اراءاهم الاخباررأي رئيسي

الكنيسة : ماخور يفيض بالإغتصاب الجنسيّ

 

علّل الكاردينال (ماركس) عن دائرة (ميونيخ وفرايزنغ) بألمانيا إستقالته المقدّمة إلى بابا الفاتيكان (فرانسيسكوس) بتاريخ الرّابع من شهر يونيو 2021 بقوله (أصل إستقالتي هو تحمّل مسؤولية مأساة الإغتصاب الجنسيّ خلال حياتي بالكنيسة في العقود المنصرمة). كما ورد في رسالته المنشورة في أكبر صحيفة سياسية ألمانية يومية (سدّوتشي تسايتنغ) أنّ الكنيسة بهذه المأساة المتواصلة بلغت (النقطة الميّتة) على حدّ تعبيره. كما قال في الرّسالة ذاتها (أريد أن أبيّن أنّ الهمّ الأوّل لي ليس إنتصابي مسؤولا إنّما رعاية التّكليف الإنجيليّ). هذه الإستقالة المعلنة والمعلّلة معا عندما تقرأ في ضوء هجران واضح للكنيسة من أهلها إنسلاخا من تبعاتها المالية من جهة وفي ضوء إقفارها من حدّ أدنى من زوّارها إلى حدّ عرض كنائس كثيرة في أروبا إلى البيع من جهة أخرى فإنّ هذا داع إلى إستقراء يحاول لزوم الموضوعية. وعندما يكون مثل هذا في الكنيسة الكاتوليكية التي تستحوذ على ثلاثة أرباع الدّيانة المسيحية في الأرض ـ وليس في الطائفة الأورتودوكسية ولا البروتستانت ـ فإنّ داعيات الإستقراء بإنصاف تلحّ إلحاحا

لماذا الإغتصاب؟

عندما يستقيل رجل دين مسيحيّ كاتوليكيّ برتبة كاردينال على خلفية بلوغ حالات الإغتصاب الجنسيّ ـ للذّكور والإناث على حدّ سواء ـ مستوى المأساة وعلى إمتداد عقود كما قال في رسالته فإنّ السّؤال الملحّ هو : لم يضطرّ كبار رجال الديّن أنفسهم إلى إغتصاب مريديهم؟ لا أظنّ أنّ الخلاف ينشب بين إثنين أنّ السّبب الأوّل هو لزوم هؤلاء لنظام مسيحيّ كنسيّ جائر يقضي عليهم بعدم الزّواج وبالحرمان من المتعة الجنسية بأيّ صورة كانت عربونا منهم على تفرّغهم بالكلّية لخدمة الّرب كما يقولون. ولا خلاف في أنّ التّنكّر من الإنسان لهويته الأصلية التي عليها فطر فطرا ودون إرادة منه بل كرها مفض إلى مثل هذا وأكثر. بدعة المسيحية أنّها تشبّه العبد بربّه فهي تحمل أتباعها على التشّبه بربّهم. وهو حمل للنّفوس على غير ما صنعت له وركوب لمراكب إن تحمّلتها النّفوس قليلا فهي مقضي عليها بالهزيمة حتما. وعندما تضيق سبل المتعة عند رجال الدّين المسيحيين بسبب هذه القيود الجائرة المتكبّرة على الفطرة فإنّهم يضطرّون إلى إغتصاب الذّكور منهم. أي يقعون بسبب كبرهم على أنفسهم في الموبقة الشنعاء. أي اللّواط. ويكون ذلك سببا من أسباب أخرى تدعم إتّجاه الإنسلاخ من الكنيسة سواء إلتزاما ماليا أو روحيا ويحلّ القفار محل العمار. أصل كلّ ذلك هو ضلال عقديّ عنوانه أنّ الله ـ لعلوّ مقامه ـ لا يمكن أن تكون الصّلة معه مباشرة بدون وسائط. ولذا كان عيسى عليه السّلام هو إبنه الذي فدى النّاس بنفسه إذ قدّم نفسه للصّلب ويتحمّل جريرة من بعده إلى يوم القيامة. هي الضّلالة العقدية ذاتها التي كان عليها مشركو مكّة الذين قالوا : ما نعبدهم ـ أي أصنامنا ـ إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى. أصل الفكرة صحيح. أي أنّ الله سبحانه لعلوّ مقامه لا بد له من وسيلة إليه. ولكن ما هي الوسيلة إليه؟ الوسيلة إليه عند أهل الضّلال في كلّ زمان ومكان هي غيره من ملك أو ولد أو صالح أو نبيّ. ومن ذا تسلّل بعض من هذا إلى الصّوفية المغالية في شأن الوسيلة لتكون بمثل ما كانت في الجاهلية الأولى أي صالحا أو مزعوم له الصّلاح وليست الشّيعة المغالية إلاّ طرفا من تلك الصّوفية الباطنية المغالية. ومن ذا جاء الوحي يصحّح تلك الفكرة ذات الأصل الصّحيح لتقول : صحيح أنّ الله ليس كمثله شيء. ولكنّ الوسيلة إليه : تقوى وجهاد وتقرّب. كما ورد في سورتي المائدة والإسراء وأنّ أكرمكم عنده سبحانه أتقاكم له. وليس غير ذلك ممّا ينسج النّاس من خيالاتهم وأمانيهم

المسيحية : من التروّم إلى التغرّب

تلك هي أعظم خلاصات المسار التّاريخيّ للمسيحية من ميلاد نبيّها عيسى عليه السّلام حتّى اليوم. بعث عليه السّلام في الإسرائيليين الذين بعث فيهم من قبله بقرون قليلات موسى عليه السّلام. ولمّا كانت بعثته ـ أي عيسى عليه السّلام ـ في زمن تحرّفت فيه اليهودية تحرّفا شديدا حتى إحتوتها الإمبرطورية الرّومانية المستولية على الأرض في تلك الأيّام من خلال إحتوائها لرجال الدّين اليهود فإنّ أوّل ما واجهه عيسى عليه السّلام هو تبرّم رجال الدين اليهود به. إذ أنّ قبولهم بوحدانية الله سبحانه تعني تجريدهم من صلاحيات دينية واسعة ومنافع دنيوية أوسع أغدق بها عليهم أباطرة الرّوم تقاسما للثّروة بين الفريقين ومعها السّلطة : فريق الحكم الرّومانيّ الذي كان يستعبد الشّعوب وفريق الدّين اليهوديّ الذي كان ييسّر تلك المهمّة مقابل الدّنيا. ومن ذا كان عنوان (لاإله إلاّ الله) هو المعنى التحرّريّ الذي ينقذ النّاس من كلّ طاغوت يستعبده. ومن ذا كان هذا العنوان التّحرّري محلّ عدوان وحرب في كلّ زمان من كلّ طاغوت توّاق إلى إستلاب النّاس إرادتهم. إذ لا سلطان في الأرض إلاّ بإنقياد وخضوع. حتّى الحواريّون الذين نصروا عيسى وعددهم لا يزيد عن عدد أصابع اليدين إلاّ قليلا ظهر منهم من يشي به إلى الرّومان بواسطة الذّراع اليهودية لصلبه. وبصلبه المزعوم فرض على أتباعه ـ على قلّتهم ـ التّستّر والتّخفيّ. وظهر سلطان الرّومان من جديد في تحالف مع رجال الدّين. وأسّ التّحالف هو تحريف الرّسالة السّماوية التي أقضّ بها موسى أوّلا ثمّ عيسى ثانيا ـ عليهما السّلام ـ مضاجع الحكم ومضاجع رجال الدّين الذين يعضدون ذلك الحكم مقابل تقاسم الثّروة. وبعد مرور ثلاثة قرون على صلبه المزعوم إنقعد مجمع نيقية الشّهير في حفل حاشد ليوقّع بالأحرف الأولى لأوّل مرّة علنا بتضامن بين رجال الدّين الإسرائيليين وحكام الرّومان على أنّ عيسى هو إبن الله. وأنّ الوسيلة إلى الله هي عبادته هو نفسه. أي عيسى عليه السّلام. وهذا يعني أنّ عبادته تمرّ حتما عبر رجال الدّين والكنيسة والمؤسّسة الدينية التي هي في وفاق تامّ مع الحكم الرّومانيّ. وذلك هو ما يعني أنّ المسيحية تروّمت باكرا جدّا. أي إبتلعتها الحكومة الرّومانية لتكون في خدمتها. والأصل هو أن تكون الحكومة في خدمة الدّين. والوسيلة هي إخضاع رجال الدّين ومؤسّساته. ولا يكون ذلك إلاّ بالتّزييف. فإذا كان لا إله إلاّ الله فلا مجال للرّومان إلى حكم وإخضاع للشّعوب. وإذا قام رجال الدّين في وجوههم فلا مجال لذلك كذلك. تلك هي قصّة الديّن مع الدّولة. الدّولة متشوّفة دوما إلى السّلطان والإنسان مغروز بالتّحرّر من كلّ طاغوت. فكيف السّبيل إلى ذلك؟ لا سبيل إلاّ بتدجين الدّين وتمييع قيمه وإخضاع أهله وتزوير أحكامه. وأعيدت كتابة الأناجيل من جديد ليكون فيها عيسى هو إبن الله وليس هو عبد رسول. وسيق النّاس ملايين مملينة من تلك الحقبة ( 300 بعد الميلاد) إلى ذلك سوقا. وأحكمت الإمبراطورية الخناق على كلّ معارض وفرض الخوف وبثّ الهلع وإنتشر الفزع وأضحى ذلك الدين المدين حتّى جاء الإسلام يبيّن لأهل الكتاب الحقّ من الباطل. ومن آثار ذلك أنّ الرّومان الكتابيين هزمتهم فارس الوثنية في أيّام الإسلام الأولى ولذلك جاءت سورة الرّوم المكّية. إذ العبرة عند تساوي العدد الرّوحية بالعدد المادية

كيف تغرّبت المسيحية المعاصرة؟

إذا كان التّروّم معناه الإنسحاق المسيحيّ تحت أقدام الإمبراطورية الرّومانية فإنّ التّغرّب يعني الإنسحاق ذاته تحت أقدام الغرب الفلسفيّ النّافذ. يمكن أن يكون هذا تأوربا. أي نسبة إلى أوربا. بسبب أنّ أوروبا هي مركز الأرض اليوم حضارة وقوّة وتأثيرا. والبقية أطراف بتعبير المفكّر الماركسيّ الكبير سمير أمين. سيما إذا إعتبرنا الولايات المتّحدة الأميريكية إستثناء. وهي إستثناء بسبب جدّتها. المسيحية كما هو معلوم شرقية المولد. بل قيل إنّها نصرانية نسبة إلى مدينة النّاصرة الفلسطينية. الغرب غربان مختلفان : غرب ما قبل الثّورة. وغرب ما بعد الثّورة. غرب ما قبل الثّورة هو الغرب البدائيّ الهمجيّ الذي كان في سبات عميق. في الدّاخل تنحره الحروب الدينية المدمّرة بين الطّوائف المسيحية الثّلاث على خلفية تأويلات للإلهية ولبعض الجزئيات الفرعية الصّغيرة جدّا. وغرب ما بعد الثّورة الذي أفاد كثيرا من الحضارة الإسلامية في مناسبات أهمّها : حروب الفرنجة التي دامت قرنا ونصفا كاملا والخلافة الأندلسية التي عمّرت ثمانية قرون كاملات وكتبت فيها عشرات الأسفار من المستشرقين أنفسهم يردّون فضل التحضّر والتّرقّي في أوروبا إلى الأندلس. غرب ما قبل الثّورة كانت تفترسه الكنيسة إفتراسا. إذ هي من تخلع الإيمان على من تشاء وتنزعه عمّن تشاء متحالفة مع مركّبين كبيرين : رأس المال والمؤسّسة القيصرية. ومن ذا عمّر هذا التّحالف طويلا إذ كان يجمع بين السّلط الثّلاث التي لا بدّ منها لحكم وسلطان : الدّين والمال والدّولة. أمّا غرب ما بعد الثّورة فهو مختلف. إذ أنّه ثار على هذا الثّلاثيّ المستبدّ بإسم الإله وعصفت الثّورة بالكنيسة وسلطانها الدّينيّ الغاشم وإجترحت العلمانية التي كانت تعني في البداية الحياد السّياسيّ حيال التّدين الشّخصيّ. فلمّا ظهر الإسلام من جديد في شكل صحوة ثمّ حركة ثمّ مشاركات سياسية ومالية بما ينافس الغرب تنكّرت العلمانية لهويتها الحيادية التّحرّرية وأصبح الإسلام مستثنى من أن تستوعبه العلمانية. على معنى أنّه لا يحقّ له ما يحقّ للدّين الآخر. في هذه النّقطة على وجه التّحديد : تغرّبت الكنيسة بانخراطها بشكل أو بآخر في نكوص العلمانية على عقبيها. وأصبحت المعادلة هي : الغرب علمانيّ داخله عدوانيّ حيال الإسلام. والعلمانية حقّ للرّجل الأبيض فحسب. أمّا الرّجل الأسود ـ رمزا إلى المسلم ـ فلا حقّ له في أن تستوعبه العلمانية. وأصبح الإنقلاب الجديد هو : الكنيسة والدّولة معا في الغرب ـ سيما أروبا ـ ضدّ الإسلام. وعلينا أن نذكر الآن المعادلة القديمة : الكنيسة ورأس المال والدولة ضد الحرّية في الغرب. ذلك هو معنى تغرّب الكنيسة أو تأوربها أي إنحيازها إلى جانب الدّولة الغربية التي تستثنى الإسلام فحسب من بين كلّ الحضارات من الوجود والتّجدّد والمساهمة والمشاركة. كلّ ذلك يعني أنّ المسيحية عاشت منذ ولادتها تقريبا إمّا صديقا حميميا أو ذنبا قذرا للإمبراطورية الرّومانية بادئ الأمر ثمّ بمثل ذلك للحضارة الغربية. لا تردّ يد لامس. السّؤال الكبير هو : لم هذا؟ ألضعف فيها أم في قياداتها الدينية؟ أم لقوّة في الإمبراطوريات التي تستظلّ بظلّها. السّؤال الأكبر هو : إذا كان موقف رجال الدّين حيال الإمبراطورية الرّومانية كان ضعيفا بسبب ضمور الحركة الحقوقية في تلك الأيّام وعوامل أخرى فلأيّ سبب خضعت الكنيسة اليوم للدّولة الغربية في حربها ضدّ الإسلام والحال أنّ الحركة الحقوقية ـ في الغرب نفسه ـ تحمي كلّ مقهور يريد التّحرّر؟ الكنيسة الأوربية لو أرادت عدم الإنخراط مع الدّولة الأروبية في الحرب ضدّ الإسلام لكان لها ما أرادت. ولكنّها أرادت الإنخراط في هذه الحرب. السّؤال هو : هل تحمل الكنيسة ضعفها في أحشائها وهل أنّها مجبولة منذ البداية على الإنخراط في الجور والقهر بإسم الدين خاصّة؟ الحصيلة الكبرى هي : ماذا بقي منها إذن؟ ماذا بقي من كنيسة لا هي تقنع بعقيدتها التّثليثية أحدا ولا هي محلّ إقبال من أهلها عليها ولا هي تلزم الحياد على الأقلّ ولا تنخرط في المعارك إلى جانب المعتدي؟ أيّ مستقبل لمؤسّسة دينية هذا وضعها؟

خلاصة القراءة

المسيحية دين مؤقّت لبّى حاجة مرحلة معروفة. وليس في رحمها الفكريّ ما يلبّي حاجات عصور قابلات. ناهيك أنّ عقيدة التّثليث نفسها لا تشبع عقلا. إنّما هو إتّباع أعمى تؤجّجه معارك أخرى من خارجه. المسيحية عبر التّاريخ الممتدّ عشرين قرنا أظهرت بالتّجربة أنّها لا تقوم بنفسها إلاّ بحبل من الرّومان أو بحبل من الغرب الفلسفيّ النّافذ اليوم. ولو سقط الغرب ونشأت حضارة أخرى لتعلّقت بها المسيحية التي هي عبء حضاريّ دوما على أيّ قوّة تحميها أو تستعين بها على أعدائها. ومن ذا تروّمت المسيحية أوّلا ثمّ تغرّبت وتعلمنت وتأوربت غير مبالية وهي من أغنى مؤسّسات الأرض اليوم. الأصل أنّ المسيحية أدنى إلى الإسلام من غيرها مثل اليهودية بسبب الإشتراك في الصّفة الكتابية. ولكنّ التّاريخ أثبت ضدّ ذلك بالكلية. لماذا؟ الجواب عندي هو لأنّ المسيحية لا تقوم بنفسها. كالثّكلى التي لا بدّ لها من قوّام عليها. ثكلت المسيحية في قياداتها الدينية المخلصة لدينها وكتابها وليس في عقيدتها التّثليثية حتّى وهي لا تقنع طفلا يلهو. ومن ذا كانت دينا لمرحلة محدّدة ثمّ قضت وطرها وإستنفدت أغراضها. وعندما تنغمس الكنيسة في العبث الجنسيّ إغتصابا ولواطا وتشيع الفاحشة في أركانها ورجالها فإنّ رصيدها القيميّ يزداد ضعفا عند النّاس وتكون لقمة سائغة في يد الدّولة بأكثر ممّا كانت. والدّولة الغربية في الأغلب تجيّشها لتشويه الإسلام والحدّ من إندياحه. وصدق الحقّ سبحانه : يا أيّها الذين آمنوا إنّ كثيرا من الأحبار والرّهبان ليأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله. وصدق الحقّ سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى