اراءاهم الاخباررأي رئيسي

الحديث النّبويّ : تساؤلات وشبهات

 

سؤالان وردا في الأيّام الأخيرة : أوّلهما لم لم تصلنا خطب الجمعة التي كان يلقيها عليه السّلام؟ وثاني الأسئلة : لم لم تصلنا أحاديثه التي كان بها يملأ الصّحابة في دار الأرقم؟ هناك صحوة في الأمّة دون ريب. ولكنّها مفعمة بقنابل شديدة الإنفجار في رحمها هي لأسباب منها أنّها صحوة مصنوعة في جزء منها. وأنّها غير عصيّة على الإستثمار في غير محالّها الطّيبة. بل وغير عصيّة في جزء من قياداتها على الإبتزاز والإختراق. وأنّها متنوّعة تنوّعا طائفيا في جزء مهمّ منه. وأنّ كثيرا ممّن تصدّى لحسن ترشيدها ذهبت ريحه بوجه ما. بكلمة واحدة : دفق الصّحوة وأزيزها أكبر من منابر التّرشيد بكثير والقانون التّجاريّ فيها عرضا وطلبا أشدّ ميلانا إلى طلب ظامئ عطشان وعرض شحيح فقير مدقع بل مغشوش أحيانا. المنابر الرّسمية غلب عليها الجمود المذهبيّ والتّقليد الفكريّ والهيمنة الحكومية. أمّا المنابر الأهلية فقد مزّقتها الإنتماءات الطّائفية والحزبية وأضحى المأمول فيه منها يتيما فقيرا بل محاربا. لم يعد للمسجد أيّ دور إيجابيّ في التّرشيد وإفترست ثورة الإتّصال المعاصرة وظيفة الأسرة وإستأثرت تلك الثّورة بمهمّات التّوجيه والتّعليم والبثّ بنسبة عالية وكبيرة. كلّ ذلك أنشأ مناخا شديد التّشوّه وبالغ التورّم ومن ذلك المناخ تتغذّى الصّحوة في العقود الثّلاثة الأخيرة

حساسية الحقل الحديثيّ في الإسلام

أصلان هما نبراسي هنا : الأصل الأوّل هو أنّ التديّن سلاح ذو حدّين. فهذا عليّ عليه الرّضوان وهؤلاء الخوارج. نهلا من الإناء ذاته. وكان يومها نقيّا رقراقا صافيا ولكن إفترق تديّن كلّ منهما عن الآخر حتّى كان له نقيضا. ذلك أنّ الله سبحانه وعد بحفظ الدّين وليس التديّن. إذ لو حفظ التديّن لنزع عن صاحبه قيمتي الحرّية والمسؤولية معا. الأصل الثّاني هو أنّ الحقل الحديثيّ لم ينصفه التّاريخ كثيرا. إذ إمتلأ بالموضوعات من جهة لولا جهابذة ملاحم الجرح والتّعديل وإتّخذ سلاحا ماضيا فتّاكا من لدن أكثر الفرق المتبارزة المتهافتة على نفي بعضها بعضا من جهة أخرى. ومن جهة ثالثة أقلّ شأنا فإنّ الحديث أهمل في تدوينه جانبه الملابساتيّ أي مناسبة الحديث. من أكبر الدّوافع إلى ذلك عند (العلماء) عدم الظّفر في القرآن الكريم بما يمزّق الأمّة أو يجعلها طوائف ومللا ونحلا ينحر بعضها بعضا بإسم الدّين. إذ ظلّ القرآن الكريم ثابتا على بوصلته المنهاجية العظمى. فكان فرقانا جلدا بين الإيمان والكفر والهدى والضّلال والحقّ والباطل. ومن أكبر الدّوافع إلى ذلك عند المقلدّين تأبّي القرآن الكريم عن الخوض في الفروع والجزئيات وإعتصامه دوما بالأصول والقواعد والأركان والقيم والمباني والمقاصد. الحديث ذو طبيعة أخرى لأنّه مبيّن وشارح ومفصّل. وليس هو مؤسّس. غزا ذلك الخلط عقولا كثيرة في الغابر والحاضر سواء ممّن يريد الإنتصار لفرقته فلا يجد في القرآن الكريم ما ينصره أو ممّن يحشر أنفه باحثا عن معالجة كلّ جديدة صغيرة في القرآن الكريم فلا يجدها. ولولا جهود مضنية من المحدّثين من جهة ومن الفقهاء من جهة أخرى لكانت الكارثة أشنع عدا أنّ حبال الوصل بين الأمّتين(أمّة الحديث وأمّة الفقه) تتعرّض كلّما ضعفت الأمّة إلى غارات من هؤلاء وأولئك سواء بسواء. الحقل الحديثيّ حسّاس بمعنى أنّ الإجتهاد فيه مزدوج : رواية ودراية معا. وبمعنى أنّ ملابساته ومناسباته أكثر ممّا هي في القرآن الكريم بما لا يقارن. لأنّه كان يعالج بأقواله وأفعاله وتقريراته واقعا وتحدّيات ومشكلات عليه السّلام. وبمعنى أنّ زوايا النّظر في الحديث كثيرة. فلو أهملت واحدة منها فحسب ضلّ الفهم وضلّ في إثره التّنزيل. من زوايا النّظر التي لم يتقحّمها إلاّ قليلون غابرا وحاضرا : مقامات المشرّع وهو هنا محمّد عليه السّلام. ومن المعضلات الجنوح إلى الخصوصية بلا دليل. هوى أو جهلا أو حرجا وتأثّما. وظلّت بعض المواضع مفتوحة وهي صحيحة إنفتاحا لا يسرّ. ومنها على سبيل الذّكر (إرضاع الكبير) وغيرها ممّا قد يستخدم للتّنفير. خلاصة القول هنا أنّ أكثر الجهود بذلت في الرّواية وتأخّر كثيرون عن القراءة الجامعة الموضوعية للحديث في حقل واحد تأمينا للحكم أو لصوابية المعالجة وعن قراءة الأبعاد الشّاملة الممكنة للحديث الواحد. وكان البديل عن ذلك حصره في المعنى الدّينيّ فحسب وعن وصله بأصله القرآنيّ المؤسّس. وظلّت جهود العسقلانيّ والنّوويّ يتيمة. بكلمة واحدة : توجّهت أغلب الجهود في الحقل الحديثيّ إلى فحص الرّواية والورود. وهذا عظيم دون ريب ولكنّه يظلّ منقوصا. ومن مظاهر حساسية الحقل الحديثيّ كذلك أنّ الإعتماد عليه وحده لا يعالج شيئا. لأنّه ليس هو مؤسّس لا للدين والتديّن ولا لأصول معالجة الحياة بالدّين. قرّر الأصوليّون حاكمية القرآن على السنّة ولكن ظلّ ذلك في جزء مهمّ منه غير وفيّ في مباحث معروفة. نشأ الفصل بين السنّة والسّيرة في مرحلة التّدوين ولم يعرف هذا قبل ذلك. ونشأت ثقافة سيّئة قوامها أنّ الحاجة هي للسنّة وليس للسّيرة بالقدر ذاته. التّمييز بينهما مطلوب علما ولكنّ مساحات الإشتراك كثيرة. إستبعدت السّيرة أن تكون فقرة في التّديّن الفرديّ الخاصّ وهذا يفهم في مظانّه. ولكنّ إستبعادها أن تكون ـ أي السّيرة ـ هي الأصل الثّاني مباشرة بعد القرآن الكريم في المعالجات الإصلاحية وفي كلّ حقل عامّ أو شبه عام لم يكن موفّقا. وبذلك ظلّت السّيرة مادة دراسية فحسب. بل ألحقت بمادّة التّاريخ. يفسّر بعضهم مدافعا عن عدم حاجة السّيرة ـ دون السنّة ـ إلى موثّقات إسنادية بقوله أنّ السّيرة بسبب أنّها لا تحمل أحكاما عملية شرعية لا تحتاج إلى ذلك. هذا صحيح تمييزا بين الحقلين(السنّة والسّيرة) ولكن كان يمكن إسناد السّيرة نفسها سيما في بعض محطّاتها ودون ما دوّنه القرآن الكريم الذي عكف ـ على عادته ـ على إستنباط العبر. وممّا شاب الحقل الحديثيّ كذلك ـ ومن أهله أنفسهم ـ العكوف على ضروب من التّفريع والتجزئة والتّقسيم في أنواع الحديث. ومن ذا نشأت نزعتان. نزعة التشدّد في شروط التّصحيح حفظا للدّين ونزعة التّساهل في ذلك سيما عند الطّبقات اللاّحقة للمحدّثين (جيل التّرمذيّ) وظهر الحسن منزعا جامحا إلى التّصحيح. بل ظهر الحسن الصّحيح والحسن الصّحيح. وبذا رحلت طائفة من الحديث من مساحات الضّعف إلى مساحة الصّحيح سيما أنّ قنطرة التّرمذيّ الجديدة (الحسن والحسن الصّحيح) يسّرت ذلك. بل رحلت طائفة من الموضوعات أو شديدات الضّعف إلى الإتّجاه ذاته طمعا في مرتبة أعلى. ولكن لم يخل التّاريخ من الجهابذة الذين يذبّون عن الإتّجاه الذي سنّه البخاريّ. ومن أولئك إبن الصّلاح في مقدّمته التي حوت سلّما سباعيا ينصف الحديث. جاء ذلك السّلم للكسالى كما يقول العبد الفقير ممّن يحبس نفسه عن تنزيل التّوصيف الصّحيح للحديث الصّحيح تنزيلا صحيحا على أساس فحص السّند والمتن معا على قاعدة الإعفاء من آفتي العلّة والشّذوذ. عدا أنّ التّوصيف الجديد أليق مبنى لا معنى : عدم معارضة الأصول والنّقول والعقول. ومن المباحث الأصولية في الحقل الحديثيّ التي لم تحسم حسما باتّا : إستقلال السنّة بالتّشريع. هل هو إستقلال وظيفيّ تحت سقف إستئثار القرآن الكريم وحده بتأسيس التّشريع. أم هو إستقلال إستئنافيّ إبتدائيّ تأسيسيّ عملا بإحدى قالات الإمام الشّافعي تسوية مصدرية للسنّة مع القرآن الكريم. لا خلاف في الوظيفة التّبيينيّة التي صرّح بها القرآن الكرم مرّات. المطلوب التّقدّم على درب حدّ تخومها وضرب خطومها. من حصائل ذلك أنّ إعادة طحن المباحث المحسوم فيها من مثل عضوية السنّة في المنظومة التّشريعية أو عضوية كلّ من القول والعمل والإقرار لمنظومة السّنة ذاتها هو طهو للماء كما يقال. ذلك أنّ كلّ واقع جديد يزفّ إلى أمّة الإجتهاد تحدّيات جديدة. فإمّا تواجهها وتعالجها بما يناسبها أو تفعل هذه فعلها في الوعي العامّ

المشكلة فيما أنف تحريره

المشكلة الكبرى مزدوجة : مشكلة عدم إنسجام مطلوب بين المحدّثين وبعض الفقهاء وهو الأمر الذي عالجه الشّيخ الغزاليّ رحمه الله في كتابه الثّائر. مظاهر تلك المشكلة لو تبسط برفق كثيرة. المشكلة الثّانية بها تعمّ البلوى أكثر. إذ هي زهد المسلمين ـ سيما من المشتغلين في هذه الحقول من المتأخّرين ـ في المدوّنات السّالفة فقها وأصولا وقبل ذلك في المحاولات التّفسيرية للقرآن الكريم والإقبال على الحديث فحسب تقريبا. هذه مشكلة كبرى حقيقية تعصف اليوم بملايين مملينة من أبناء الصّحوة الإسلامية. حاكمية القرآن الكريم أضحت أصلا لا عبرة به. وخاصّة معالجة عملية. العلم بالسنّة مهما صحّ ودقّ وإكتمل وأجمع من دون تشبّع سابق صحيح بالقرآن الكريم ـ بسبب حاكميته التّأسيسية ومن دون رعاية لمباحث مهمّة وزوايا نظر أكثر أهمّية (وقعت الإشارة بإقتضاب إلى بعضها آنفا) ـ ينشئ تديّنا مشوّها مزيّفا مقلوبا دون ريب. هو مشهد لصوصيّ يتسلّق فيه السّارق الجدران الخلفية. ولو قدم إلى المركّب الإسلاميّ القارّ الشّاهق من بابه الرّئيس لوجد دليل الإستعمال الذي يوجّهه ويرشده. الوحي من قرآن وسنّة هو مرفق معنويّ لا يستقيم ولا يؤتي شفاءه من دون وصفة طبية ومن دون دليل إستخدام

عودة إلى بعض الأسئلة المطروحة آنفا

أوّلا : نهى عليه السّلام عن تدوين الحديث خشية أن يختلط بالقرآن الكريم. وهو يعلم أنّ القرآن الكريم محفوظ. ولكنّه يعلّم الذين نهاهم هذا الأصل الحاكم أنّ القرآن هو المرجع الأعظم وليس الحديث عدا بيان له. بل تبيين أبلغ. إذ البيان تكفّل به سبحانه في سورة القيامة. هذا عامل أثّر في حصر النّقل عنه عليه السّلام

ثانيا : محمّد عليه السّلام ـ طبعا ثمّ أدبا نبويّا ـ لا يتحدّث إلاّ لضرورة وحاجة. فهو يعلم أنّه القدوة الكاملة التي هي محلّ تأسّ. فلا ينبس ببنت شفة إلاّ لتكون فقرة من فقرات التديّن. وهذا عامل آخر تفهم به شخصيته عليه السّلام ويفهم به حقل الحديث

ثالثا : ظلّ يعلّم النّاس ـ سيما ممّن يأخذ عنه ـ التّمييز بين الوحي الدّينيّ الموقوف الذي هو إمّا يبلّغه أو يبيّنه وبين التدبير الدّنيويّ. بل حتّى في قضائه بين النّاس ـ وليس كلّ قضائه تبليغا على خلاف ما يشيع ـ كان يحذّر أن يكون لسان ألحن من لسان فيقضي له بما سمع. هذا حديث فصل مركزيّ في ترسيخ التديّن الحقّ الذي يأمر به سبحانه وفي مقاماته كذلك كما كتب فيها أكثر من كتب حتّى اليوم إبن عاشور. هذا يعني أنّ الحديث المعنيّ هو الحديث الدّينيّ كما يسمّيه العبد الفقير أي الذي يبيّن دينا وليس يثمر رأيا في أيّ تدبير دنيويّ

رابعا : في المرحلة المكية كلّها ـ وهي أطول من المرحلة المدنية بقليل ـ لم يكن هناك تشريع عمليّ يحتاج منه تبيينا عليه السّلام. إنّما كانت مهمته تلاوة الكتاب الذي جاء يزرع أسس العقيدة الصّحيحة في النّفوس ويدكّ فيها معاقل الشّرك سواء العربيّ منه أو الإسرائيليّ. كانت مهمّته في كلّ تلك المرحلة تقريبا تتراوح بين تلاوة تلك السّور القصيرة المتنزّلة تلاوة صحيحة وهي كفيلة ببثّ معانيها لأنّ المخاطبين عرب أقحاح بل هم محلّ تحدّ بلسانهم. وبين التّزكية التي كانت تعني في تلك الأّيام التّثبيت من خلال القصّة القرآنية واللّقاء في دار الأرقم مثلا وفي غيرها. ولذلك تقدّمت تينك المهمّتين في الأعمّ الأغلب المهمّتين الأخريين : (يتلو عليهم آياتنا ويزكّيهم) و (يعلّمهم الكتاب والحكمة). بهذا التّرتيب الزّمنيّ كذلك. لم يكن بحاجة إلى غير ذلك بسبب عدم نزول تشريع عمليّ ولا تعبّديّ عدا عبادات الإيمان وبنائه بناء صحيحا وعبادات الثّبات من خلال القصّة وجرعات واقع الملاحقات والتّعذيب والتّهجير وعبادات التآخي والتّكافل من مثل تحرير العبيد من لدن الأغنياء. هذا الضّمور الشّديد في الحديث لم يحل دون سميّة التي فقهت حقّ الفقه رسالتها وهي إمرأة ذات زوج وبنين فآثرت إعلان إيمانها والصّبر على التّعذيب حتّى حازت أعلى مرتبة أي أوّل شهيد في الإسلام. نحن علينا إعادة تركيب عقلنا على أسّ قوامه أنّ العلم ليس كثرة حديث إنّما صحّة فقه ودقّة نظر وإرادة ماضية وكلّ ذلك يغذّي الرّوح

خامسا : حتّى في المرحلة المدنية حيث كانت حرّية وتشريع فإنّه عليه السّلام قصر دوره على أمرين : أمر التّبيين للتّشريع. وهذا حيّز صغير وهو الذي عرف عند الفقهاء بتفصيل مجمل أو تخصيص عامّ أو تقييد مطلق. ولو عددتها لما ملأت بها صفحات قليلات. وهي عمدة الدّين الذي قال فيه العلماء بحقّ : القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن. وهذا هو علم الفقه وعلم أصوله. الأمر الثّاني هو معالجة واقعه الضّاغط في تلك الأيّام بمحكمات القرآن الكريم وتعاليمه وقيمه. وهو واقع يكتظّ بعدوات ساخنة ظاهرة وباطنة من الجبهات العربيّة والإسرائيلية والرّومية وجبهة المنافقين التي هي جبهة داخلية فكانت مقاومتها أشدّ حساسية (أخشى أن يقول النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه). ومن ذا فإنّ سيرته أخصب من سنته بما لا يقارن كمّا. وتلك هي الغفلة عن سيرته أن تكون منهاجا إصلاحيا جامعا في كلّ زمان وفي كلّ مكان وفي كلّ حقل. هي غفلة أنشأت جراحات ثخينة في وعينا. إذ ظنّ النّاس أنّ الدين سنّة فحسب. وكأنّ السّيرة نافلة أو لا حاجة بها بسبب عدم فهمهم لعدم إسنادها مثل السنّة. أرأيت كيف أنّ القرآن الكريم إمتلأ إمتلاء عجيبا بسيرته الجهادية والصّلحية والعائلية والقيم الأخلاقية التي كان عليها؟ ذلك يعني منهاجيا أنّ السّيرة تتميّز عن السنّة. ولكن ليس بمعنى قريب من الإستغناء عنها

سادسا : كانت خطبه (خطب الجمعة) قصيرة جدّا. ربّما أقلّ من عدد أصابع اليدين جملا. وكثير منها ورد في صيغة أحاديث. وكانت في جزء مهمّ منها آيات قرآنية. وهذا هو معنى قوله أنّه على الخطيب قصر الخطبة وإطالة القراءة لأنّ القرآن الكريم كفيل بإحداث التّزكية والعلم والحكمة ـ في العادة ـ عندما يتلى حقّ التّلاوة سيما على من يفهم اللّسان العربيّ. أنظر إلى أطول خطبه ـ خطبة حجة الوداع ـ ورغم أنّه يودّع النّاس وهم بعشرات الآلاف من كلّ صوب وحدب وأنّهم ليسوا تحت الضّغط الزّمنيّ في تلك الآونة فإنه لم يتجاوز فيها عشرين دقيقة بحسب معاييرنا نحن الآن وعلى أقصى تقدير. رغم أنّه كان في مناسبات كثيرة يعيد الجملة أو المعنى مرّتين وثلاثا. ذلك يعني أنّ ما لم يصلنا من خطب الجمعة ليس فيه ما بعدم وصوله إلينا نقص. كان قد أوتي جوامع الكلم كما هو معروف عليه السّلام. أي تربّع على عرش البلاغة فهو يعرب بكلمات قصيرات تفصح عن قيم كبرى ومعان عظمى

سابعا : لم يكن الصّحابة بداية عدا أمّيين بالكامل إلاّ ما هو أقلّ من عدد أصابع اليد الواحدة من كتبة الوحي. وبعد ذلك لم يكن الذين يلزمونه منهم إلاّ قليلا. إذ كان النّاس ينصرفون لمعاشهم. وأكثرهم حظّا من يصحبه مرّة واحدة في الأسبوع أي في خطبة الجمعة. ولم يكونوا على مستوى واحد من الضّبط الذي تقلّده أبوهريرة وبعده عائشة بالكلّية تقريبا. وكان النّاس يتأثّمون أن ينقلوا عنه بالمعنى. ولذلك كثرت في الحديث الطّرق والرّوايات. أبو هريرة نفسه الذي روى أزيد من خمسة آلاف حديث لم يتح له ذلك عدا في السّنوات الأربع الأخيرة إذ لازمه كما يلازمه ظلّه. أمّا عائشة فهي زوجه وساعدها غضاضة سنّها وريعان شبابها. إنّما كان حظّ ثلّة من الصّحابة ـ هم كذلك ليسوا أكثرية ـ هو حظّ الفقه وليس الحفظ. كما ظهر ذلك في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاذ وأبيّ وعائشة وإبن عبّاس وإبن مسعود وإبن عمر ونفر قليل من غيرهم. لو جمعت كلّ روايات هؤلاء فإنّك لاف أنّها لا تساوي شيئا كمّا مع ما رواه أبو هريرة عليهم الرّضوان جميعا. كلّ ذلك يعنيّ أنّ الدّين ليس كما نعتقد نحن ممتلئا أحجيات وطلاسم وأنّه يحتاج كلّه منه إلى بيان وتبيين وتفسير. لم يكن هناك شيء إسمه تفسير القرآن الكريم عدا مواضع لا تزيد عن ثلاثين موضعا في أقصى الحالات. ولكن إمتلأ مع ذلك تراثنا معركة بين أهل الأثر وأهل الرّأي. وهذا تفسير بالأثر وذاك بالرّأي. ليت شعري أيّ أثر وأي رأي؟ إنّما هي معارك الفراغ التي فرضها الإنقلاب الأمويّ. لو كان الأمر في حقيقته كما نتصوّر نحن اليوم لفرط جهلنا علاقة بالسنّة وتدوينها لم لم يتخّذ له صحابيا أو أكثر من أهل الضّبط ليكونوا معه مثل ظلّه ينقلون عنه؟ هل هذا تهاونا منه بسنّته؟ حاشاه عليه السّلام. الصّحابة أنفسهم لم لم يتنافسوا على هذا الدّور؟ كلّ ذلك جوابه هو أنّهم فقهوا ما معنى القرآن الكريم في طبيعته التّاسيسية وما معنى السنّة والسّيرة بمثل ذلك وما هي العلاقة بين القرآن والسنّة. وبعد موته لم يقل واحد منهم ـ وقد ترشّحوا لقيادة دولة وأيّ دولة ـ كان علينا لزومه إذ فينا اليوم ضمور في الحديث. ذلك وليس لديهم ما لدينا نحن اليوم من حديث من حيث الكمّ

ثامنا : التّبيين النّبويّ الذي حرمنا منه ـ وقد حرمنا أنفسنا ـ هو التّبيين بالمعالجة الميدانية. وهو الذي عرف بفقه العمل وليس بفقه القول. فقه القول لنا منه ما لم يتوفّر للصّحابة إلاّ قليلا منهم. فقه القول هو عشرات التّفاسير وعشرات القراءات والرّويات وعشرات التّرجمات وعشرات الكتب الفقهية والحديثية وما لا يحصى من المؤلّفات الأخرى التي تعالج ذينك الأصلين المؤسّسين أي القرآن والسنّة. فقه القول لنا اليوم منه ما لم يتوفّر ليس للصّحابة فحسب إنّما لم يتوفّر لأحد من قبلنا ولا عشر معشاره. ما حرمنا منه هو فقه العمل. أو فقه القدوة. أو الثّقافة العملية كما تسمّى الآن. أي كيف كان يعالج عليه السّلام الأمور والمشكلات والتّحدّيات. ذلك هو ما حرمنا منه أنفسنا وعكفنا على فقه القول وظللنا نفرّعه ونجزّؤه ونقطّعه إربا إربا ونقسّمه مباحث وأبوابا. التّبيين النّبويّ الذي حرمنا منه أنفسنا هو النّظر في سيرته مذ ولد وحتّى مات عليه السّلام نظرات ثاقبة ملؤها التّحليل والإستقراء الجزئيّ والجامع بحسب المرحلة وبحسب الحقل وبحسب الحالة. هو يبيّن الذّكر الحكيم ليس بمعنى القول فحسب إنّما بمعنى الفعل والعمل سنّة وسيرة كذلك وبمعنى الإقرار. كلّ حياته ومماته ونسكه وصلاته هو تبيين للقرآن الكريم. ذلك هو تفسيره هو للقرآن الكريم. وذلك هو الميزان الذي أنزل جنبا إلى جنب مع القرآن الكريم وتلك هي الحكمة التي أنزلت جنبا إلى جنب مع القرآن الكريم

مستويات الحديث : منزل من منازل الفقه

من ثمرات حياتي : من حرم التّمييز بين الأشياء والأمور في عالمي المادّة والمعنى فقد حرم العلم. بل حرم الفقه والحكمة. مثل ذلك : من حرم الرّفق فقد حرم الخير. هناك أخلاق مبطلات. بمعنى أنّ من حرمها فلا أمل له عدا في رداءة تجترّ نفسها. لم يفقه القرآن الكريم من لم يميّز بين مختلف مستوياته. من محكم ومتشابه ومن مكيّ ومدنيّ ومن ناسخ ومنسوخ ومن مطلق ومقيّد وعامّ وخاصّ ومجمل ومفسّر وغير ذلك. الأمر نفسه ـ لا بل أشدّ والله ـ بالنّسبة للسنّة. لذلك قلت آنفا : حقل السنّة حسّاس. بمعنى أنّه مستويات عديدة ومختلفة من لم يعلم تمييزاتها يضلّ في غابتها فينقطع دون وصل. من مستويات الحديث : حديث الحكم الشّرعيّ العمليّ وهذا أندر ما هناك. وذلك بسبب أنّ الحديث لا يؤسّس الدّين. إنّما يبيّن ذلك المؤسّس. والفرق بين مؤسّس ومبيّن فرق شاسع واسع لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد. وحديث التّرغيب والتّرهيب. وهذه أوسع مساحة في الحديث النّبويّ. لذلك وصفه ربّه بأنّه داع إليه سبحانه. الدّاعي غير المبلّغ. هو مبلّغ أي يعلم النّاس بأسّ الدّين. وهو داع إلى الفضائل ترغيبا إليها وترهيبا عن إقتراف أضدادها. وهذه هي المساحة (التّرغيب والتّرهيب فيما ليس فيه أصل قرآنيّ إيجابيّ أو تحريميّ ) التي كانت سببا من أسباب بناء المنهاج الأصوليّ الذي كان عليه الصّحابة والقرون (الأجيال) الثّلاثة الأولى قوامه أنّ ترغيبه عليه السّلام فيما هو دون ذلك ولو تخصيصا لعامّ أو تقييدا لمطلق أو تفصيلا لمجمل هو السنّة بمعناها الفقهيّ وليس بمعناها الأصوليّ. أيّ أنّها لا توجب شيئا بالمعنى الدّينيّ. ومثل ذلك ترهيبه في الإتّجاه الآخر. ولكن ران على هذا الفقه الأصوليّ الذي ران فاختلطت التّخوم وأصعد المنسوبون إلى العلم من الهارفين التّرغيب إلى درجة الإيجاب والتّرهيب إلى درجة التّحريم. فكان التشدّد الذي أثمر الخوارج قديما وأذيالهم جديدا. المستوى الثّالث من مستويات الحديث ـ من بعد تشريع الحكم العمليّ الشّرعيّ ومن بعد مستوى التّرغيب والتّرهيب ـ هو مستوى الإخبار سواء عن ماض أو عن حاضر أو نبوءة. هذا ليس من الدّين اللاّزم. إنّما هو تأكيد لنبوّته عليه السّلام وفيه معان أخرى. ولكن عندما إختلّت الموازين جعل النّاس حديثه (ما أفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة) في مرتبة الحكم الشّرعيّ العمليّ الملزم غافلين عن حدود المناخات العربية التي كانت تجعل المرأة سقط متاع. وبذلك أساؤوا إلى أنفسهم وقالوا على الله بغير حقّ وبغير علم. وأمثلة أخرى لا تكاد تحصى. ومستوى آخر من الحديث وهو مستوى الجبلاّت كما سمّيت في القديم أي مستوى الحالة الشّخصية الخاصّة به هو مزاجا وطبيعة وخلقا مكتسبا وموروثا وما تسنّى له من حياته من مثل أكله وشربه وملبسه وغير ذلك. سيما أنّه إختار لنفسه ـ ورعا منه تربّع على عرش الورع ـ حياة الشّظف ليس عن فاقة إلاّ قليلا. إنّما عن ورع. وعندما يتطفلّ من يتطفّل على الفقه منّا ليلحق هذا المستوى بالدّين الملزم الواجب تكون الثّمرة مرّة. تلك هي أربعة مستويات كبرى من مستويات الحديث ويضيق المجال هنا عن تسمية كلّ المستويات. مستوى البلاغ الذي يؤكّد القرآن الكريم أو يبيّنه أوّلا. ومستوى التّرغيب والتّرهيب ثانيا. ومستوى الإخبار ثالثا. ومستوى الحياة الخاصّة الشّخصية له عليه السّلام رابعا. الخلط بين تلك المستويات وغيرها كارثة محقّقة. ولولا ذلك لما نشأ علم فقه مقامات المشرّع. ولولا ذلك لما حرّر القرافي فروقه. ولما حرّر آخرون الذي حرّروا
خارطة مدوّنات الحديث ومناهجها وسبيل معالجتها

هناك شبهة يثيرها أعداء الإسلام قوامها أنّ الحديث دوّن متأخّرا. هذا صحيح. ولكن بدل أن نتوجّه إلى إستلال العبرة العظمى من هذا (التّأخّر) لنزداد فقها ونمتلأ وعيا تجدنا ندخل معهم في مماحكات كثير منها لا يسمن من جوع ولا يغني. صحّة هذا تعني ـ ممّا تعنيه ـ أنّ السّنة في أكثر أجزائها ليست لازمة للدّين الموقوف الذي بدونه يغدو المرء كافرا أو فاسقا أو غير عابد. السنّة الدينية ـ كما يسمّيها العبد الفقير ـ وهي السنّة التي جاءت حكمة وميزانا بالتّعبير القرآنيّ ذاته جنبا إلى جنب مع القرآن الكريم نفسه. جاءت صحيحة ودوّنت في الإبّان في الصّدور في مجتمع أمّي بدائيّ حضاريّ بشكلّ آخر عن حضارات أخرى. تلك هي السنّة الملزمة التي لا مناص من العلم بها وخاصّة عند المتصدّين للإفتاء والتّعليم. وحتّى العامّة في الحقيقة ولو قليلا. وما عداها سنة لها أبعاد أخرى غير البعد الدّينيّ. سرطاننا الأعظم الذي ينخرنا إسمه : نحن ننظر إليه عليه السّلام أنّه رجل دين بالمعنى الكنسيّ. جاء ليعلّم النّاس الدّين ولا شيء غير الدّين. فلا شأن له بالدّولة والحكومة والسّلم والحرب والعدّو والخصم والمهادن والمنافق والصّديق والتّاريخ والجغرافيا وعلوم أخرى ومعارف. سرطاننا الأعظم أنّنا تمسّحنا عقليا ونسبيا دون شعور منّا. تعلمن عقلنا جزئيا. ولكن هناك آفة أخرى عادة ما تكون في عقل المتديّنين الذين يظنّون أنّهم متديّنون كثيرا. وهي أنّ صورتهم عنه عليه السّلام هي صورة النبيّ الذي جاء بتعاليم سماوية مفصّلة مدقّقة مفرّعة مجزّأة بشكل كبير لإصلاح كلّ شيء. ويعتمدون في ذلك على قوله سبحانه (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). وغيرها من الآيات والأحاديث. هما آفتان علينا التّخلّص منهما. فليس هو يحمل لكلّ داء دواء موصوفا بإسمه. إذ لو كان كذلك لألغى العقول والإجتهاد. وليس هو رجل دين فحسب ليس له ما يقدّمه للنّاس في الحياة. صحيح إذن أنّ الحديث دوّن متأخّرا. ولكن أيّ حديث؟ ليس هو الحديث الدّينيّ الذي به لا يستقيم دين. كيف كانت الخلافة الرّاشدة التي حكمت فعدلت وأمّنت الحرّيات والرّخاء والعدالة والسّلم مسلمة وليس لها حديث دينيّ؟ هل أنّ ذلك التّأخير يعنيّ أنّ النّاس لم يكونوا مسلمين حتّى نشأ تدوين الحديث؟ لا. إنّما يعنيّ أنّ ما وقر في الصّدور قبل التّدوين وقع جمعه في التّدوين. وأنّ ما كان واقرا في تلك الصّدور من حديث دينيّ لا يستقيم دين أيّ إمرئ بدونه كان محفوظا في الصّدور. بل في الحياة التي صبغت الخلافة الرّاشدة بخير صبغة. هناك خلط بين العلم وبين تدوين العلم. هل لم يكن للعرب أدب ولا شعر حتّى دوّن ذلك؟ ومثل ذلك قله مع كلّ المعارف والعلوم. ما علينا إستلاله من تأخّر تدوين الحديث هو إذن ليس الإعتذار منّا لأعداء الإسلام أو توفير تبريرات مشوّهة. إنما علينا إستلال حكمة عظمى قوامها أنّ الشيّء وتدوينه أمران مختلفان أوّلا. هل نعدم حياة وليد جديد حتّى يسجّل لدى الإدارة المحلية المختصّة؟ بعض الأقوام يغفلون عن تسمية مواليدهم شهورا طويلة. وثانيا علينا الإعتقاد أنّ السنة التي لم تدوّن ليست هي السنّة الدينية التي كان الأصحاب على إمتداد عقود طويلات قبل التّدوين يعملون بها ويعلّمونها النّاس. هل صحيح أنّه لم تنشأ مذاهب فقهية وحتّى كلامية قبل العهد العبّاسيّ؟ لا. ولكن وعينا بلحظة التّدوين مازالت منحطّة. لأنّنا لا نميّز بين العلم وبين تدوينه. ومازلنا نعتبر أنّ لحظة التّدوين هي لحظة الميلاد. العيب فينا وليس هو لا في الحديث ولا حتّى في أعداء الإسلام الذين من وظيفتهم إثارة مثل هذا

أبرز مدوّنات الحديث ومناهجها

ورد إلينا تدوينا ـ وليس حقيقة بالضّرورة ـ أنّ أوّل مدوّن هو الموطّأ. وكان بما يشبه الضّغط السياسيّ الدّائب من المنصور العبّاسيّ. صاحبه نفسه لم ير فائدة في تدوين الحديث. فهل كان لا يعمل بالحديث؟ بلى. كان يستفتى ليل نهار وصباح مساء. وكان يعلّم النّاس الحديث. ومعلوم أنّ سبب رفضه للتّدوين هو عدم مناقضة أكبر سنّة إلهية حفل بها القرآن الكريم. وهي سنّة التعدّد. أنظر إلى الفقه الحضاريّ لمحدّث. أيّ بضاعة لنا اليوم من ذلك. صفر على الشّمال قطعا مقطوعا. ثمّ جاءت التّدوينات تترى من بعد ذلك. فكان صحيح البخاريّ وصحيح مسلم (على المنهاج الفقهيّ سيما أنّ البخاريّ بصفة خاصّة فقيه. وله كما يعرف طلبة فقه الصّيام نظرية في هذا الفقه) كما إخترع كلّ منهما شروطا لقبول الحديث موثّقا في الصّحيح. وليس حكما عليه بعدم الصّحة. ذلك هو التشدّد الذي كانت له إيجابيات كبيرة. ولكنّها لم تعمّر طويلا. سيما البخاريّ الذي إشترط اللّقاء بين كلّ مكوّنين من مكوّنات السلسة الإسنادية يفضي بعضهما إلى بعض. هذا الشّرط ليس تعجيزيا كما يهرف الهارفون. إنّما هو شرط لحماية السنّة التي تحمي الدّين. ولمّا خلفه تلميذه النيسابوريّ خفّف من ذلك التّشديد قليلا. فاشترط المعاصرة وليس اللّقاء. ولكن من جاء بعدهما لم يرع ذلك إلاّ قليلا. ثمّ جاء أحمد بمسنده على منهاج الإسناد الإسميّ. وهو من المدوّنات القليلة جدّا ممّن سلك هذا المسلك. ثمّ جاء أهل السّنن الأربعة (إبن ماجة والنّسائي وأبو داوود والتّرمذيّ) وجاء صحيحان آخران إسما أي إبن خزيمة وإبن حبّان. وجاء الحاكم الذي أفرط بمثل التّرمذيّ في التّحسين و التّصحيح. ومن هنا يكاد ينقلب منهج البخاريّ أساسا وتلميذه مسلم رأسا على عقب. جيل جديد من المحدّثين. تلك إحدى عشرة مدوّنة حديثية هي الأشهر. ولكن جاءت بعدها مدوّنات أخرى كثيرة نالت الذي نالت شهرة من مثل سنن البيهقي وطبقات إبن سعد والطّبرانيّ وغيرهم كثير

القيمة العلمية لتلك المدوّنات

القيمة ليست للمدوّنة ذاتها. وإنّما لفقه الحديث الذي أجمع أنّ الحديث الصّحيح ـ كما أنف قوله ـ هو الذي سلم من آفتي الشّذوذ والعلّة معا. متنا وسندا معا كذلك. أو هو الحدّ الجديد : عدم معارضة الأصول والنّقول والعقول. ولكن عند تنزيل هذا المنهج العلميّ للحديث نجد بيسر أنّ صحيح البخاريّ له منه قصب السّبق بسبب تشدّده كما مرّ بنا. ويليه صحيح تلميذه النّيسابوريّ لشرطه كذلك. ولكن لعامل أسبقية الجيل كذلك. هذه علامة تكاد تكون مطّردة. وهي أنّ جيل التّأسيس في كلّ علم تقريبا ومعرفة يكون أدنى إلى الأصول وأنأى عن الفروع. ثمّ تخلف خلوف كما هو معلوم. قاعدة مطّردة ولكنّها لا تخلو من إستثناءات. ولكن بعد الصّحيحين ينشأ الخلاف. بين الموطّإ من جهة والمسند وبين هذين وبين أهل السّنن الأربعة من جهة أخرى. وهنا لا يسلم بعضنا من التّعصّبات المذهبية بدل لزوم المنهج لصحّة الحديث. الحديث علما يجب أن يكون عن الحديث وليس عن المدوّنة التي حوته أو صاحبها. وقليل من يلزم القيمة غير منحاز للعصبية. لا مناص من الحديث عن الحديث الذي لبّى شرط البخاريّ أو كليهما ولم يخرجاه كلاهما. لم لم يخرجاه؟ زهدا في السنة والدين أو زهدا في النّصح؟ أو كتمانا للعلم؟ كلاّ وألف ألف كلاّ. إنّما هو التّشدّد العلميّ الذي ساهم في حفظ الدّين وحفظ السنة وبه شيّد المجرّحون والمعدّلون منهاجهم الذي هو مفخرة المسلمين بدون أيّ منازع بين الأمم. منهج الجرح والتّعديل أدنى إليه منهج الصّحيحين. أعد تصوّر المسألة في ذهنك : حديث يلبّي شروط البخاريّ أو مسلم ولكن لا يخرجاه. لماذا؟ ذلك منهج في التّحديث. منهج ـ في رأيي ـ ليس هو متشدّد لأجل التشدّد ولا منهج الحيطة كما نشأ من بعد ذلك في فقهنا. ولكنّه منهج الوفاء لقيمة حفظ الدّين وحفظ السنّة. ذلك أنّ هذا المنهج سيكون شبه مقلوب رأسا على عقب عند جيل التّرمذيّ الذي عرف عند أقرانه وفرسان هذا العلم بالتّسرّع في تحسين الضعيف وتصحيح الحسن الذي جاء به هو نفسه ومن معه. إذ لم يكن هناك حديث حسن بداية. ثمّ لم يكن هناك حديث حسن صحيح أو صحيح حسن تبعا. هو منهج آخر يتساهل كثيرا. يسمّي هذا أهل العلم تحسين وتصحيح بسبب كثرة الطّرق وإختلاف الرّوايات. وما يخلص إليه طالب العلم المثابر المنصف ـ وليس المتعصّب ـ هو أنّ كثرة الطّرق أو إختلاف الرّوايات ليسا سببا من أسباب التحسين أو التّصحيح. هناك صحيح حاز الميدالية التي وضعها العلماء أي السّلامة من الآفتين آنفتي الذّكر أو ضعيف قصر عن ذلك. أمّا إختراع فقرات وسطى فهو تسرّع لا داعي له. هو الأمر ذاته الذي غزا الحقل الفقهيّ الذي أجاز في جزء منه العمل بالحديث الضّعيف في فضائل الأعمال. ومن ذا جاءت صلاة التّسابيح وقد تجيء صلوات أخرى. أيّ مانع؟ لا مانع. كأنّ الصّحيح من القرآن و السنّة قصرا عن حقل فضائل الأعمال فلا مناص من الإستنجاد فيها بما لفظه المنهج العلميّ في التّصحيح. وكأنّ الشّذوذات والعلل عندما تصيب المسلم في فضائل أعماله هينّة. ولكن على كلّ حال هو خلاف بينهم. ولكلّ مجتهد نصيب كما حرّروا هم أنفسهم

تدوين الحديث ليس دليلا على صحّته

يعتقد عامّة المسلمين أنّ الحديث المدوّن في أيّ كتاب من كتب الحديث هو حديث صحيح. المدوّنون أنفسهم ـ سيما أهل المنهج الإسناديّ ومن لم يأبهوا بمثل شروط البخاري ومسلم ـ لا يعتقدون ذلك. هم يثبتون تلك الأحاديث فيما دوّنوا من باب النّقل وليس من باب التّصحيح. ولذلك قال عليه السّلام (بلّغوا عنّي ولو آية فربّ مبلّغ أوعى من سامع وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه). أكثر كتب الحديث لا يدوّن أصحابها فيها الحديث النّبويّ شهادة منهم لصحّته. إنّما نقلا عنه فيما بلغهم. وعلى الفقهاء من بعد ذلك نخل ذلك وتحرّيه. عندما يجهل هذا عامّة النّاس فهو عاديّ. ولكن عندما يتسلّل هذا إلى من خلعوا على أنفسهم أردية العلم أو طلبه أو بثّه فإنّها كارثة. أيّ حاجة إذن لمفخرة المسلمين أي علم الجرح والتّعديل بعد هذا؟ وأيّ حاجة إذن بعده إلى شروط الحديث الصّحيح؟ قليل هم من تخصّصوا في الحديث الصّحيح وألزموا أنفسهم به. وهم في الحقيقة ثلاثة لا رابع لهم : مالك إبن أنس في موطّئه والبخاريّ في صحيحه وتلميذه النّيسابوريّ في صحيحه. وما عدا هولاء فأكثرهم نقلة وحملة ومبلّغون وسامعون. على المسلم وعي هذا

بين مدوّنة الحديث ومنتقياته

من النّاس من لم يكن لبنة من لبنات السّند. ولكنّه أراد خدمة الحديث بجمع ما تيسّر له منه في كتاب. من ذلك رياض الصّالحين للنّوويّ والتّرغيب والتّرهيب للمنذريّ. هما الأشهر. ولكنّ الكتب في هذا الحقل كثيرة لا تكاد تحصى. منها ما جمع من الصّحيحين فحسب (المرجان فيما إتّفق عليه الشّيخان) وغير ذلك كثير. هذا جهد مذكور ومشكور ولكن الجهل هو تسوية هذه الكتب الإنتقائية بالمدوّنات الأصلية للحديث. هذا سلوك العامّي الذي ـ ربّما ـ لا يطلب منه تمييز. ولكنّ طالب العلم عليه التّمييز. صاحب المدوّنة هو طرف في الإسناد ولذلك يقول : أخبرنا أو حدّثنا. والآخر منتق. درست بنفسي أشهر كتابين في الإنتقاء : النّوويّ والمنذريّ. درست ذلك وميّزت كلّ حديث فيهما ـ وهي بعشرات الآلاف ـ بحسب صنفه ودرجته. وجدت أنّ كتاب المنذريّ إمتلأ بالموضوع وخاصّة بالّضعيف. حتّى إنّ الضّعيف فيه أكثر من الحسن بتعبير الترمذيّ وأكثر من الصّحيح من باب أولى وأحرى. أجزل الله الثّواب للإمام المنذريّ. ولكنّ هذا العمل مضرّ للعقل. وخاصّة لعقل العامّي الذي يقرأ فيه غير مميّز بين حديث وحديث. المصيبة أنّه كتاب مشتهر بين النّاس. أمّا الرّياض فهو على الضدّ من ذلك. أي أنّ نسبة الضّعيف فيه قليلة مقارنة مع الحسن والصّحيح. والذي قال أنّ البيت الذي ليس فيه الرّياض جياع أهله هو حكيم. الأولى عندي ـ رغم قيمة الرّياض ـ ليس هذا إنّما الصّحيحان أوّلا ثمّ بعد ذلك ـ ربّما ـ الموطّأ أو غيره. ولكن شرّ دون شرّ. القول عندي لولا نزوعات دور النّشر التي تنشد الرّبح لا العلم هو عدم طبع كتاب المنذريّ ولنا عنه مندوحة بل مندوحات. وأي مندوحات. عقيدتي هي : ضرر العقل أشدّ من
ضرر البدن بما لا يقارن. والضّرر الدينيّ أشدّ من غيره بمثل ذلك

أسفار الشّيخ صالح الشّاميّ هي البديل عندي

أنجز الشّيخ صالح الشّاميّ ـ عالم سوريّ ـ بعد عمل دام لسنوات طويلات أسفارا ثلاثة عنوان لها بمعالم السنّة النّبويّة. ثمّ إختصرها بناء على طلب بعض الطّلبة في سفر واحد. حمل العنوان ذاته. درست هذه الأسفار وفعلت فيها ما فعلته سابقا في كتابي الرّياض والتّرغيب والتّرهيب. كنت في السّالف مشدودا بعد الصّحيحين والموطإ إلى الرّياض. ومنذ زهاء خمس سنوات إعتمدت سفر الشّيخ صالح الشّامي الذي قدّم لعمله وبيّن منهجه. وإنّي لمطمئنّ الإطمئنان كلّه أنّ هذا الرّجل قدّم للأمّة ما لم يقدّمه غيره في سبر الحديث سبرا علميا صحيحا متأنّيا متريّثا عفوا من كلّ عصبية. إذ جمع فيه من الكتب التّسعة ـ التي ورد ذكرها آنفا ـ ما صحّ عنه عليه السّلام. وخلص إلى أنّها نيف وأربعة آلاف حديث. وكان جهده الأعظم في هذا العمل هو عزل المكرّرات التي إمتلأت بها الكتب من مدوّنات ومنتقيات وعزل الطّرق وعزل الرّوايات. إذ كان عدد الحديث قبل ذلك وفي مرحلة أخيرة زهاء ثلاثين ألفا. وكانت في طبيعتها الخام قبل ذلك زهاء مليون كما أنف ذكره. أنصح كلّ مسلم بهذا السّفر وخاصّة في طبعته الأولى أي غير المختصرة في سفر واحد. ومن أعياه ذلك فعليه بالسّفر الأخير على الأقل. وهو جهد الكسالى في الحقيقة. هذا مشروع تجديديّ حقّا في تدوين الحديث النّبويّ وفرزه وتخليصه من المكرّرات التي يلجأ إليها المحدّثون إضطرارا. لأنّ بعض الحديث يكون فقرة في هذا الحقل وفقرة في الحقل الآخر كذلك. وكذلك من كثرة الطّرق والرّوايات التي تثقل كاهل حديث واحد لتجعل منه عشرات الأحاديث. ناكية النّاكيات هي عدم إشتهار الكتابات القيادية في أيّ علم كما سمّاها ودعا إليها الدّكتور أحمد الرّيسونيّ. وفي مقابل ذلك إشتهار كتب منخولة لو عكف عليها غير طالب العلم لشيّد عقله تشييدا مضرّا

كلمة أخيرة

عدد من روى عنه عليه السّلام هو 8800 صحابيّ من جملة 124000 صحابيّ على خلاف حول تعريف الصّحابيّ. ولكن لا أرب لنا في هذا الآن. بعملية رياضية بسيطة نجد أنّ النسبة هي 0,07 . نسبة محدودة إلى أبعد درجات الحدود. ماذا يعني ذلك؟ هل يعني الرغبة عن السنة وعن الدين أو عن السّماع منه؟ أبدا. لا يعني ذلك عدا أنّ النّاس وهم صحابة بالمعنى الواسع للصّحبة ـ وهو الذي أعتمده ـ إكتفوا في دينهم وأغناهم ما عرفوا منه. وما عدا ذلك ليس من الدّين الذي يحتاجون إليه كلّ يوم أو حتّى كلّ أسبوع أو حتّى كلّ عام. هي أخبار وأبعاد أخرى للحديث سمّاها الإمام القرضاويّ في سفره الذي لم يكتب في مجاله عداه أبعادا حضارية وعلمية ومعرفية. 8800 صحابيّ من ذلك الكمّ الكبير وعلى إمتداد عشرين سنة على الأقلّ دون إعتبار السّنوات الثّلاث الأولى في مكّة وربّما كانت كلّها سرّا ولا يغشاها عدا عدد صغير منهم. لو قمت بعملية رياضية أخرى لألفيت أنّ عدد من ينقل عنهم من أولئك كلّ عام هو 440 وكلّ شهر 36 صحابيّ. أي صحابّي واحد عن كلّ يوم واحد تقريبا. وهذا مفهوم ومعقول ومقبول. وما عدا ذلك مكرّرات أو طرق وروايات إحتاج إليها أهلها وهم بها جديرون في علم الجرح والتّعديل. ولهم منا كلّ الرّجاء بالقبول والرّحمة وخير الجزاء. ولكن ما يكون منّا نحن من بعد ذلك كسل وترف. بل ما بعده هو منخولات متروكات واهيات أو موضوعات تسلّل بها الوضّاعون لأغراضهم المبسوطة في هذا المبحث من علم الحديث. ذلك يعني كذلك أنّ نصيب كلّ صحابيّ من أولئك (8800) هو تقريبا حديثان أي أنّ أدنى نسبة للحديث الصّحيح هو أزيد من 4000 بقليل. وهذا كذلك مفهوم مقبول والأهمّ منه هو أنّه يفسّر بكلّ وضوح وجلاء العقل الصّحابيّ. وكيف كان يشتغل ويعالج السنّة وينقلها. معدّل حديثين لكلّ صحابيّ من الرّواة معدّل مفهوم معقول يلبيّ المنهاج الإسلاميّ التّفكيريّ المعتدل من جهة ويلبيّ حاجات النّاس في تلك الأيّام في حياتهم وغير ذلك وتقديمهم المساهمة في بناء الحضارة الجديدة ومقاومة أعدائها وليسوا هم طلبة في قسم يؤمّونه بكرة وعشيّا وهو عليه السّلام يجتمع بهم ويحدّثهم. هذا عقلنا نحن. وليس ذاك هو عقلهم هم. ولذلك نحن نريد الإستكثار من الحديث ونتعمّق في طرقه ورواياته ومكرّراته وأبوابه وتفريعاته وبذلك نضيّع فقه الحديث إلاّ من عمل على التّجريح والتّعديل فتلك هي مهمّتهم التي بها عزلوا الموضوع والضّعيف. يمكن أن يشغب عليك الآن شاغب عنوانه أنّ أبا هريرة نفسه ـ دون عائشة ـ عليهم الرّضوان جميعا إستأثر بذلك العدد الصّحيح. إذ روى هو بنفسه أزيد من خمسة آلاف حديث وروت هي عليه الرّضوان زهاء نصف ذلك. معالجة ذلك الشّغب هو أنّ ما نقل عن أبي هريرة ومثله عن عائشة خضع هو لنفسه لمنهاج علم الجرح والتّعديل من جهة ثمّ خضع هو نفسه كذلك إلى عزل المكرّرات بحسب إختلاف الأبواب الفقهية وعزل الطّرق والرّوايات وبذلك يذهب ذلك الشّغب. وكل هذا بطبيعة الحال تقدير لا يصيب كبد الحقيقة سيما إحصائيا. ولكنّه يقترب منها ويهيل من التراب على ما لا يحتاجه المسلم ما به يجعله إيجابيا فاعلا غير غارق فيما لا يحسنه أو ما لا يهمّه أصلا

ملاحظة أخيرة

لو كنّا اليوم في حال إشتغال كما كان الصّحابة لما تكأكأنا على الحديث. وأكثرنا متطفلّ لا يحسن في بحره سباحة. ولكن شغلنا أنفسنا بما لم يطلب منّا ولا نحن له أهل وبه جديرون. وثمرة ذلك ـ عقلا وتجربة ـ هي الرّغبة عمّا هو تحدّ معاصر لاظ عمّت به البلوى وأيّ بلوى. ولا يحتمل تأخيرا. ذلك هو جوابي عن ذينك السّؤالين آنفي الذكر في مقدّمة هذه القالة وغيرهما من أسئلة المشتغلين في حقول هم عنها غرباء. حالة الفراغ التي تفترسنا أو حالة الإشتغال في حرمات غير حرماتنا هي المسؤولة عن هذا التردّد وهذه الحيرة وهذه الأسئلة التي تعكس فراغا قاتلا. المقاتل من مثل الصّحابة لم يكونوا كذلك. ولذلك قلّت حتّى روايتهم عنه عليه السّلام. لأنّ ما سمعوه منه كاف وزيادة لدينهم ودنيانهم ولجهادهم وتحريرهم النّاس وإقامة العدل. الفراغ هو خير مناخ للذئب به يتسربل. فيفترس هذا شهوة ويفترس ذاك (العالم وطالب العلم) شبهة. وشيطان الغفلة ـ الذّئب الجائع الذي لا يشبع منّا ـ بما يصيب منّا من ذلك شبعان ريّان

والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى