اراءرأي رئيسي

العلوم والمعارف : سلاح مقاومة بيد الوجود الأروبي المسلم

هذا ندائي المتكرّر في كل مرة بمناسبة سنة دراسية جديدة إنطلاقا من بعض المبدئيات منها أن الوجود الأوروبي المسلم في حالة غير مسبوقة فلا هو صغير الحجم لا يؤبه له ولا هو متقلد لمنازل الإستعصاء عن الإزاحة والتهميش من ناحية وهو محلّ حرب ظالمة تسلط عليه من دوائر دولية وأهلية يجمعها الحنين إلى ما أسماها الأوروبيون أنفسهم حروبا صليبية من ناحية أخرى ومنها أن سنن الله تجري على هذا الوجود إذ لا سبيل إلى إستعصائه إلا بتسلق مدارج المقاومة ومنها قطعا : صف واحد مرصوص حتى وهو مختلف متنوع متعدد و قوة مالية إقتصادية إستثمارية وعلوم ومعارف في صدور شبابه ذكورا وإناثا إذ لا ينقصنا عدد ولا عدّة ولكن لا نحسن إستثمار ذلك على أن سلاح مقاومتنا موجه بالدرجة الأولى إلى صدورنا نحن عسانا نرتفع بوعينا حيال دور العلوم والمعارف في نحت مكان لائق بهذا الوجود الواعد ولعلنا نعي أنه بدون صف واحد متنوع فلا تقدم بل مزيدا من التأخر والشلل. نحن بهذا نقاوم أنفسنا ولا نقاوم أحدا سوانا

العلوم والمعارف عبادة إسلامية

هذه مقدمة لا أظن أن لنا بها حاجة ذلك أنه من المعلوم من الدين بالضرورة لدى كل مسلم ومسلمة أن العلوم والمعارف في النظر الإسلامي عبادة وقربى وزلفى ناهيك أنه عليه السلام لم يتردد في بعث صاحبه زيد لتعلم السريالية وأنه إختار مشروع محو الأمية في واقعة بدر العظمى فقها منه أن إفتتاح الرسالة الأخيرة بالأمر ( إقرأ ) ثم تثنيتها بعد ذلك مباشرة بسورة أسماها هو نفسه سبحانه ( القلم ) لا يعني سوى أن الشرط المشروط الأكبر لتكون الأمة خير أمة أخرجت للناس هو تمكنها مما يرمز إليه أمر القراءة والقلم أي العلوم والمعارف والبحث والإجتهاد والنظر والتدبر في الكون لتسخيره بل ناهيك أنه قال عليه السلام ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) ولا داعي لا لأدلة نقلية ولا عقلية على أن الأمم العلوم والمعارف ما بقيت لأن ذلك معلوم من الحياة بالضرورة ولا خلاف عليه أبدا لولا أن وعينا به لم يتمحض بالكلية لتقديم فريضة العلم ـ و( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) كما قال عليه السلام ـ على نوافل العبادة

ضرورة التوازن بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية

هذه ناكية وعي أخرى ساهمت في تأخرنا قرونا طويلة إذ أن كثيرا منا مازال إلى اليوم يقدم العلوم الشرعية على العلوم الإجتماعية والكونية وكأنه لم يقرأ ـ أو قرأ ولم يفقه ـ قوله سبحانه في آخر آخر ما نزل أي سورة التوبة التي يدلنا فيها على توفير ذلك التوازن ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) أي أن نفير الأمة كلها إلى ضرب واحد من ضروب النشاط حتى لو كان ذلك النشاط هو الجهاد لتحرير الناس وتحصين الأمة هو تنكب للتوازن ومفارقة للإعتدال. لم يتردد عليه السلام أن خلع على رجل عالم بالحروب وعلومها ( هو خالد إبن الوليد ) لقبا متألقا ( سيف الله المسلول ) بمثل ما خلع ألقابا أخرى على رجال آخرين برزوا في علوم شرعية ( حبر الأمة مثلا أي عبد الله إبن عباس ) وذلك حتى يعلمنا أن العلوم كلها والمعارف كلها مطلوبة على قدم المساواة للأمة وللبشرية فلا فضل لعلم على آخر إلا بقدر حاجة الناس إليه حتى لو كان ذلك العلم هو علم شرعي خالص. نحن نرزح تحت ناكيتين إذن : ناكية عنوانها أن الجهاد لطلب العلوم وتحصيل المعارف ليس عبادة أو عبادة متأخرة منقوصة وناكية أخرى عنوانها أن العلوم الشرعية والمعارف الدينية مقدمة على العلوم الأخرى والمعارف الكونية والإجتماعية

العلوم والمعارف قوة

تقدم آنفا أن الأمم والشعوب والحضارات لا تبنى بغير العلوم والمعارف يستوي في ذلك أن تكون أديانها صحيحة أم مزيفة وذلك بسبب أن الله سبحانه خلق لنا الكون لعمارته وتسخيره ولا يتم ذلك سوى بالعلوم والمعارف التي تلد بالضرورة الإكتشافات والمخترعات وكذلك بسبب أنه سبحانه خلق لعباده قانون التدافع الذي به تكون الحضارة والحركة والحياة لترتفع أمة وتنخفض أخرى ومن ذا فإن الأمم التي تنزع لنفسها مكانا لائقا فوق الأرض وتحت الشمس هي الأمم المتعلقة بالعلوم والمعارف. وبعد أن غرز الله فينا ذلك لم يتركنا عفوا من الوحي بل أنزل إلينا كتابا جعل فيها سورة مدنية أسماها هو بنفسه سبحانه سورة الحديد إيذانا منه أن مستقبلنا في الحديد وما يرمز إليه من قوة وصلابة تمكن من تسخير الكون وتحصننا ضد الغزوات وتجعل حياتنا رغدا. تقدم آنفا في صدر هذه القالة أن وجودنا الأوربي المسلم بحاجة إلى قوة مركبة من عناصر ثلاثة لا مناص منها وإلا أفترسنا إفتراسا ولو تحت أنظار عالم يتغنى بمنظومة حقوق الإنسان وهي : قوة الصف الواحد المرصوص حتى وهو متعدد بل هو متنوع بالضرورة إرادة إلهية وقوة المال وذات اليد في عالم يحتل فيه الفقير بل تنهب ثرواته الوطنية وقوة العلوم والمعارف في كل التخصصات

العلوم والمعارف في النظر الإسلامي رحمة وترق

العلوم والمعارف في الأعم الأغلب حقل محايد سواء بمعنى أنه متاح لكل شعب وأمة بغض النظر عن التدين أو التسيب ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) أو بمعنى أن العلوم والمعارف تستخدم بحسب هوى صاحبها فهي قوة قهر ونهب وسلب بيد غير المؤمن ( الولايات المتحدة الأميركية مثلا في محرقة هيروشيما وناكازاكي اليابانية في الحرب العالمية الثانية ) وهي قوة رحمة وتكريم بيد المؤمن ( ذو القرنين مثلا الذي أنقذ غير مسلمين لا يكادون يفقهون قولا من شر يأجوج ومأجوج ومثله يوسف عليه السلام الذي لازم العدل في توزيع الغذاء في سنوات العجف في مصر وما حولها إذ لم يمدّ مؤمنا ويحرم آخر). ومقتضى هذا الكلام هو أن فريضة الفرائض في حق الأمة اليوم هي منازعة غير المؤمنين على مكاسب العلوم والمعارف لكف أيديهم عن قصف الأبرياء بمنتجات العلوم ( القاذفات والراجمات مثلا في سوريا وغزة وغيرها ) ولإنتاج علوم صحيحة عن الأسرة والمرأة تترقى بالإنسان بحسب فطرته والسنن المحيطة وليس بحسب ما تقذف به مؤسسات الفساد والإثراء. فما دامت العلوم والمعارف في حوزة غير المؤمنين بالله وكرامة الإنسان فإنه على البشرية إنتظار مزيد من النهب والسلب والقهر والإفساد مادة وإجتماعا معا

العلوم والمعارف أسلحة الأمم المحاصرة المقهورة

لنا في التاريخ القريب المعاصر مثالان هما ألمانيا واليابان إذ حوصرتا في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي غنمها أعضاء الحلفاء وخسرها المحور فما كان من هذين الشعبين إلا أن لزما الظل وتأخرا إلى الوراء بعيدا عن الأضواء وظلا يرممان بلديهما بالعلوم والمعارف بناء وإعادة بناء حتى برزا إلى الوجود مجددا بعد نصف قرن فملكت إحداهما ( ألمانيا ) بناصية المال والإقتصاد وظلت تتصدر البلدان المصدرة في العقدين الأخيرين حيث ضرب العالم بأزمات مالية وإقتصادية عاتية بل فرضت في أثناء ذلك عملة اليورو الذي ساهم في توحيد أوربا إقتصاديا وإستثماريا وإنتاجيا وصنعت الأخرى ( اليابان ) مثلها تقريبا فهما اليوم قوتان دوليتان ولو أخلدتا إلى ندب الحظ أو التعلل بالقضاء والقدر أو مكنتا للقنوط منهما لكانا فريستين ناضجتين. ذلك مثل تطبيقي حي معاصر لوعده سبحانه ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) فلا يمد المؤمن لإيمانه ولا يحرم الكافر لكفره بل يمد العامل لعمله ويحرم القاعد لقعوده. الأمة الإسلامية اليوم في الوضع الألماني أو الياباني قبل عقود أي في حصار وسلب ونهب وقهر وإحتلال مباشر وغير مباشر فما يمنع شباب الأمة من صناعة قوة علمية ومعرفية في كل التخصصات والصبر على ذلك نصف قرن واحد؟ إنه مانع وحيد عنوانه : الوعي

ترجيح العلوم الإجتماعية اليوم على غيرها

مرّ بنا أن الترجيح بين العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية بلية مضحكة وسخرية ساخرة. أما عندما نوازن اليوم بين العلوم الإجتماعية ـ والعلوم الدينية والشرعية كلها من هذا الضرب ـ وبين العلوم الكونية التي سميت من لدن الأروبيين ظلما وزورا علوما صحيحة فإن الرأي عندي هو ترجيح كفة العلوم الإجتماعية والإنسانية بسبب أن الأمة في حالة تأخر بسبب تأخر الوعي وأنها مطالبة بقيادة الناس وتوجيههم وهذه المطالب توفرها العلوم الإجتماعية وليس العلوم الكونية مع أن ملازمة حد من الإعتدال هنا كذلك والتوازن بينهما مطلب لا مناص منه. الترجيح هنا على أساس المرحلة وليس على أساس إطلاقي. من هذه العلوم الإجتماعية التي نحتاج أن نوجه إليها شبابنا : علوم السياسة وعلوم الإجتماع وعلوم الإدارة وعلوم النفس وعلوم الفنون وعلوم اللغات والترجمات وعلوم التربية وعلوم التوجيه والتأثير والتواصل والإعلام وعلوم الفلسفة والمنطق غيرها من العلوم التي تساهم في صياغة رأي دولي وفي الترقي بالوعي وإعادة تشكيل العقل . هذا النوع من العلوم صاحب أرجحية اليوم

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق