اراءاهم الاخباررأي رئيسي

“الديكتاتور المفضل” للديمقراطيات الغربية يهتز

لا يحرص دونالد ترمب على المجاملة، فجعل من عبد الفتاح السيسي “ديكتاتوري المفضّل” حسب تعبيره الفجّ في حضرة كبار معاونيه، على هامش أعمال قمة السبع الكبار المنعقدة في بياريتز الفرنسية في أغسطس/آب 2019.

لا تجرؤ الصياغات المنمقة والتعبيرات الملتوية التي يتمسك بها قادة أوروبا على البوح بنعوت فظة من قبيل “الديكتاتور المفضّل” أو “الطاغية المرغوب”، لكن ما أفصح عنه ترمب يصف تقليداً راسخاً في السياسات الخارجية للديمقراطيات الأوروبية والغربية عموماً في منطق تعاملها المزمن مع العالم العربي مشرقاً ومغرباً، بمعزل عن شعارات قيمية مرفوعة.

يمنح هذا المنطق الانطباع بأن حسني مبارك كان بالأحرى “ديكتاتوراً مفضلاً” زهاء عقود ثلاثة متواصلة، وأن زين العابدين بن علي بقي مستبداً مرغوباً للديمقراطيات الأوروبية والغربية، فهذا الأخير أحسن تشكيل خلفية مسرحية للتسويق الخارجي منحت انطباعاً زائفاً عن تونس المُحتقِنة تحت حكمه القهري الممتد زهاء ثلاثاً وعشرين سنة. يتشبّع تفضيل الاستبداد بحفاوة وبخاصة إن اختلطت الحسابات الاستراتيجية برائحة النفط وصفقات السلاح الضخمة التي تعجز في النهاية عن حسم حرب أو حماية منشآت.

يمنح التفضيل الغربي امتيازاً مرحلياً لزعماء مستبدين إن أسدوا خدمات استراتيجية لعواصم النفوذ الدولي من مواقعهم السيادية، فالسيسي هو أحد الشركاء غير الديمقراطيين للديمقراطيات الغربية، ويبدو جلياً أنه يحظى بامتياز خاصّ لدى ترمب بلا اكتراث بالديمقراطية.

تبقى الآصرة الوثقى صامدة على الرغم من مذابح الميادين، ولا تنفصم عراها مع تقارير حقوقية مثقلة بالأوزار، ولا تهتزّ شباكها مع صدمات كالتي حدثت مثلاً بعد واقعة اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ثم قتله في مصر في ملابسات أثارت الاشتباه بضلوع أمني في الجريمة.

أظهرت أوروبا سياسة براغماتية فائقة في تجاوز تحفّظات حسّاسة للغاية، حتى عندما أظهرت الجماهير الإيطالية غضبها من فاجعة ريجيني سنة 2016، أو عندما تحرّكت المظاهرات على مقربة من أروقة صناعة القرار الأوروبي بعد الفتك الجماعي بالمعتصمين في ميادين القاهرة سنة 2013.

عدّت السياسات الخارجية الغربية الجنرال عبد الفتاح السيسي شريكاً موثوقاً ومتعاوناً استراتيجياً من مركز العالم العربي، فغضّت الطرف عن عهده المثقل بالانتهاكات الجسيمة، وهذا بعد سنتين فقط من التغنّي الكرنفالي بالربيع العربي وتملّق شبان الميادين المنتفضة، الذين كسبوا دروع تقدير غربية صدأت بعد إدخالهم السجون مجدّداً أو ضاعت بعد تناثرهم في المنافي القسرية.

قدّم السيسي ذاته لأوروبا راعياً لأولوية “الأمن والاستقرار في المنطقة”، وهي مقولة تُساق أحياناً كناية عن الإمعان في البطش والقسوة والتنصّل من المواثيق الحقوقية والالتزامات الإنسانية. حرص الممسك بزمام الحكم في بلد النيل فوق ذلك على إبراز دوره الضامن لمصالح إسرائيلية مغلّظة، ودأب على إطلاق تصريحات سخية في هذا الشأن على مسامع المسؤولين الغربيين، حتى زلّ لسانه خلال خطاب ألقاه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2017، فحضّ على “أمن المواطن الإسرائيلي وسلامته.. جنباً إلى جنب مع أمن المواطن الإسرائيلي وسلامته!”.

ركّز السيسي على أدوار وظيفية محددة لا تخطئها العين، مثل “مكافحة الإرهاب والتطرّف”، وتحدّثت دعايته عن “ثورة السيسي الدينية” في إشارة إلى تغيير المفاهيم على طريقة الأنظمة الشمولية أو بأساليب “حروب الأفكار” المعروفة خلال الحرب الباردة. وحذّر السيسي أوروبا من “تطرّف” مسلميها، داعياً الأوروبيين لمراقبة المساجد، خلال استضافته في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2019.

لا يكفي هذا كلّه على أي حال، فكسب العواصم الغربية له مقتضياته المعهودة من التعاقدات والصفقات لتوثيق العلاقات واستمالة الدعم وضمان استدامة الغطاء الخارجي. جاءت صفقة طائرات “رافال” الفرنسية سنة 2015، المشكوك في جدواها الاستراتيجية بالنسبة لمصر، وقيمتها خمسة مليارات وربع المليار يورو، مثالاً فاقعاً لتشابكات المصالح بين باريس والقاهرة في عهد السيسي. ومثّلت التعاقدات الضخمة مع شركة “سيمنس” الألمانية نموذجاً آخر للخطوط المفتوحة بين برلين وعهد “الديكتاتور المفضّل” بتعبير ترمب، وهذا كلّه غيض من فيض التشابكات المصلحية القائمة.

التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يسار) الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (يمين) في قصر بيليف في برلين.
التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يسار) الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (يمين) في قصر بيليف في برلين. (AA)

لم تهترئ الامتيازات التفضيلية التي حظي بها السيسي من ديمقراطيات غربية طوال ستّ سنوات من حكمه، على الرغم من التطوّرات والوقائع الجسيمة التي تشمل الزجّ بعشرات الألوف في السجون والتوسّع في أحكام الإعدام، والزج برئيس منتخب ديمقراطياً في السجن الذي أفضى به وبابنه إلى القبر.

ولم تلقَ مناشدات أطلقتها جماهير مصرية تظاهرت حول العالم بضرورة مراعاة الالتزام بحقوق الإنسان في العلاقات مع القاهرة. من ذلك ما جرى في يونيو/حزيران 2015 عندما نجحت ناشطة حقوقية مصرية في الظهور خلال مؤتمر صحفي مشترك في برلين جمع السيسي بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل. أطلقت الشابّة صيحة مدوية بالألمانية على مرأى من الإعلام العالمي “السيسي قاتل، إنه فاشيّ!”. لم تلقَ الصيحة كسابقاتها آذاناً مصغية، وظلّ القابض على السلطة في مصر ضيفاً مبجّلاً على الديمقراطيات الغربية، ومضيفاً لها أيضاً في لقاءات ومؤتمرات شتى على مرأى من كاميرات الصحافة.

كان واضحاً أنّ العواصم الغربية تخلّت بدءاً من سنة 2013، أي منذ انتهاء حفل تكريم “الربيع العربي”، عن إظهار الحرص على دعم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في الدول العربية الرازحة تحت الاستبداد، فالأولوية تبقى لمنطق المصالح والحسابات الاستراتيجية ومكافحة “الإرهاب والتطرّف” وكبح تدفقات الهجرة نحو الشمال.

وتجاهلت العواصم الواقعة على جانبي الأطلسي قدراتها على التأثير في سلوك الاستبداد “المفضّل”، وصرفت النظر عمّا يجري تحت أسماعها وأبصارها من فتك بالديمقراطية وقمع للحريات وامتهان للكرامة الإنسانية على أيدي أنظمة “مرغوبة”. كانت أوروبا والولايات المتحدة على معرفة دقيقة بالتطورات أوّلاً بأوّل، لكنها اكتفت في أقصى الحالات ببلاغات نمطية بخصوص حالات فردية من مشاهير المعتقلين المعروفين غربياً، دون تأثيرات عملية في الواقع.

ظلّ البساط الأحمر يُفرَش لكل “ديكتاتور مفضّل”، واضطرّ زعماء الديمقراطيات الغربية إلى الإنصات لخطابات سمجة وتصريحات مرتعشة يتلوها على مسامعهم زعماء صعدوا إلى الحكم بالسطوة المسلّحة. في أحدها، مثلاً، نصح السيسي أصدقاءه الأوروبيين عندما تحدّث في ضيافة الرئيس إيمانويل ماكرون بأنْ “لا تنظروا إلينا بعيونكم الأوروبية”. ومغزى القول الذي أدلى به في يناير/كانون الثاني 2019، أنْ دعونا نواصل أسلوبنا المعهود في الحكم بمعزل عن التذكير بمعايير الحريات وحقوق الإنسان وكرامة البشر.

ردّ السيسي بهذا القول الذي تلعثم في سرده على تلميحات ماكرون بشأن تدهور حقوق الإنسان على ضفاف النيل، لكنّ الانتقادات الفرنسية العابرة لم تكبح حزمة اتفاقيات أبرمتها باريس والقاهرة في الزيارة ذاتها وتابعت المصالح التدفّق في مجاريها المعهودة.

وجدت الديمقراطيات الغربية على هذا النحو هامشاً شكلياً في بعض المناسبات لإظهار التزامها الشكلي بالحقوق وحرصها الظاهري على الحريات ووفاءها اللفظي للديمقراطية، فدفعت ببلاغات وتصريحات خجولة كلما فاحت رائحة الانتهاكات، دون أن تترتّب على انتقاداتها تبعات في السياسة الواقعية.

لكنّ خلع “الديكتاتور المفضل” قد يجعله -أخيراً- “ديكتاتوراً” وحسب، في التعليقات الإعلامية والسياسية ضمن دول ديمقراطية أحجمت عن إسباغ نعت كهذا على أحدهم عندما كان متعاوناً معها في منصبه. كانت صورة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي مشرقة في المنصّات الأوروبية والغربية خلال عهده، على الرغم من وفرة التقارير المستقلة عن استشراء القمع والفساد آنذاك، ولم يُوصَف طاغية قرطاج بـ”الديكتاتور” في الصحافة الأوروبية إلا بعد فراره من شعبه تقريباً، وهي خبرة تكرّرت بطرق شبيهة مع حسني مبارك بعد طيّ صفحته المديدة في الحكم بإرادة الجماهير المصرية الغاضبة.

في ربع الساعة الأخير، أطلق ترمب على السيسي وصف “الديكتاتور المفضّل” الذي يشي بنظرة ازدراء ومنطق نفعيّ، لكنّ العلاقات التفضيلية مع الديمقراطيات الغربية لا تمنح امتيازاً مؤبّداً لأي مستبدّ من السابقين أو اللاحقين، مهما أوتي من محاباة خارجية أو حصانة من النقد أو إعفاء من المساءلة، وهي عظة تتجلّى في ساعة الحقيقة عندما تؤول الكلمة إلى الجماهير الغاضبة في الميادين.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق