اراءاهم الاخباررأي رئيسي

اللّيزنغ ) بديلا عن الرّبا )

 

أحاول تلخيص فتوى قديمة للدّكتور محمّد الرّوكي عن إباحة التّعامل بالإيجار المنتهي بالتّمليك. والمعروف باللّغة الأجنبية بـاللّيزنغ. وهي فتوى تبّناها أكثر أكبر فقهاء العصر. منهم على سبيل الذّكر وليس الحصر الدّكتور أحمد الرّيسوني. وهي مثبتة على صفحته الإلكترونيّة. وكان ذلك في عام 2004. هي فتوى مطوّلة في خمس صفحات كاملات

مقدّمات عامّة قبل تلخيص الفتوى

أوّلا : معلوم أنّ مدوّنتنا الفقهيّة الماليّة مصابة بداء وبيل عنوانه : الضّمور. وذلك يعني أنّها لم تعد تسعف في معالجة طارئات كالرّعود والبروق في الحقل الماليّ والإقتصاديّ حتى على المستوى الفرديّ الضّيق. فما بالك بالمستوى الدّوليّ. ويزداد الأمر غربة كئيبة وحيرة في حياة الوجود الأوروبيّ المسلم. حيث لا سلطان للإسلام سيما على هذه الحقول العامّة لا من قريب ولا من بعيد

ثانيا : كثير من النّاس ـ وأعني العاملين في حقول الإفتاء ـ لا يميّزون بين حرمة الرّبا أكلا وحرمته مؤاكلة. بعضهم يفعل ذلك عمدا إبتغاء تنفير النّاس عن المشهد الرّبويّ وسدّا للذّريعة أن يهجم النّاس عليه فيفسد التّديّن. بل إنّ بعضهم يفعل ذلك خوفا من النّاس. وكتمانا لما يرونه هم حقّا أو صوابا. تجنّبا للرّاجمات التي لا ترحم من لدن أكثر المشتغلين في هذا الحقل. ومن لدن أكثر النّاس كذلك. ناهيك أنّ فقيها عظيما في وزن محمّد أبي زهرة عليه الرّحمة صرّح في أوائل السّبعينات أنّه ظلّ يكتم موقفه من رجم الزّاني عقودا طويلة بسبب الخوف من تلك الرّاجمات. ومثله الإمام القرضاويّ الذي صرّح للسّبب نفسه بموقفه من المصافحة عام 2008

ثالثا : الإفتاء في هذا الحقل ليس يسيرا لسببين هما : حجم التّغيّرات التي أصابت حياتنا العامّة وخاصّة حقلها الماليّ. ومن ذا كان التّشبّع بالأصول هنا بصفة خاصّة هو أوّل مسعف من جهة. ومن جهة ثانية فإنّ ملاءمة ما لدينا في الشّريعة هنا مع أوضاعنا المعاصرة بسبب تنافر لا يحصى ولا يقدّر أصلا يقتضي دقّة في الفقه. وعمقا في الفهم وإعمالا للمطلب المقاصديّ. وتصدّيا لحاجات النّاس وضروراتهم وإعمالا لطاقم ضخم من المعالجات الإستثنائيّة التي تفيض بها الشّريعة إلى حدّ إعلان أنّ المرحلة هي مرحلة إستثنائيّة بكلّ المقاييس في الحقول العامّة وخاصّة السّياسيّة والإقتصاديّة والإداريّة والعلاقات الخارجيّة. ومن هنا إجترح بعض الفقهاء عناوين مهمّة من مثل أنّها مرحلة فراغ تشريعيّ. نسبة إلى جدب فقهنا هنا. السّبب الثّاني هو عدم تمييز بعض أهل الإفتاء بين مختلف المعاملات التي تشترك في شيء وتختلف في أشياء أخرى. ومنها على سبيل الذّكر وليس الحصر : بيوع الأجل والسّلم والمرابحة والوضيعة والتّورّق والعينة. وكذلك بيع المرابحة للأمر بالشراء. المقصود بهذا التّمييز هو نوط كل معاملة جديدة حسن تخريج وتهذيب وتحقيق بمحلّها الأنسب. ذلك أنّ البعض تحرّجا وتأثّما يهرع بسرعة إلى التّحريم. من دون مراعاة للحاجات والضّرورات. إمّا ظنّا منه أنّ أكثر تلك المعالجات والمشاهد تشتبه بالرّبا ـ خاصّة عند من لا يميّزون بين المحرّم لذاته والمحرّم لغيره ـ أو بسبب قصور. غافلا أنّ من يتصدّى لمثل هذا عليه أن يتلبّس بالمقام النّبويّ المتعلّق بمعالجة المشكلة على أرض الواقع وليس بالإفتاء فحسب. إتّساء به عليه السّلام إذ أفتى الواقع على إمرأته في نهار رمضان. فلمّا تبيّن له أنّ الإفتاء لم يعالج المشكلة بادر هو بنفسه عليه السّلام إلى معالجة مادّية أي توفير عذق تمر آل أكلا إلى ذلك المذنب نفسه

رابعا : الخلط هنا بصفة خاصّة في مستوى السنّة بين مختلف مقاماتها. ومن ذلك الخلط بين ما ورد فيها محرّما لغيره. وهو الأغلب فيها. وبين ما ورد فيها محرّما لذاته. ذلك أنّ السنّة نفسها هي التي صرّحت بأنّ (ما أحلّه الله في كتابه فهو الحلال وما حرّمه في كتابه فهو الحرام). وليس ذلك يعني الإستغناء عن السّنة ـ حاشا لله ـ. ولكن ذلك يعني أنّ الوظيفة الأولى للسّنة هي التّبيين. وليس التّشريع إبتدائيّا وبإستقلال تشريعيّ كامل. ذلك أنّ الشّافعية فحسب هم الذين ساووا بين المصدرين الأوليين الأصليين. ولا ريب في أنّ المنهاج الأصوليّ الرّاجح في الأمّة هو أنّ ما حرّمته السّنة ممّا لم يرد في القرآن الكريم ـ إلاّ على سبيل التّبيين : تخصيصا لعامّ أو تقييدا لمطلق أو تفصيلا لمجمل أو إستنباطا من أصل لمعالجة فرع إشترك معه في العلّة ذاتها ـ إنّما يحمل على الكراهة. وليس على المعنى الفقهيّ للحرمة. أي إستيجاب العقاب. الغفلة عن هذا المنهاج الأصوليّ يوقع صاحبه في الخطإ. كما أنّ الجهل هنا بالدّلالات الدّقيقة للّسان العربيّ يوقع في الأمر ذاته. ومن ذلك على سبيل الذّكر وليس الحصر تقييده عليه السّلام وهو يجيز بيع السّلم للحاجة (حضور الثمن وغياب المثمون) : يدا بيد. إذ المقصود هنا هو الإستيثاق لضمان الحقوق. وليس المقصود المعنى المادّيّ. أي حضور أيدي المتعاملين معا وفي الجلسة ذاتها. ومن يقدر على هذا اليوم. إذ المعاملات تطبق آفاق الأرض في طرفة عين بين المؤسّسات المصرفية شرقا وغربا؟

خلاصة لفتوى الدّكتور محمّد الرّوكيّ

أدلّة الإباحة

أوّلا : إستصحاب أصل إباحة العقود

لا حاجة لبيان هذا الأصل. لأنّه أصل عام محلّ إجماع. وعليه من بيّنات الوحي ما لا يحصى من الأدلّة. ومن فروعه قاعدة أصولية أخرى عنوانها : ليس على النّافي دليل. أي أنّ نافي الحرمة ـ بسبب أنّها ضدّ الإباحة ـ ليس مطالبا بالدّليل. إنّما يطالب به موقعها

ثانيا : عموم حلّية البيع إلاّ ما خصّ بدليل

يمكن إعتبار هذا الدّليل كذلك فرعا عمّا سلفه. عدا أنّه لا مناص من تسجيل كلمات قصيرات هنا. منها أنّ كثيرا منّا لا يفقه حقّ الفقه قوله سبحانه (وأحلّ الله البيع وحرّم الرّبا). ذلك أنّ الفقه الموضوعيّ الجامع الصّحيح لهذا الأصل هو أنّه حيث وجد بيع إنتفى الرّبا. وحيث وجد ربا إنتفى البيع. وذلك على معنى أنّ البيع في أصله تعاوض بين طرفين لمنفعة أو خدمة بطريق التّراضي. أمّا الرّبا فهو مشهد قهر لأحدهما على الآخر. ولا عبرة بالرّضى هنا. إذ أنّه لا وجود لعاقل مفطور على التّحرّر يرضى بالقهر. والحقّ أنّ مذهب إبن عاشور (ومثله الدّكتور محمّد عماره) ــ الذي أفاض فيه منحازا إلى أنّ الرّبا هو ربا النّسيئة فحسب. أي الرّبا في صورته الجاهليّة الأولى. أي قيامه على القهر والظّلم من جهة. وعلى إعتبار المال وحده دون العمل مصدر درّ للرّبح من جهة أخرى ــ هو المذهب الأليق بالشّريعة. وهذا هو معنى أنّ مبنى المعاملات رعاية المقاصد. بخلاف مبنى العبادات القائم على المباني والأشكال. أمّا تعدية الرّبا ـ وخاصّة من دون تمييز بين نسيئة وفضل ولا بين محرّم لذاته ومحرّم لغيره ـ إلى كلّ صور البيع والمعاملات والتّعاوضات بين النّاس أو أكثرها فهو قهر لبعض المفتين للنّاس. ووصاية على دين الله. حتى لو سلمت الطّويّة. عندما عدّ عليه السّلام ثمانية أنواع من حاجات النّاس مشبعة بربا الفضل (منها الذّهب والبرّ والزّبيب) فإنّ المقصود من ذلك هو رعاية حاجات النّاس وضرورات عيشهم أن تكون بين المترفين دولة. وليس المقصود قصر ربا الفضل على هذه الأنواع حتّى عندما يغدو بعضها ثانويا في المعيشة. والخلاصة هنا هي أنّ أكثر ما ورد في السّنة ـ بخلاف القرآن الكريم ـ من ترهيب من الرّبا إنّما هو ربا فضل. وليس نسيئة. إذ النّسيئة تكفّل بها القرآن الكريم في أصوله و السنّة. وأنّ ربا الفضل ليس محرّما لذاته. إنّما حرّم لغيره سدّا للذّريعة. وما حرّم سدّا للذّريعة إنّما يحلّ فتحا لها عند بزوغ المصلحة أو بعضها على الأقلّ

ثالثا : سلامة الأركان والشّروط

ا ـ حصول التّراضي المتبادل

ب ـ الثّمن النّقديّ الذي يساوي قيمة المبيع يوم التّعاقد لو بيع نقدا لا أجلا

ت ـ عائد الإستثمار : هذا يتطلّب كلمات مستوحاة من قوله سبحانه في معرض الحديث عن الرّبا في سورة البقرة (لا تظلمون ولا تظلمون). ذلك أنّ كثيرا من النّاس في حديثهم عن الرّبا لا يراعون عدا حقّ الطّرف الأضعف. أي المشتري. ويغفلون حقّ البائع الذي لو إحتفظ بسلعته عنده ثمّ باعها ناجزة دون أجل لضمن مصلحته. في حين أنّه عندما يبيعها مؤجّلة فإنّه من حقّه أن ينتفع بعائد تلك المخاطرة التي تعرّض لها بسبب أنّه سلّم سلعة بثمن ناجز أقلّ بقليل ممّا تساوي. ومن ذا فإنّ من حقّ الزّمن أن يكون له دور في زيادة ثمن تلك السّلعة. وتلك هي مشروعية بيع الأجل. الذي هو في الأصل غير مباح. بسبب غرر من جهة ألاّ يحصل البائع على حقّه كاملا. ومن جهة أخرى بسبب غياب أحد أطراف التّعاقد. وهو الثّمن كاملا. وهو ـ أي بيع الأجل ـ صورة مضادّة لبيع السّلم التي أباحها عليه السّلام أوّل مقدمه المدينة على خلاف الأصل الأولى. بسبب حاجة النّاس إلى ذلك بحسب ما حدّث من المقيمين هناك. معنى ذلك هو أنّ الشّريعة لا تضمن حقّ المشتري فحسب. ولكنّها تضمن حقّ البائع كذلك. وخاصّة عند حضور الثّمن وغياب المثمون. أي بيع السّلم. وعند حضور المثمون وغياب الثّمن أي بيع الأجل. وقديما قيل : للزّمن ثمنه. وذلك هو ما تضمّنه قوله سبحانه (لا تظلمون ولا تظلمون). أي لا يظلم (مبنيّ للمجهول) بائع سلّم سلعته بثمن أدنى إبتغاء تحصيل الثّمن كاملا. ومن صور ظلمه المساواة بين الثّمنين عاجلا وآجلا

حوار مع بعض الشّبهات

أوّلا : شبهة الرّبا

أنف القول أنّه لا شيء يسعف المفتي هنا مثل تعويله على ملكة التّمييز بين عشرات المشاهد التّعاوضيّة لفرط إشتراكها هنا وإختلافها هناك. ذلك أنّ آفة الإفتاء عادة ما تكون الكيل بمكيال واحد. بدون تمييز. أو وضع الأمور في سلّة واحدة. إذ أنّ قيام فقه التّنزيل على التّجزئة والإفراد وليس على الإجمال. شأن فقه الفهم. تقوم شبهة الرّبا هنا من جهتين : أوّلهما جهة فرض عوض نظير التّاجيل وهو شبيه بالرّبا. أي ربا النّسيئة المعروف ولكنّ المفرّ المسعف هنا هو ما أجمعت عليه كلمة الفقهاء. أي إباحة ثمن الأجل. وليس الفرار هنا إلى حديثه عليه السّلام أنّه نهى عن بيعتين في بيعة واحدة. إذ علّة هذا النّهي هو جهالة الثّمن. ورغم ذلك أجاز من السّالفين ذلك لتلك العلّة. أي علم الثّمن. ولا ريب أنّ أكثر الحديث النّبويّ من هذا القبيل إنّما يقصد به سلّ فتائل الإحتقان وإنصرام الصفّ الإسلاميّ بسبب الدّنيا التي بسببها تقوم الحروب. الجهة الثّانية من الشّبهة هي أنّ الطّرف الأضعف في هذا العقد لو عجز عن الأداء إضطرّ البائع إلى فرض زيادة يمكن أن تشترك مع الرّبا. المسعف من هذا هو أنّ المشتري لا يقدم في الحالات العادية الطّبيعية ـ وهي أصل التّشريع دوما ـ على أيّ معاملة إلاّ وهو جاهز لخوضها. فإن أعسر فليس هو مطالب ديانة بغير ذلك. إذ لا تكلّف نفس إلاّ وسعها وحقّه الإنظار. فإن وقع في فرض الزّيادة فهو معذور عملا بقاعدة أصوليّة قوامها : يغفتر في النّهايات ما لا يغتفر في البدايات. فلا شبهة بالرّبا هنا على الوجهين

ثانيا : إجتماع بيع وسلف

ثابت نهيه عليه السّلام عن إجتماع بيع وسلف (أي قرض). والحقيقة أنّ هذا العقد لا مجال فيه لأيّ سلف. إنّما هو بيع خالص. ومن جهة أخرى فإنّ المقصود من نهيه عليه السّلام عن إجتماع بيع وسلف إنّما هو إشتراط ذلك. وليس في هذا العقد إشتراط من أيّ طرف منهما لأيّ سلف. ولا وجود لسلف هنا أصلا. وممّن نقل عنهم ذلك الإمام أحمد والشّوكاني وغيرهما

ثالثا : عدم مباشرة المشتري للعقد بنفسه إنّما بطريق ثالث

هذه صورة ممكنة وواقعة. وممّا يسعف منها هو أنّها داخلة ضمن إباحته عليه السّلام الحوالة لقوله (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتّبع). أي إباحة عقد الحوالة المعروف في الفقه الإسلاميّ. ما لم يغيّر ذلك من لدن الطّرف الثّالث من شروط العقد أو أقساط الأجل

رابعا : الوقوع تحت طائلة بيع ما لا يملك

فيه نهي صحيح عنه عليه السّلام. ولكنّ تأويله هو عدم المكنة من لدن المصرف مثلا أو أيّ بائع أو طرف على توفير ذلك المبيع المثمون. وعلّة النّهي هو التّحيّل الواضح والغشّ. وهو قريب جدّا من إباحة بيع السّلم. أي حضور الثّمن وغياب المثمون. ولذلك قيّده عليه السّلام بقوله (يدا بيد). وما ذلك سوى حرصا على ضمان حقوق النّاس وتجفيف كلّ أسباب الخصومات بينهم. ولم نسمع في تاريخنا المعاصر أنّ مصرفا أو شركة أو ما حكمهما عجز عن توفير المبيع المثمون للأمر به أي المشتري

خامسا : الوقوع تحت طائلة بيع ما لم يقبض

في هذا أحاديث كثيرة ناهية. وأكثرها في مجال المطعومات. ذلك أنّ للطّعام خصوصية. فهو سريع الفساد. وأنّ قبضه للإنتفاع به شرط من جهة. وأنّ النّهي عن ذلك سدّا لذريعة ربا الفضل. ولذلك قال سبحانه في الرّهن (فرهان مقبوضة). مع أنّ الفقه أجمع أو كاد على أنّ شرط القبض للرّهن ليس شرط صحّة. إذا حصل الأمن. إنّما جاء نعتها بالقبض تشديدا على الوفاء بها. ومع ذلك أباح المالكيّة بيع الطّعام قبل قبضه. فإذا أمن المشتري بائعه أنّه مؤدّ إليه ما إشتراه منه فإنّ علّة النّهي لا محلّ لها. وفي عصرنا أشياء كثيرة ـ من غير المطعومات في العادة ـ تباع وتشترى إلكترونيا فلا يقبضها على وجه الحقيقة مشتر. ولا يسلّمها على الوجه ذاته كذلك بائع. وما قيل في شأن النّهي عن بيع عدم المقبوض يقال في شأن بيع المعدوم. إذ يشتركان في علّة النّهي وهي إجتناب غرر الخديعة

سادسا : شبهة بيع العينة التي ثبت النّهي عنها

حديث النّهي عن بيع العينة صحيح. العينة معناها أن أبيعك مثمونا أي شيئا أو خدمة بثمن ثم أشتريه منك أنت نفسك الآن أو بعد الآن بثمن أقلّ. فإذا بعته أنت غيري ثمّ إشتريته من غيري إنتفى النّهي. يا حسرة على من يقرأ الحديث حتّى لو صحّ بإجماع ثم إنتهى إلى إستلال الحكم الفقهيّ منه هو نفسه ودون غيره. ذلك أنّ هذا البيع نفسه الذي ثبت النّهي عنه مارسته صحابيّة في حديث لعائشة عليها الرّضوان مع زيد عليه الرّضوان. وأبطل الشّافعيّ نفسه تلك الحرمة. معلّلا إيّاها بجهالة الثّمن. وليس بسبب وقوع تلك الصّيغة ذاتها. ومعلوم أنّ حديث النّهي عن بيع العينة وارد ضمن مشهد حضاريّ جامع من مكوّناته إتّباع أذناب البقر. وبذا يكون النّهي عنه نهيا عن مشهد كامل جامع. وليس عنه هو إفرادا وتجزئة من جهة. وأنّه خاضع كغيره لعلّة هي نبذ الغرر ثمنا أو مثمونا بين النّاس سيما أنّ صفّ الإسلام مقدّس لا يطأه صارم إلاّ ظلما قد لا يغتفر والعياذ باللّه

سابعا : شبهة الجمع بين بيع وإجارة

قال إبن جزي بإباحة ذلك إبتداء. ومن جهة أخرى فإنّ النّهي عن الجمع بينهما عندما يكون محلّهما غير واحد. أمّا في صورة الحال ـ أي عقد الإجارة المنتهي بالتّمليك ـ فإنّ المحلّ واحد. ذلك أنّ كلا العقدين بنفسه مباح. أي عقد البيع وعقد الإجارة. فإذا إجتمعا في محلّ واحد فإنه جمع لمشروعين فلا حرج فيه

خلاصة عامّة

حاولت تلخيص الفتوى المطوّلة وأهملت بعض الأدلّة إباحة وخاصّة حوارا مع بعض الشّبهات التي يمكن أن تعلق أو تنهض. تلافيا لطول المقال فحسب. كما حاولت تبسيط العبارة ما إستطعت. ومؤكّد أنّي لم أفلح في هذا كثيرا. بسبب أنّ لكل فنّ خطابه. وأنّ التّوفر على حدّ أدنى من فهم الكلمات الفقهيّة لا مناص منه أن نقع في الإبتذال. مخّ هذه الخلاصة ليس ذاك. مخّ هذه الخلاصة هو أنّ الإعتماد على الحديث النّبويّ فحسب من دون تحكيم الأصول العامّة الصّحيحة ـ سيما في حقل المعاملات ـ يوقع في الخطإ قطعا مقطوعا. بسبب أنّ الحديث في الأعمّ الأغلب إنّما يتوقّى الوقوع في المحرّم ويبيّنه بحسب ما أتيح له من ملابسات يعالجها. ومن ذا فإنّ رعاية نظرة موضوعية جامعة لا مجتزأة ولا مبتسرة من جهة. وتحكيم الأصول قبل الفروع من جهة أخرى وإجتراح معالجات معاصرة تكون مهمّتها توفير مخارج الطّوارئ للنّاس (بيع السّلم خيرمثال على ذلك) من جهة ثالثة. والتّعويل على فهم كلّ نهي نبويّ في تلك الجزئيات الكثيرة من حيث علّته. وليس من حيث متنه من جهة رابعة. و من جهة ربّما أخيرة حسن حذق اللّسان العربيّ. وخاصّة تقديمه المجاز على الحقيقة. إنّ رعاية كلّ ذلك مع ملكة فقهية بسبب التّجربة من جهة. وحسن فهم التّغيّرات الطّارئة غير المحدودة وغير القابلة للمقارنة مع ذلك العهد من جهة أخرى. كلّ ذلك مسعف ومفرّ من الوقوع تحت طائلتين يبغضهما الله سبحانه : أوّلهما طائلة القول عليه أي على شرعه بغير علم وثانيهما طائلة سدّ ذرائع الخير في وجوه النّاس بإسم التّاثّم والورع وفساد الزّمان وكثرة المغريات وإشتباك المشاهد الرّبوية مع المشاهد الحسنة. هي موازنة دون ريب لا مجال فيها لا لمتسيّب يبيح الحرام المقطوع بحرمته. ولا لمتأثّم يحرّم الوقوع في مخارج الطّوارئ التي ضمنتها الشّريعة نفسها. فمن شاء سلوك هذه فعليه بنفسه. أمّا في مقام الإفتاء فإنّه يحرّم أو يحلّ لغيره. فعليه مراعاة غيره وليس نفسه. خلاصة الخلاصة هنا هي أنّ عقد (ليزنغ) أي الإجارة المنتهي بالتّمليك هو عقد مباح مشروع وهو بديل عن الوقوع تحت طائلة مؤاكلة الرّبا. رغم أنّ مؤاكلة الرّبا ضرورة وليس إختيارا هو مباح كذلك. إذ هو محرّم لغيره وليس لنفسه. عدا أنّ الخلاف يحتقن بين النّاس بسبب تكييف الضّرورة. المسكن؟ السّيارة؟ الزّواج؟ التّداوي طويل المدى وعالي الثّمن؟ وغير ذلك ممّا كان ـ ربّما ـ في السّالف كماليّا فأضحى اليوم ضروريا. وما من ريب لمن أراد الرّجوع بنفسه إلى هذ الفتوى مفصّلة فهي مبثوثة في مظانّها من مثل موقع الدّكتور الرّيسوني. وأظنها كذلك على موقع صاحبها أي الدّكتور محمّد الرّوكيّ نفسه. ومن يبحث عنها يجدها إن شاء الله. ولولا الخشية من الإفراط في إسهاب ربّما وقعت فيه لنقلتها هنا كاملة

والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق