هو النّظر والتّحقيق والتفقّه والتّمييز بين نصّ وآخر وبين إجتهاد وآخر وبين عصر وآخر. نحرص على سلامة أبداننا فلا نلقي في بطوننا عدا ما نكون على ثقة من صلاحيته ولكن حرصنا على سلامة عقولنا التي هي أغلى من أبداننا لا وجود له إلاّ قليلا
عاشرا : عندما كان ينادي عليه السّلام مرّات في حياته ـ ونادى بذلك من بعده الخلفاء مرّات كثيرات ـ بأنّ الصّلاة جامعة ـ وهو نداء يقصد به في تلك الأيّام الدّعوة إلى إجتماع عامّ طارئ ـ عندما كان يفعل ذلك هل كان يستثني النّساء الحيّض؟ هل كان يقول : الصّلاة جامعة للتّشاور في أمر مهمّ أو لإعلام مهمّ إلاّ الحيّض والنّفساوات لا يشهدن هذا؟ وعندما سمعت أمّ سلمة شيئا من هذا في الحديبية فتركت تنّورها على النّار ولبّت نداء (الصّلاة جامعة) هل كانت جاهلة بأنّ المرأة لا يحلّ لها ذلك أم هل عاتبها عليه السّلام أومنعها. أو هل سأل سائل عن الحيض. أو هل وقف واحد منهم في باب المسجد فلا تدخل إمرأة حتى تستظهر بشهادة تثبت براءتها من الحيض الذي هو عندنا نحن اليوم لعنة السماء للأنوثة؟ ألا نستحي من جهلنا وقولنا على الله بغير علم؟

الحادي عشر : عندما كان يصلّي عليه السّلام ويحتاج إلى شيء من عائشة تناوله إيّاه كانت تقول له ذات مرّة إنّها حائض فقال لها (حيضتك ليست في يدك). الحديث روته عائشة نفسها عليه الرّضوان. وذلك إذ طلب منها أن تناوله خمرة أي قطعة يصلّي عليها من المسجد. ما معنى : حيضتك ليست في يدك؟ يعني أنّك عندما تباشرين بيدك شيئا فإنّ هذا الشّيء لا يتلوّث حتّى لو كان مصحفا. بمعنى أنّ الحائض تباشر المصحف والكتاب وكلّ شيء في المسجد وخارجه لأنّ دم الحيض لا يلوّث في هذه الحالة شيئا. ها قد أذن لها عليه السّلام بدخول المسجد لتناوله خمرة يصلّي عليها. ها قد بيّن لها ولنا نحن جميعا أنّ الحيض ليس في الألسنة والأيدي حتّى نحرم أنفسنا ونساءنا وبناتنا من فعل الخير. هذا الحديث الصّحيح يدلّ دلالة قوية أنّ المحذور الوحيد من الحيض هو تلويث المكان. فكلّما أمن المكان الذي تحلّ به الحائض من التّلويث فهو مباح لها. أمّا عندما نريد إستعادة مجدنا العربيّ التّليد في إسترقاق المرأة وإستعبادها لضعفها ـ ولا نجد مبرّرا لذلك عدا إستخدام الدّين وتأويل الحديث تأويلا يخدم أغراضنا الخسيسة ـ تكون المشكلة عويصة وثقيلة وتكون شبهة فادحة في الدين

الثاني عشر : لماذا أذن ـ بل حرّض على ذلك تحريضا شديدا ـ عليه السّلام للحيّض والنّفساوات بشهود الخير في صلاتي العيد؟ هنّ لا يصلّين ورغم ذلك حرّض على مشاركتهنّ المسلمين والمسلمات مشهد العيدين وعلّل ذلك بقوله (يشهدن الخير). بل حثّ على ذلك حثّا عجيبا حتّى قال (لتلبس إحداكنّ أختها من مرطها) أي من كانت لا تخرج معنا إلى مصلّى العيد بسبب عدم وجود كساء لها فعلى أختها إكساءها. هل هناك دليل أقوى من هذا على أنّ الحائض لا تحرم مطلقا من شهود الخير. ومن شهود الخير في صلاة العيد سماع الخطبة ومشاركة النّاس فرحتهم والتّهنئة والأكل والشّرب وغير ذلك. ومن شهود الخير الذي يتكرّر كلّ يوم أو كلّ أسبوع ـ وليس مرّتين فحسب في
العام ـ شهود الخير العلميّ والمعرفيّ والدّعويّ في المساجد. هذا الحديث متّفق عليه

الثّالث عشر : كانت إمرأة سوداء لها خباء في مسجده عليه السّلام وكانت تقيم هناك ليل نهار وصباح مساء وتأكل وتشرب وتنام في المسجد نفسه بلا نكير. وكانت تحسن الكلام وتأتي عائشة وتحدّثها. والحديث عند البخاريّ عن عائشة. هل أنكر عليه السّلام وجود إمرأة في مسجده لشهور طويلات؟ إتّخذته مقاما كما يتّخذ أحدنا مسكنا يأوي إليه. ألم تكن تلك المرأة تحيض؟ مرّة أخرى أقول بكلّ أسى وأسف : المشكلة في عقولنا. وليست لا في الدين ولا في نصوصه ولا في مقاصده ولا في رسوله عليه السّلام. نحن نريد أن نستقيم كما نريد نحن. وليس كما يريد الله سبحانه. نحن نتشوّف إلى إسترقاق المرأة وإستعبادها ونستكثر عليها أن تكون مكلّفة بالدين ذاته مثلنا. نحن نبحث عن شيء نزدريه بها فلم نجد في الدين فلم يكن لنا من سبيل عدا تأويل الدّين ليلبّي لنا تلك الرّغبة العربية الدّفينة التي حرمنا منها هذا الدين. تلك هي المشكلة في عقلي أنا. وما عداها تلوينات وتزويقات يراد منها إعفاءنا من تحمّل هذه التّهمة الثقيلة : تأويل الدين بحسب أهوائنا والقول على الله بغير علم

الرّابع عشر : ألم يخصّص عليه السّلام لقاء خاصّا بالنّساء بناء على طلبهنّ إذ قلن له غلبك علينا الرّجال. فظلّ يلتقيهنّ بوتيرة منتظمة. ألم يكن يلقاهنّ في المسجد؟ مسجده هو. وليس أيّ مسجد آخر فضله أقلّ من مسجده مرّات ومرّات. هل كان يشترط خلوّهن من الحيض حتّى يلقاهن؟ من قال بهذه الجهالة والحماقة؟ لماذا ندع الدين في سلاسته وبساطته وعفويته وتلقائيته وسماحته ونذهب نبحث عن أشياء لم ينزل الله بها من سلطان؟ لنع أوّلا أنّ المشكلة في عقولنا وكيف تفكّر. ثمّ يكون فرج بإذن الله

الخامس عشر : ثبت أنّ أزواجه إعتكفن من بعده عليه السّلام في مسجده هو نفسه في رمضان في العشر الأواخر منه أو في العشرين الأواخر منه. وليس من شروط الإعتكاف الطّهارة. إذ يعسر على المعتكف لعشرة أيّام كاملات أو لأكثر أن يحفظ طهارته ـ وخاصّة الصّغرى ـ طيلة هذه المدّة. هذه أمور كتبها الله سبحانه علينا جميعا رجالا ونساء. وإختلاف صورها ليس أمارة فضل للفحول وعلامة دونية للنّساء. بل كانت بعض أزواجه تعوده ـ صفيّة عليها السّلام ـ وهو معتكف ثمّ يخرج معها يؤنسها في الطّريق إلى بيتها. يجوز للمعتكف مباشرة إعتكافه بغير طهارة رجالا ونساء وفي المسجد. لأنّ الإعتكاف لا يكون في الظّاهر إلاّ في مسجد وفي رمضان. ويجوز للحائض الإعتكاف وتباشر كلّ شيء عدا الصّلاة. هل سأل عليه السّلام صفية إن كانت حائضا فلا تدخل عليه مسجده؟ وها هو نفسه قد خرج من معتكفه. بل إنّ بعض العلماء قالوا في قوله سبحانه (ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد) أنّ هذا دليلا على جواز خروج المعتكف لقضاء وطر. كما قضى هو وطره من صفية إذ آنسها حتى بيتها أو قريبا منه. ودليل آخر كذلك ـ مع دليل الحديث المتّفق عليه ـ على صحّة إعتكاف المرأة ومن دون قيد بخلوّ من حيض أو نفاس. ولكن نحن نريد تكييف الدّين بحسب ما نريد نحن مائلين إلى تشديد وتعسير وتزيّد فيه. قال إبن القيّم : تتمّ الحائض إعتكافها

السّادس عشر : إذا كان يجوز للحائض والنّفساء الطّواف بالبيت الحرام إعتمارا أو حجّا طواف قدوم وتحية أو طواف إفاضة أو طواف وداع لمن شاء وأنّه يحرم عليها الصّلاة فحسب فيكف نحرّم عليها دخول مسجد آخر وهو أقلّ شأنا بما لا يحصى من المسجد الحرام؟ وردت أحاديث في شأن عائشة إذ حاضت وهم في حالة حجّ. وأوّل ذلك إبن تيمية وغيره كثيرون من أهل النّظر في الحكمة ـ وليس من الجامدين على النّص بدون فقه ـ أنّ ذلك رحمة بها. إذ أنّ الطّواف سبعة أشواط كاملات وخاصّة عندما يبتعد الطّائف عن الكعبة بسبب زحام أو غير ذلك ليس يسيرا على حائض أو نفساء فهو يرهقها. كما أوّل بعضهم ذلك بأنّه مقصود منه طواف الوداع الذي هو سنّة وليس فرضا مثل طواف الإفاضة الذي لا يتمّ حجّ إلاّ به. وأوّل ذلك بعضهم بأنّه محذور تلويث المسجد بدم الحيض. والحاصل أنّه لم يقل فقيه يجمع بين النّص وحكمته أنّ الحائض منعت من الطّواف أو السّعي بسبب حيضها. ولكن بسبب الرّحمة بها أنّ ذلك يشقّ عليها. بمثل ما منعت من الصّلاة التي تشقّ عليها لأنّها تغشاها بمعدّل كلّ خمس ساعات في اليوم واللّيلة بل أقلّ من ذلك. وبمثل ما منعت من الصّيام لأنّ ذلك يشقّ عليها. وبذلك إختلف الفقهاء في علّة المنع. ولكن لم يختلفوا ـ إلاّ الجامدين منهم على إعمال نصوص منزوعة من دسمات حكمتها ـ على أنّ الحائض لا تمنع بسبب حيضها. وفي كلّ الأحوال ـ وهذا من أقوى الحجج كذلك ـ أنّه عليه السّلام لم يأمر عائشة لمّا حاضت وهي في البيت الحرام أن تخرج منه. بل أذن لها بالبقاء هناك وهناك لا شكّ أنّها تدعو ربها وتذكره وهي في البيت الحرام. دخول البيت الحرام لحائض جائز. ولكن دخول مسجد آخر في الأرض غير مباح لحائض؟ هل بعد هذا الجهل من جهل؟

السّابع عشر : المستحاضة تصلّي وتصوم دون خلاف عدا أنّه ـ بمثل صاحب سلس البول ـ تتطهّر لكلّ صلاة جديدة. فإذا شعرت بشيء في أثناء صلاتها فهي تتمّ ولا تقطع صلاتها. لماذا أبيح للمستحاضة هذا وفي المسجد كذلك؟ لأنّ الإستحاضة حيض مخفّف أو متقطّع ودمه أميل إلى الصّفرة بدل الحمرة الفاقعة أو السّواد القاتم. تشترك المستحاضة في شيء مع الحائض. فبأيّ حقّ نحرم الحائض إذن؟ يكفي الحائض ـ إذا خافت على المكان من التلوّث ـ أن تضع ما يحول دون ذلك. وهذا الذي أفتى بها فقهاء كثيرون للحائض في الطّواف بالبيت الحرام. ليس هناك أيّ معنى لا عقليّ ولا شرعيّ يجعل المرء يميّز هنا بين مستحاضة وبين حائض فيبيح للأولى شهود الخير في المساجد ويمنع الأخرى

الثّامن عشر : ثبت في البخاريّ أنّ المرأة كانت تأخذ بيده الكريمة عليه السّلام وهو بين أصحابه وتذهب به بعيدا حتّى يتواريا عن الأنظار لتقضي منه وطرها ثمّ تعود به لا تنزع يدها من يده ولا يفعل هو ذلك. هل سألها عليه السّلام إن كانت حائضا فلا تمسّه؟ أبدا. أليست هي إمرأة تحيض؟ أيّهما أولى بالحرمة مرّة أخرى : يده الكريمة التي تضعها في يدها إمرأة قد تكون حائضا أم المسجد؟ عندنا غلّ عجيب ونقمة أعجب وثأر كبير ضدّ المرأة التي كانت لنا في الجاهلية سقط متاع نرثها وراثة المتاع فجاء الإسلام وحرمنا من ذلك. ليس لي من تفسير عدا هذا

التّاسع عشر : معلوم أنّ طلب العلم في الإسلام أولى من النّافلة صلاة وصياما وعمرة. ومعنى ذلك فإنّه لا معنى لحرمان الحائض من طلب العلم في أيّ مكان كان ـ وخاصّة بعض العلوم الدينية الشّرعية التي لا وجود لها عدا في المساجد وخاصّة في أوربا ـ لأنّ العلم أولى من النّافلة. ولمّا فقه النّساء ذلك برزت منهنّ فقيهات عظيمات وليس من جيل الصّحابة فحسب. إنّما رأينا أمّ السّعد ـ تلك الأميرة العظمى في قراءات القرآن ـ التي ظلّت تعلّم هذا الفنّ للرّجال والنّساء على حدّ سواء على إمتداد نصف قرن كامل بالإسكندرية المصرية حتّى توفّاها الله سبحانه وهي كذلك عام 2004. هل كانت تنقطع عن ذلك كلّما حاضت؟ هل أفتى الأزهر ـ يوم كان للأزهر صولات وجولات ـ يوما بعدم جواز ذلك التّعليم من إمرأة أو في المسجد أو أن تعلّم الرّجال. عائشة التي علّمت مئات وآلافا من الرّجال وبزّت حبر الأمّة نفسه في مسائل معروفة عند أهل العلم هل كانت فحلا؟ أليست كانت إمرأة تحيض؟ وحفصة الأمّ الكريمة هل تردّد الصّحابة في إستئمانها على المصحف بعدما أنهى عثمان كتابته لأوّل مرّة في التّاريخ بسبب أنّها إمرأة قد تحيض أو أنّها أنثى وليست فحلا؟ ألم يرو البخاريّ في صحيحه عن أمّ محمّد الحديث؟ ألم تكن له هو نفسه شيخات معروفات بأسمائهنّ ولمن تصدّى لشرح كتابه (إبن حجر العسقلانيّ) الذي كانت له شيخات وشيخات وكلّ أسماء أولئك موثّقة. ولولا الرّغبة عن الإسهاب لذكرت أسماءهنّ هنا جميعا؟ هل كان كلّ أولئك ينقطعن عن بثّ الحديث والعلم للبخاريّ وللعسقلانيّ وغيرهما عندما يحضن؟ هل هناك من جهالة أفدح من هذه الجهالة؟

خلاصة عامّة

لا حجر على الحائض ولا على النّفساء من المؤمنات لا دخول المسجد ولا مباشرة المصحف الكريم ولا تقديم المواعظ والدّروس وتعليم الرّجال والنّساء والأطفال ولا مباشرة أيّ منشط علميّ أو معرفيّ أو دعويّ في الدين أو في الدّنيا في كلّ مكان داخل المسجد وخارجه ما كانت محتشمة بخمارها. هذا ما كان عليه النّاس في عهده عليه السّلام والأدلّة لا تحصى ولو أنّ أعظم دليل يفوق كلّ الأدلة هو أنّ ما لم ينه عليه محمّد عليه السّلام نهيا صحيحا صريحا فهو مباح. وهذا ما كان عليه المجتمع الإسلاميّ من بعده عليه السّلام في الخلافة الرّاشدة ومن بعدها حتّى تمكّنت منّا مرويات منخولات ساقطات جلبت بها علينا تديّنات متشدّدة إستكثرت على المرأة وضعها الجديد في الإسلام من بعد ما كانت سقط متاع في الجاهلية العربية الأولى. والعلم ليس نقولات عمياء. والفقه ليس حفظا للنّصوص حتّى لو صحّت وسلمت من المعارضات. فكيف إذا تداخلت الأدلّة. إنّما الفقه كما قال الفقيه الأعظم سفيان الثوريّ رخصة من فقيه. نحن في زمن يهجم فيه على الإسلام من جانب المرأة. ونحن في زمن هوت فيه حظوظ العلم الدينيّ الشّرعيّ كثيرا لأسباب معروفة يطول شرحها. ولا يحرم على الحائض والنّفساء عدا الصّلاة والصّيام فحسب. ومن تزيّد على ذلك فهو جاهل عليه أن يتعلّم قبل أن يتكلّم وقبل أن يسأل من ربه يوم القيامة : كيف تقول عليّ بغير علم؟ ومنعها من الصّلاة والصّيام حكم معلّل معقول مفهوم مقصّد. وليس هو طلسم أسود لا يفقهه عدا الأئمّة الذين يريد بعضهم لأنفسهم ويراد لبعضهم من غيرهم أن يكونوا رجال دين بالتّعبير الكنسيّ. ذلك منع حكمته العظمى ومقصده الأسنى الرّحمة بالحائض والرّفق بها. وليس حكمته تأخير المرأة عن مجالات الدين ومساحات التديّن لأنّها شيطان رجيم أو لأنّها رجس أو نجس أو خلقت من محلول أقلّ قدرا وقيمة ممّا خلق منه الفحل. كلّ تلك هي تصوّرات مسيحية ويهودية تسلّلت إلينا في غفلة منّا. ألم يثبت قطعا ـ والدّليل عندي موثّق ـ أنّ قالة (صوت المرأة عورة) هي قالة موثّقة في أسفار أهل الكتاب؟ ثمّ تسلّلت إلينا وتبنّاها الحمقى وصدّقها الجهلة. المسجد اليوم وخاصة في الغرب وأوربا حيث المسلمون أقلّية هو المدرسة وهو المعهد وهو الكليّة وهو الجامعة وهو محطّة التعلّم والتّعليم للرّجال وللشّباب وللأطفال وللنّساء سواء بسواء. وحرمان الحائض والنّفساء من مواطن العلم يعني مساعدة أعداء الإسلام على مزيد من تأبيد هذه الأمة في جهلها وتخلّفها وتأخّرها. النّبيّ عليه السّلام أحلّ ما عرف في الفقه ببيع السّلم (حضور الثّمن وغياب المثمون) لمّا جاء إلى المدينة وقال له النّاس هناك أنّهم يتعاملون بتلك الصّورة وأنّهم بذلك يقضون حاجاتهم. أذن بذلك عليه السّلام رغم أنّها صورة في الأصل ممنوعة وما ذلك سوى لتلبية حاجات النّاس في أمور المعيشة. فكيف يحرم الحائض من المواطن التي تحتاجها لطلب العلم وبثّ العلم؟ أليست الشّريعة ذات أصول متوافقة كما حبّر الإمام الشّاطبيّ؟ والحقّ أحقّ أن يتّبع لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. علينا تصحيح تصوّر خاطئ عن محمّد عليه السّلام وهو أنّه يكره المرأة ويعدّها لعنة السماء للأنوثة. كلّ ما قاله عن المرأة هو رحمة بها ورفق بشأنها ـ مسألة السّفر بمحرم مثلا ـ وليست هي نقمة منه وهو رحمة للعالمين. علينا نخل عقولنا من ذلك التصوّر الفاحش. نحن من يحمل ذلك التصوّر وليس هو عليه السّلام. ومن يريد العلم يتعلّم ومن يريد الفقه يتفقّه. وليس هذا حكرا على أحد. ولكن من يريد الجدل الفارغ فحسب والمراء والعنت والرّهق والعودة بنا إلى الجاهلية العربية الأولى فلا شأن لنا به ولا شأن له بنا. إجتمعت إذن بفضل الله سبحانه أدلّة الشّرع والعقل معا والحاجة والمصلحة على أنّ الحائض لا تمنع إلاّ من أمرين لا ثالث لهما ـ رحمة بها ورفقا وليس لعنة أنوثة كما نريد نحن ـ وهما : الصّلاة والصّيام. وعلينا لزوم قوله عليه السّلام : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ. نحن من يريد حرمان المرأة والحائض من عبادتها وعلمها وعملها ونبحث عن مسوّغات دينية نرضي بها كبرياءنا وجهلنا

والحمد لله ربّ العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى