اراءاهم الاخباررأي رئيسي

القتل الرحيم بين الإسلام والغرب

أقرّت لأوّل مرة أعلى سلطة قضائية في ألمانيا ( الهيئة الفدرالية العليا لحماية الدستورـ وتسمّى بمكان وجودها : محكمة كارلسرو ) حق الإنسان في الموت أو الإنتحار وحقه في الحصول على ذلك وحق الطبيب المعالج في تقرير ذلك والمساعدة عليه وذلك يوم الإربعاء 26 فبراير 2020 وعدّت هذه المحكمة العليا بذلك الفقرة 217 من مجلة العقوبات الألمانية قانونا لا دستوريا وهو منصوص عليه منذ عام 2005. ومعلوم أن دولا أوربية كثيرة تبيح الحق في الموت الرحيم منها على سبيل الذكر هولندا وأغلب البلدان الإسكندينافية وبلجيكا وسويسرا ولكسمبورغ وفرنسا وإيرلندا وإيطاليا ومنها الهند كذلك وبعض مقاطعات الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها عدا أن تلك الإباحة تختلف في طرق تنفيذ ذلك القتل الرحيم بحسب تقدير الطبيب أو طلب المريض كما تختلف بحسب تفاصيل الطريقة نفسها وغير ذلك. كما نشأت معارضات في ألمانيا لهذا القانون الفدرالي الجديد من بعض الأحزاب السياسية ومن الطبقة الدينية في بعض الكنائس ولكن يظل الأمران يعتلجان بحرية : حق المعارض في التعبير عن رأيه وحق الدولة ومؤسساتها في سنّ القوانين التي تراها أنسب

النظر الشرعي لدى المجلس الأروبي للإفتاء

عالج المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هذه القضية وأدرج تقريره النهائي فيها في كتاب الفتاوى والقرارات ( الجزء الأوّل الخاص بالفترة من 1997 حتى 2010) وجاء في الصفحات ( من 96 حتى 101) ما يلي : وبالنسبة لتيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش الإصطناعي عن المريض الذي يعتبر في نظر الطب ميتا أو في حكم الميت وذلك لتلف جذع الدماغ أو المخ الذي به يحيا الإنسان ويحس ويشعر وإذا كان عمل الطبيب مجرد إيقاف أجهزة العلاج فلا يخرج عن كونه تركا للتداوي فهو أمر مشروع ولا حرج فيه وبخاصة أن هذه الأجهزة تبقي عليه هذه الحياة الظاهرية المتمثلة في التنفس والدورة الدموية وإن كان المريض ميتا بالفعل فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر نظرا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف بنفقات كثيرة دون طائل ويحجز أجهزة قد يحتاج إليها غيره مما يجدي معه العلاج. سمّي هذا ( قتل المرحمة ) وجاء ذلك في قرار عدد 42 (3 ـ11) وقبل هذا القرار إستعرض المجلس أنواع قتل المرحمة منها القتل الفعّال أي إعطاء المريض جرعة قاتلة بنية القتل وهو ثلاثة أنواع إما حالة إختيارية بطلب من المريض أو حالة لا إرادية إذ يفقد المريض الوعي والطبيب هو من يقرر ذلك أو حالة لا إرادية بالضرورة ككون المريض غير مميز أو معتوها. ومنها القتل غير المباشر وهو إعطاء المريض عقاقير مسكنة لللآم ومع مرور الوقت يفضي هذا الى الموت. كما ناقش المجلس أهم الأسباب الدافعة سيما في الغرب إلى قتل المرحمة ومنها الفلسفة اللادينية وأن القتل الرحيم راحة للمريض أو تخفيف من المعاناة التي يتحملها أهل المريض أو تخفيف الأعباء المالية وغير ذلك. ثم إنتهى المجلس إلى تحريم قتل المرحمة الفعال المباشر وغير المباشر وتحريم الإنتحار والمساعدة عليه وعدّ ذلك قتلا للنفس مخالفا لقوله سبحانه : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. كما أنه يحرم على المريض نفسه قتل نفسه ويحرم على غيره إعانته على ذلك ولو بطلب منه كما لا يجوز قتل المريض الذي يخشى إنتقال مرضه منه إلى غيره ويمكن إستخدام الحجر الصحي وما إلى ذلك من الوسائل وهو ضرب من ضروب الدواء التي أشار إليها عليه السلام في حديثه الصحيح المتفق عليه : ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء

الغرب ينتحر ويحفر قبره بيديه

المقصود به هو الغرب الفلسفي من جهة والغرب الأروبي كذلك بشيء من التجوز والنسبية من جهة أخرى والغرب الصانع للتوجهات والأفكار من جهة ثالثة. هذا الغرب في حالة إنحدار قيمي رهيب إذ هو تبعا للفلسفة الدينية المشوهة أو اللادينية أصلا التي يعتنقها يظن أن الإنسان يملك نفسه ملكية تامة وأن الحرية ليست نعمة إلهية يسأل عنها ككل نعمة بل هي كشف غربي ككشف المعادن والطاقة. تلك الفلسفة هي التي في حالة جناية محققة على ذلك الغرب الذي يتقدم في سنّ المعالجات المراهقة التي تسرّع من وتيرة إضمحلاله ومنها على سبيل الذكر

تجفيف منابع الرحم

ينطلق الغرب الفلسفي من عقيدة قوامها أن الإنسان الجديد عبء أو هو فم فاغر يطلب أكلا وشربا ويكلف الأسرة مالا وجهدا ونصبا وأن قدّ المرأة وقوامها ورشاقتها من الخطوط الحمراء التي ما ينبغي الإقتراب منها وأن جمالها هو رأسمالها وبذا تحولت الحرية عند كثير من الغربيين من نعمة إلى نقمة إذ أشربوا هذه العقيدة الفاسدة وغرهم ما يجدون من رغد عيش وحقوق شخصية وإنطلقت المرأة بصفة خاصة تقفر بيتها وتصحر أسرتها وتطلب اللذة الجنسية خارج العش الزوجي فهي متاحة ولكن عليها أن تؤمّن هي لنفسها بنفسها قوت يومها وكانت النتيجة أن تجففت الأرحام وهي أروبيا الدنيا في الأرض كلها. ولمّا ظهرت دعوات إصلاح ونذر فيهم ( إيفأ هرمان ) مثلا أطردت على الهواء مباشرة إذ كانت مقدمة برامج تلفزية فإنكفأت المسكينة على نفسها تؤلف الكتب وتدعو إلى العودة إلى الفطرة الآدمية كما أسمتها هي. ولما شعر السياسيون بالخطر الداهم الكفيل بالقضاء على العنصر الألماني ( مثلا ) وربما هو الأكثر قابلية بسبب التجفف الرحمي إلى الإندثار قامت المستشارة الألمانية بحركة ذكية ظاهرها عملا إنسانيا إغاثيا لزهاء مليون سوري شردتهم الحرب وباطنه حركة عمرانية ذكية جدا تنقذ العنصر الألماني من سحت محقق تشي به الأرقام التي تتميز في ألمانيا بالشفافية المطلقة ولكن الحمقى هنا قابلوا تلك الحركة الذكية جدا والوطنية جدا بمزيد من إستقذار الأجانب وبغضهم وصدق الشاعر القائل : ذو العلم يشقي في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

إباحة الشذوذ الجنسي والدفاع عنه بالقانون الدستوري

ثانية الأثافي التي تجهز الغرب الفلسفي ـ سيما أروبا ـ إلى قبره هي الشذوذ الجنسي أي اللواط بين الفحول والسحاق بين النساء وهو أمر أقرته بعض البلدان الأوربية منها ألمانيا وهولندا وغيرهما إقرارا قانونيا بل إن المناخ العام من سوء إستيعاب نعمة الحريات والحقوق الفردية توسع في ذلك حتى أضحى مجرد إنتقاد هذه الظاهرة عدوانا على الدستور وعدوانا على الحريات الفردية نفسها وهو غلو مبالغ فيه إلى حدود قاتلة سيدفع الأخلاف منهم أثمانها باهظة يوم لا تنفع ندامة. في ألمانيا وحدها أكثر من خمسة ملايين شاذ يلتقون مرة في السنة ويحتفلون ويلقون الحماية من السلطة. المشكلة تظل مغلوطة والمعالجة مقلوبة إذ تناقش على أساس أحادي أنها حرية شخصية فحسب. إذ أن أكثر ما يخل بالقيم هي تناولها الأحادي إذ هي قيم مركبة معقدة ومن ذلك أن الحرية الشخصية التي تتبرج في الشارع العام وتدعو إلى شذوذها غير المعروف في السالف وتفرض نمطها القيمي الجديد على الناس فرضا وينحاز القانون إليها حماية ما يجب هنا أن تعالج على أنها حرية شخصية فحسب ولكن يجب أن تعالج أنها حرية شخصية من جانب وحرية مجتمعية عامة تضامنية من جانب آخر وبذلك يقع ضمان الحريات الشخصية حتى لو كانت شذوذات قاسية ضد الفطرة من جهة ويقع ضمان الأغلبية الصامتة وتأمين حقوقها الجمعية وحرياتها في أن تستصحب النمط المعروف الموروث من جهة أخرى. وليس الحول سوى الإنحياز إلى هذا فتتغول الدولة وتذكرنا بأيام التغول الشيوعي في الإتحاد السوفييتي السابق سحقا لكل حق ولكل حرية أو إلى ذاك فيتغول الفرد والحريات الفردية وعندها لا مناص للسفينة التي تقلنا جميعا وعينا أم لم نع من التعرض للثقب والنقب والنتيجة غرقنا جميعا. ليت شعري أليس العقل الأروبي أجدر منا بسنوات ضوئية أن التوسع في حماية الشذوذ الجنسي كفيل في غضون عقود فحسب بإنقراض العنصر بالتمام والكمال؟ أليس الإنسان يولد من تلاقح مني ذكري بجدار رحمي أنثوي؟ إذا كان الشذوذ لا يلبي لا لذة جنسية ولا يصنع إنسانا جديدا فأي حاجة إليه إذن؟ أليس العقل الأروبي عقلا تجريبيا علميا غائيا؟

صدق الله سبحانه : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

القتل الرحيم

وثالثة الأثافي ( وهي الجديدة في ألمانيا ) هي دعم مسار يغذ السير نحو الموت والقبر غذا عجيبا بالقتل الرحيم والمساعدة عليه وتوسيع أسبابه كما مرّ بنا آنفا. العود دوما هو إلى الفلسفة في الحياة وشتان بين من يعد أنه ملك للباري وحده فهو يحييه ويميته متى شاء وكيفما شاء وبين من يعد نفسه ملكا لنفسه بالكلية والإنسان عندما يترك لنفسه فإنه لا يأمن على نفسه غلبة الأهواء والشهوات والعثرات عندما يتعلق الأمر بالوجوديات العظمى. لقد صدق من قرر منذ قرون وعقود أن الفلسفة الغربية هي فلسفة موت الإنسان بأتم معنى كلمة موت الإنسان فهي عقيدة تحفر للإنسان قبره بل تجعله هو من يحفر قبره بيديه ويتجرع السم أنه دسم

الخلاصة

تلك هي الحقيقة التي يصرخ بها عقلاء الغرب أنفسهم ممن كتب منذ عقود وسنوات أن الغرب في طريقه إلى الموت البطيء وها هي الخطوات تترى لتعجل بذلك الموت فمن سوء فهم للحرية على نحو تلغى فيه البيوت والأسر ويوأد الإنسان قتلا خفيا بما يجفف منابع الرحم إلى إقرار القتل الرحيم مرورا بقطع النسل بطريق الشذوذ الجنسي فإن النهاية وشيكة بخلاف ما نظّر له ( فوكوياما ) قبل عقود في كتابه الذي إتخذته الفلسفة الغربية الحديثة إنجيلا : نهاية التاريخ. كان عليه أن يقول : نهاية الغرب. إذ ينتهي الغرب فلسفيا ولكن التاريخ لا ينتهي إلا عندما يأذن رب التاريخ بذلك. الغرب الفسلفي اليوم يذكرنا بما نقرأه في القرآن الكريم عن عاد الذين طغوا في البلاد وعن ثمود الذين جابوا ( أي جوفوا ) الصخر بالوادي وقالوا من أشد منا قوة؟ واجبنا من حيث أننا جزء من الوجود المسلم الأوروبي هو الكتابة والتأليف والترجمة ونشر ما يمكن أن ينشئ حوارا حول هذه القضايا بلسان أروبي قح سليق وبأدوات علمية لا نعدمها تعويلا على قوم يلزمون الكتاب كما نلزم نحن الركون إلى الكسل والتكلان. أملي أن تتحرك الأقلام وأن تكتب الكتب وتنشر ولها قارؤوها إذ أننا لا نتشفى تنكيلا في عنصر من عناصر البشرية ينقرض أمامنا إنما واجبنا الديني هو حمايته من ذلك قدر الإمكان والله سبحانه يقضي ما يشاء

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق