أخباراراءاهم الاخبار

الخمار ليس رمزا دينيا

صادق البرلمان الألماني في الأيّام القليلة المنصرمة على مشروع قانون يحظر الظّهور غير اللاّئق في المقرّات الرّسمية للبلاد. وبمثل ذلك صادق على القانون ذاته المجلس الفدرالي. وعلى عجل ملفت للإنتباه وضع القانون بين يدي رئيس الدولة حتّى يصادق عليه ليكون قانونا ساري المفعول. ومعلوم بالتّجربة أنّ المقصود من هذا إقصاء المسلمة الأوربّية من تولّي الوظائف العليا في الدّولة الألمانية وحشر الوجود المسلم الأوربّيّ في زاوية ما يسمّيه الإعلام الأروبيّ : المجتمع الموازي. وهي مقدّمة لتفكيك هذا الوجود وتلويث هويته وإرغامه على الإندماج الإمّعيّ في العقيدة الغربية. حدّد هذا القانون مقاييس هذا الحظر. منها حمل رمز دينيّ لا يتلاءم مع المذهب العلمانيّ الذي عليه الدّولة الألمانية. ومنها حمل علامة غير محايدة بما يؤثّر على صاحب الدّين الآخر. ومنها الظّهور اللاّئق الجميل. ولذلك منظور أن يشمل هذا القانــون ـ إلى جانب حظر الخمار ـ حظر الوشوم التي يرسمها الأوروبيّون على أبدانهم. والخشية هي أن تتوسّع بعض الحكومات المحليّة في تنفيذ هذا القانون لأجل إقصاء المسلمة من العمل وفق مؤهّلاتها العلمية ومهاراتها المعرفية. ولنا هنا سابقات سيّئة سيما في القطاع التّربويّ والتّعليميّ. عدا أنّ كلّ من وقع طردها بسبب خمارها أنصفتها المحكمة الدّستورية العليا ـ المعروفة بمحكمة كارلسرو ـ ولكن بعد مضيّ شهور بل سنوات. هي إذن لبنة أخرى من لبنات التّضييق على الوجود المسلم بضغوطات من الأحزاب اليمينية ورعاة الإسلاموفوبيا وظواهر الخوف من الإسلام

الخمار ليس رمزا دينيا

الأصل هنا أن تفتح الدّولة الألمانية حوارا مع الهيئات التي تمثل المسلمين الذين يتجاوز عددهم ستة ملايين نسمة. وأغلبهم أتراك وسوريون. وذلك لأجل تحديد ما إذا كان الخمار رمزا دينيا وجب حظره أم لا. ذلك هو الأصل لو كانت الدّولة الألمانية تحترم نفسها. بل إنّ الباب الرّئيس هنا هو فتح حوار مع أهل العلم الإسلاميّ. إذ هم من يحرّرون القول السّديد في هذا الأمر. ولكن تتعالى الدّولة الألمانية بصلف وكبر لتمنح نفسها ـ من دون خجل أنّها علمانية في الآن نفسه ـ حقّ تصنيف الخمار أنّه رمز دينيّ. أليست لها هيئات طبّية تستشيرهم في تخصّصهم؟ ألم تكن مناسبة هذا الوباء (كورونا) فرصة للحوار مع أولئك؟ الأمر نفسه ـ لولا التّذاكي الأحمق ـ في هذه القضية. العجيب أنّ الدّولة الألمانية لم تستنر هنا حتّى برأي الجماعات الدينية التي ترعاها وتغدق عليها من مثل جماعة الأحمدية أو من يسمّون أنفسهم : مسلمون سابقون. ذلك أنّه لا يتجرّأ أحد بالقول أنّ الخمار هو رمز دينيّ. حتّى من هؤلاء فيما أظنّ. الخمار ليس رمزا دينيا إنّما هو واجب دينيّ كمثل واجبات أخرى. صحيح أنّ سلّم الواجبات متفاوت الدّرجات في دين يتّسع لتنظيم الحياة كلّها. ولكنّه يظلّ واجبا منصوصا عليه ـ بسبب وظائفه الكبرى ـ في القرآن الكريم نفسه. أي في المصدرية المرجعية الأولى والعظمى لهذا الدّين. وذلك في موضعين من سورتي : النّور والأحزاب. هذا الأمر معلوم من الدّين بالضّرورة. في الإسلام رموز. ولكنّ الخمار ليس منها. الإختتان رمز. ولو لم يكن كذلك لكان غير المختتن منقوص الإيمان أو معدوم الأهلية شهادة أو مثل ذلك ولكنّه من خلال الفطرة التي تضفي جمالا وزينة ونظافة وطهارة. ومثله المئذنة التي لا علاقة لها بالدّين بمعناه الحقيقيّ الموقوف. إنّما هي إختراع بشريّ من بعد النّبوة نفسها. ومن ذا فهي رمز تاريخيّ تراثيّ له ـ مثل الإختتان ـ وظائف عمرانية وجمالية ولكنّه يظلّ رمزا وليس دينا مدينا. الصّليب مثلهما. إذ هو رمز على أنّ عيسى عليه السّلام صلب. ولشدّة مركزية هذا الأمر الذي لا نعتقده نحن فإنّ الصّليب يملأ أرجاء أوروبا كلّها. وهو رمز دينيّ. الرّمزية هي الشيّء الذي لا يحمل في حدّ ذاته وظيفة وإنّما يشير إلى قيم ومعان أخرى. الخمار ليس رمزا دينيا. إنّما هو وظيفة قيمية وإجتماعية وأمنية كذلك. الفكرة المؤسّسة للخمار هي أنّ المرأة عندما تخرج من بيتها مختمرة فإنّ رسالتها إلى النّاس من حولها أنّي كنت في بيتي ـ مع زوجي مثلا ـ أنثى أمّا الآن فأنا لست أنثى. بل إنسانا كامل الإنسانية. وعلى قدم المساواة مع كلّ النّاس أقوم بواجباتي الإجتماعية ككلّ إنسان. وليس لي أيّ خصوصية. الخمار ليس رمزا دينيا إنّما يحمل الوظيفة القيمية المترعة بمعاني العفاف والطّهر والتّسامي الرّوحيّ. ولو كان الخمار رمزا دينيا لكانت رسالته عند حاملته أنّي أنا مسلمة أتحدّى غيري ممّن يحمل مظهرا آخر أو يدين بدين آخر. أو أنّي خرجت من بيتي مختمرة لأدعو النّاس إلى ديني بواسطة هذه الخرقة التي أحملها. لو كانت المختمرة تلك رسالتها لكان الخمار رمزا دينيا. ولكنّه غير كذلك. الخمار يحمل وظيفة أمنية كذلك. إذ أنّ من مقاصد الإختمار المذكورة في القرآن الكريم نفسه عدم الإنخراط في الأذى والمشاكسات والتّحرّشات التي تمتلأ بها مع مطلع كلّ فجر جديد بعض الصّحف الألمانية سيما بين رئيس المؤسّسة وبعض النّساء في تلك المؤسّسة نفسها. قال سبحانه مذكّرا بمقصد واحد وعلى النّاس إستنباط مقاصد أخرى يفرزها الواقع نفسه والتّفكير الحرّ : ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. أي أنّ الإختمار ـ ومنه إدناء الثّياب لستر العورات الدّنيا ـ يحمي صاحبته ويؤمّن لها حياة الإنسان ويصونها من أن تكون أنثى جارية تفترسها العيون الجائعة وتطاردها الذّئاب الكاسرة. أليس ذلك أدنى إلى إستتباب الأمن الإجتماعيّ والسّلم والتّفرّغ للإنتاج في أيّ حقل؟ بلى. ولكنّ العمى داء يصيب القلوب وليس الأبصار. تلك هي بعض وظائف الإختمار ولا علاقة لها بالرمزية الدينية ومن أدلّة ذلك أنّ عدم المختمرة لا تصنّف أنّها كافرة أو غير مسلمة أو مرتدّة. إنّما هي عاصية. وكلّنا عصاة هنا أو هناك. لو كان الخمار رمزا لما تخلّت عنه نساء كثيرات إمّا جهلا أو فسوقا أو لضرورات وحاجات. الرّموز شأنها خطير فهي لا تقبل مثل هذا. لو كان الخمار رمزا دينيا لجاء بيانه منذ الأيّام الأولى. ومعلوم أنّه جاء بيانه في آخر العهد النّبويّ كلّه. الحديث عن الرّموز مثل الحديث عن الشّعائر والشّرائع. الشّعائر في الإسلام أدنى إلى أن تكون رموزا. الصّلاة مثلا فيها المعنى الرّمزيّ. ولذلك تعجلّ بيانها. وفيها من الحركات ما قد لا تستنبط حكمته. ومثلها الطّواف حول الكعبة وعدد الأشواط وغير ذلك. كلّ ذلك يمكن أن يقال عنه أنّها رموز بسبب أنّ وظائفها عادة ما تكون مقصورة على صاحبها من جهة وعادة ما تكون معانيها وحكمها ومقاصدها ظنيّة. ومن ذا كان الأمر فيها تعبّديّا وليس على أساس التّعليل. عندما يكون هذا الأمر واضحا عند المسلمين في أوروبا يمكن لهم أن يدافعوا عن وجودهم وحقّهم ويحاجّوا غيرهم بعلم ومعرفة. المعنى الرّمزي هو معنى له علاقة بالفلسفة. وعندما يخلط ساسة بلاد الفلسفة ـ ألمانيا ـ بين المعنى الرّمزيّ والمعنى الدّينيّ فإنّهم يساهمون بوعي أحمق في هدم بلادهم وحضارتهم الكبيرة. أمّا الإسلام فله ربّ يحميه. ولم يكن خوفنا يوما ولن يكون على الإسلام ولا منه. إنّما خوفنا على ألمانيا. لو كان الإسلام ستنال منه مثل هذه الحركات المهزوزة لأندثر من أيّام أبي لهب وأبي جهل أو من أيّام إبن أبي سلّول. ولكن من يعتبر بالتّاريخ ويتّخذ الحياة مدرسة؟

الخمار ليس أمارة تأثير

العجب العجاب هو أنّ يعدّ الخمار الذي هو عملة نادرة في الحياة العامّة الأوربيّة أمارة تأثير يخشى منه على أصحاب الهويّات المهزوزة أو أصحاب اللاّهوية وألاّ يعدّ الصّليب مثل ذلك. إذا كان هناك رمز دينيّ يمكن أن يتأثّر به المرء في أروبا فإنّما هو الصّليب. بسبب أنّه يملأ النّهاد والنّجاء. وهو مرفوع في السّماء بمثل إرتفاع المآذن في البلاد الإسلامية. ولكن هل تمسّح مسلم تأثّرا بذلك؟. أبدا. وهل تأثّر مسيحيّ بخمار فأسلم. أبدا. إنّما يحصل التّأثّر السّلبيّ وفي الإتّجاه المضادّ. من يصدّق أنّ الخمار في أروبا هو علامة تحمل تأثيرات خطيرة ويخشى على النّاس من التّأثّر بها؟ هذا كلام لا يقوله صبّي لاه. ولكنّه الحقد الأعمى الذي يحوّل العقول إلى دكاكين مؤجّرة. هل تأثّر أحد بالعمامة السّوداء الكثيفة التي يحملها الهندوسيّ؟ أبدا. النّاس يتأثّرون بالفكرة والمعنى والخلق الطّيب. وليس بقطعة قماش تحملها مسلمة على خوف ووجل من فراعنة أوربا أن يبطشوا بها وبخمارها أو أن تطرد من عملها. هل حدث أن أسلم تلاميذ أو طلبة أو مرضى تعالجهم سيّدة مسلمة مختمرة؟ أبدا. التّأثير يكون عادة للغالب العامّ وليس للنّادر الشّاذ

ردّة علمانية تعصف بأوروبا

هل يظنّ هؤلاء المتاذكين أنّ غيرهم ـ سيما من المسلمين ـ لم يقرؤوا التّاريخ ولم يعرفوا منشأ العلمانية؟ لو كانت العلمانية من علوم الكيمياء أو الرّياضيات لكانت عصيّة إلاّ على من تجشّم عذابات التّعليم. ولكنّ العلمانية تنتمي إلى التّاريخ. قرأنا التّاريخ الأوروبيّ المعاصر وعرفنا أنّ العلمانية هي المعالجة الغربية بالغة التّعقّل في أيّامها والتي بها وضعت الحرب أوزارها بين الفئات الدينية المحتربة لعقود طويلات والتي خلّفت وراءها عشرات الآلاف من الضّحايا والأشلاء وعصفت بمدنيات وحضارات. عرفنا جميعا أنّ العلمانية هي نداء العقلاء في إثر إحتدام الحرب الدّامية بين معسكرين : معسكر الكنيسة ذات المنزع الإكراهيّ القهريّ مسنودة من القياصرة من جهة ومن الرّأسمال الفلاحيّ من جهة أخرى. ومعكسر الأحرار والعلماء الذين أعدم منهم كثيرون منهم : قاليلي وكوبرنيكوس. عرفنا أنّ العلمانية هي ثمرة مفاوضات طويلة مضنية بين تلك الطّوائف ـ سيما الكاتوليك ذي الأغلبية العددية والبروتستان ذي المنزع الإحتجاجيّ والتّطرّف الأروتودوكسيّ حول تأويلات وتفسيرات عقدية ـ. هي جولة أثمرت قيمة العلمانية التي منشؤها الأوّليّ الأصليّ هو : حياد الدولة والشّأن العام حيال الحرّيات الشّخصية والفردية للنّاس. تلك هي خلاصة العلمانية التي شيّدت أروبا على أنقاضها حضارة عظمى ومدنية كبيرة وتفرّغت لبناء أوطانها التي أنهكتها الحرب. وظلّ الأمر كذلك حتى ظهرت الحركة الإسلامية المعاصرة التي ما إن تسلّلت إلى الشّأن العام والدّولة والتّأثر حتّى إنقلبت العلمانية مرتدّة على عقبيها ناكصة على حماية الحقوق الفردية والحرّيات الشّخصية في مواجهة مخلّفات الحروب الصّليبية أو حروب الفرنجة بالتّعبير الإسّلاميّ الأصحّ. ومذ ظهور الحركات الإسلامية المعتدلة التي تعمل على تغيير موازين القوى سياسيا أصبحت لدينا علمانيتين : علمانية أوّلية أصلية عفا عنها الزّمان بسبب أنّ أصلها الغربيّ جنى عليها والعرق دسّاس كما هو معلوم هندسة وراثية. وعلمانية مرتدّة جديدة لا ترى للإسلام وجودا لا بإسم الحرّية ولا بإسم أيّ شيء. فهو عدوّ يجب أن يباد ولتذهب العلمانية إلى الجحيم

الخمار مظهر من مظاهر الجمال والزّينة

قيم الجمال والزّينة قيم نسبية في الأعمّ الأغلب. ألم يتغزّل الشّاعر العربيّ القديم بالمنتقبة وقال فيها : قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت براهب متعبّد؟ ومن يرى أنّ الخمار أمارة عدم تحضّر أو ترقّ أو جمال وزينة فذوقه عديم وماتت عاطفته وهو إلى عالم الدّواب أدنى. ولذلك إذا إختلفنا في نسبية الجمال فإنّ المحكّم هنا هو الذّوق الشّخصيّ. ومن رضيت بنفسها مختمرة فمن حقّها ذلك. ومن رضيت بنفسها منتقبة فمن حقّها ذلك كذلك. ومن رضيت بنفسها عارية سافرة حتّى إلى أبعد حدود السّفاحة فمن حقّها ذلك كذلك. بسبب أنّ الدّولة علمانية. وتلك هي العلمانية لمن يريد أن يكون وفيّا لعلمانيته. أمّا التّذاكي الفارغ فيحسنه كلّ فارغ

رضينا بالعلمانية وما رضيت بنا العلمانية

أعرف أنّ هذا يجرّ على قائله ويلات سهام سامّة ونصال حادّة أو نيران صديقة كما يقولون اليوم. أجل. في ألمانيا وأروبا ومن حيث أنّ الوجود المسلم الأروبيّ وجود أقلّيّ ومن حيث أنّ هذه الشّعوب رضيت لنفسها النّظام العلمانيّ وبه شيّدت دساتيرها فإنّه ليس لنا ـ واجبا شرعيا وليس تحليلا سياسيا ـ عدا الإعترف بالنّظام العلمانيّ إعتراف وجود واقعيّ. ولا يعني ذلك عدا الإلتزام بهذا النّظام سيما في الفضاءات العامّة وليس يعني ذلك إستبداله بالنّظام الإسلاميّ. الإعتقاد شيء وتنزيله شيء آخر. إعترف عليه السّلام بالنّظام القبليّ العصبيّ في مكّة وحتّى بعد مكّة. ومن ذلك أنّه رضي أن تحمى دعوته ـ وشخصه نفسه ـ بنظام قبليّ عصبيّ إستثمره خير إستثمار وذلك عندما رضي بأنّ يحمى من لدن عمّه أبي طالب لسنوات طويلات. أليس كان يمكنه أن يقول لك : بارك الله سعيك. أنت رجل مشرك ولا أستجير بمشرك؟ ألم يستجر نفسه عليه السّلام بمشركين عندما كان يطلب الأمن وينشد السّلام؟ بمثل ذلك سنّة مسنونة وأسوة نعترف نحن اليوم بالنّظام العلمانيّ إعتراف وجود واقعيّ وعلينا إستثماره لحماية الإسلام. وهو ممكن جدّا ولكن لصنفين من النّاس فحسب : العاملون وليس القاعدون والحصفاء من أهل الرّشد وليس من المتأثّرين بالخوارج القدم و(داعش) الجديدة

هذا القانون مضادّ للدّستور نفسه

يقدّس القانون الأساسيّ الألمانيّ الحرّيات الشخصية تقديسا وهذا أمر يشترك فيه مع الإسلام نفسه. ولكن أكثر المسلمين لا يعلمون ذلك إلاّ أمانيّ. بل إنّه يصطدم مع أكبر مرجعية قيمية لهذا الدّستور وهو الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان . كما يصطدم مع مرجعية المحكمة الدّستورية التي أنصفت كلّ من تقاضى لديها في حقّ الإختمار نفسه. وعندما يكون مجتمعا مجهّزا بمثل هذه الهيئة الدستورية العليا فإنّه لنا أن نفخر بهذا النّظام ولكن علينا أن نحسن إستثمار ذلك. ومن ذا فإنّ العقل يقتضي من الرّئيس الألمانيّ الفدرالي عدم تزكيته بسبب إصطدامه مع كلّ المرجعيات الدستورية والقيمية والعالمية. هذا القانون لو أمضي فإنّه سيكون شرخا من الشّروخ الكبيرة في النّسيح المجتمعيّ الألمانيّ الذي قال عنه الرّيس الألمانيّ نفسه (شتاين ماير) قبل أيام قليلات أنّ ربع المجتمع الألمانيّ بالتّمام والكمال من أصول أجنبية. وما لم يقله هو أنّ أزيد من ثلاثة أرباع من ذلك الرّبع ـ والرّبع كثير لمن يعقل في علوم الرّياضيات والإجتماع ـ هم مسلمون. وأنّ أكثر المسلمات إنّما لا يختمرن في الفضاءات العامّة خوفا من الطّرد وغير ذلك. ولو أتيحت لهن مناخات أخرى من الحرّية لكان لهنّ أمر آخر. ذلك هو الإسلام لمن يريد حسن فهمه بنسقه هو وليس كما يراد له سواء من بعض المسلمين أو من غيرهم. ذلك هو الإسلام لا يخاف لا عليه ولا منه. ولكن يخاف على النّاس أنّهم إذا منعوا منه وحيل بينهم وبينه فإنّ الثّمرة ستكون لهم مرّة كلّ المرارة. أي إقبالا على الإسلام. ولكن هل يعي النّاس هذا قبل فوات الأوان؟

هل أقول لكم : شكر الله سعيكم أم أقول لكم : العلمانية فضيلة لا يرتدّ عنها؟

القولان عندي سيّان. أقول لكم بحرارة : شكرا لكم إذا مضيتم في هذا القانون الجائر وذلك بسبب أنّ التّاريخ علّمنا ـ وهو المدرسة المفضّلة عندي ـ أنّ الإسلام إذا أراد الله له ولأهله إندياحا سلّط عليه مجرمين ظالمين يعتدون عليه وعلى أهله فيصبرون قليلا ثمّ يفتح الله له ولهم إندياحات ما كان لتخطر على بال. ولكن أقول لكم في الآن نفسه : العلمانية في الأرض الغربية ـ وليس في الأرض الإسلامية ـ فضيلة حدب عليها أسلافكم وهديت إليها عقول كبيرة وكانت محطة عظمى من محطّات المسيرة الغربية ذات الأصول اليونانية. ومن هنا فإنّ الرّدة عنها ـ عندي أنا ـ لا تكون إلاّ لمن هو خير منها. أي الإسلام. أمّا الرّدة عنها إرتماء في أحضان الصّهيونية والصّليبية وحركات سحق الحرّيات ومحق الحقوق فهي الرّدة إلى الشّقاوة. لا قابلات لأوطانكم إلا بالثّبات على العلمانية التي تعني الحياد الكامل حيال الحرّيات الشخصية والفردية والدينية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق