أخباراهم الاخباررأي رئيسي

العلامة ابن عاشور وتصحيح الفكر والمفاهيم

ابراهيم بالكيلاني ( النرويج)
إن كتاب التحرير والتنوير للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، من أنفس كتب التفسير. وفيه من النكت العلمية ما يجعلك تستجلي به العديد مما غمض عليك من المسائل.
فهو جمع بين طريقتي أهل السلف والخلف، وخطّ لنا في هذا الباب قواعد لو أمسكنا بها لنجونا من حروب الفرق ونزاعاتها.
فله رحمه الله تعالى نظر عميق. وقد جهلته الصحوة، ولم تقف أثره بالقدر المطلوب. فمصنّفاته العديدة، بها من صفاء الفكر، ومتانة المنهج، وقوّة الحجة، وسلاسة العبارة، ما يكفي لبناء فكر جديد متجذّر وحديث.

15
وعندما نتابع قضايا واقعنا الذي ضاقت فيه الصدور، ولم تحتمل الرأي الآخر داخل دائرتها أو خارجها، ولم تتقدّم الأمة فيه إلا بقدر تأخرها وانتكاستها، حتى يصبح نمط التديّن أداة تفريق، والفتوى أداة توظيف.. ويغيب المقصود من الدين ومن الفتوى. لله درّه رحمه، كم كان ينظر بعيون الحكمة. انظروا إلى ما حبّره في كتابه (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) ففيه من أصول التفكير وقواعده، ما يجعل الفطرة، والحرية، والاحترام، والعلم قواعد الفهم الصحيح، وكم تُهنا في هذا الطريق. وكم أصاب الأمة من وهن في فهمها، لأنها حادت ولم تتوسّل بما يجب التوسّل به. وانظروا فيه إلى قوله رحمه الله وهو ينافح عن حرية النظر والتدقيق “لا يمكن كبت الفكر عن الحرية في المعقولات والتصورات والتصديقات”. وإذا تحدّث العلامة ابن عاشور فهو حديث عالم نحرير وليس حديث أو فتوى تغرير، ومما صوّره حول اختلاف منهج أهل السلف والخلف، الذي تحوّل إلى ساحة حرب دائمة، كلها جهل وتعصّب. ففي تفسيره لسورة الفاتحة، خطّ فيه من الدرر والجواهر، ما يجعلك تعيد القراءة مرات ومرات، وأنت مشدوه لحكمته وبُعد نظره “وكان السلف في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني، يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات، لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس. فلما نشأ النظر في العلم وطَلَبُ معرفة حقائق الأشياء وحدَث قول الناس في معاني الدين بمالا يلائم الحق، لم يجد أهل العلم بدا من توسيع أساليب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد. فقام الدين بصنيعهم على قواعده. وتميّز المخلِص له عن ماكِره وجاحده. وكلٌّ فيما صنعوا على هُدى. وبعد البيان لا يُرجع إلى الإجمال أبدًا. وما تأوّلوه إلا بما هو معروف في لسان العرب، مفهوم لأهله”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق