اراءاهم الاخباررأي رئيسي

التناكح الإسلاميّ المسيحيّ : أيّ حكم وأيّ أحكام؟

 

هذه مشكلة إلتهمت نارها في العقود الأخيرة أسرا كثيرة وخلفت جيشا آوتهم الجريمة وأحقادا من بعد ذلك. كنّا في أيام الطفولة الجميلة نعدّ الزواج من غير المسلمة ردّة. فما إن داهمتنا عاصفات الإتصال وأضحى البحر المتوسط الذي يفصل بين أرض الإسلام وأرض أوربا أثرا بعد عين حتى سمعنا بفلانة المسلمة أنها أنكحت نفسها فلانا المسيحيّ. و إستبقاء لذرة من الحياء يعيش ذلك الزوج ما يشبه التعويذة الخرافية فيها يعلن إسلامه في عملية قذرة تحيلك بيسر إلى نكاح التحليل أو ما كان يسمّى في طفولتنا ( التيس المستعار). وفي مقابل ذلك نشأت زيجات إسلامية مسيحية كتب لبعضها البقاء. في حين أنّ كثيرا منها تصدع. هي تجربة شهدت كلّ ذلك نجاحات وإخفاقات. ما يهمني هنا هو إحصاء وجوه الحكمة من إباحة الإسلام لهذا التناكح الإسلاميّ المسيحيّ. إذ أنّ الحصيف يطلب الحكمة قبل الحكم

لأيّ غرض أباح الإسلام نكاح المسلم كتابية؟

كثير من الناس يخلطون بين الأصل القرآنيّ الوارد في سورة المائدة حكما تشريعيا ـ لا فقهيا ـ راسخا ثابتا وعليه سار بعض الأصحاب أنفسهم عمليا وبين نهي الفاروق عمر الناس في خلافته عن ذلك. مفتاح العلاج لهذا التعارض الظاهريّ هو فقه علم مقامات التشريع والمشرّع الذي حبّر فيه العلامة إبن عاشور صفحات غنيات في سفره المقاصدي وثنّى من بعده السياسيّ المغربيّ والفقيه المقاصديّ الدكتور العثمانيّ في بعض من كتبه القيمة في هذا الحقل. المقام الفاروقيّ وهو ينهى عن ذلك الأصل التشريعيّ القطعيّ هو مقام الولاية السياسية. وليس مقام الناسخ التشريعيّ. وما ينبغي له ذلك. لمّا رأى عليه الرضوان أنّ الرأسمال النسويّ في الأمة في عهده مهدد بالبوار والعنوسة إتخذ هذا الإجراء الحكوميّ. وهو ما يسمى في أصول الفقه : تقييد المباح. وكلّ مباح مقيد بالضرورة. فإذا زال الداعي عاد الحكم إلى سالفته. إذ هو دوّار مع علته وجودا وعدما. فإن إفترقا فلا حكم ولا حكمة. الحكمة من إباحة الشريعة ذلك مزدوجة مركبة. منها الغرض الدعويّ. وأظنه المقصد الأوّل الذي لأجله أباحت الشريعة ذلك. إذ أنّ الإسلام حريص على دفع أبنائه إلى إبلاغه الناس. ومن صور إبلاغه النكاح الذي ينشئ علاقة لم يرض لها الشرع إلاّ عنوان ( مودة ورحمة ) كما ورد في سورة الروم. وهو مقصد حقّق أغراضه مرات. في أيامنا هذه أعرف كثيرات أسلمن بسبب دماثة خلق أزواجهنّ. وهو أمر محمود دون ريب. ومن تلك الأغراض كذلك تجسير الهوة الفاصلة بين الناس لخدمة مطلب من أكبر مطالب الإسلام وهو مطلب التعارف. إذ بالتعارف بين الناس يستتب الأمن بينهم وتسلّ فتائل الوحل وضغائن القلوب. ومن بعد ذلك تمهّد طرق التعاون على الخير. ومن الخير التناكح. ومنه التعاون التجاريّ والصناعيّ والزراعيّ وعمارة الأرض وأبواب من الخير لا تحصى ولا تعدّ. كلّ ذلك لا مفتاح له عدا مفتاح التعارف. التعارف هنا يكون مع الأصهار من المسيحيين وغيرهم. ومن تلك الأغراض كذلك تكثير النّسل سيما إذا ضمن الزوج إسلام نسله. الله سبحانه يمتنّ على المسلمين الأوّل أنه كثّرهم. إذ الكثرة مظنة قوة. وما شغبت العلمانية المتطرّفة علينا بسوء عقليّ إلاّ عندما أقنعت جيوشا من المسلمين أنّ كلّ مولود جديد هو فم فاغر يطلب الأكل. ومن ذا فإنّ تجنّبه أيسر للعيش. ومن تلك الأغراض كذلك مواجهة بعض حالات الطوارئ التي لا يعلم حدوثها إلا الله علاّم الغيوب سبحانه. ومعلوم أنّ الشريعة الإسلامية مجهزة بمخارج الطوارئ لمن يستقرئ ذلك برشد وحصافة. قد تصاب الأمة بجائحة ما فتكون معرّضة للضعف فيلتهمها العدوّ لقمة سائغة. ولذا حرصت الشريعة على فتح هذا المخرج ليكون منقذا لما قد تتعرّض له الأمة. بل هو مخرج قد يحتاج إليه الفرد سيما ممّن يعيش في بلاد غير إسلامية. إذ قد يسلم الشاب الأوربيّ القحّ ويكون زواجه من أهله وقومه أدعى له وأيسر لسانا وعادة وغير ذلك. لمّا أوصد الإسلام نكاح المتعة أباح نكاح الكتابية أن يشغب على الناس عنت وضعته الشريعة وضعا. تلك بعض الأغراض التي قد تكون مقدمة على غيرها ولكن لا يحيط بحكم الشريعة محيط

لأيّ غرض حرّم الله إنكاح المسلمة غير مسلم؟

هذا باب يشغب على كثير من المسلمين و غيرهم. ذلك أنّ الشريعة قد تنصّ على حكمتها وقد لا تنصّ. وعندما لا تنصّ فإنها تمنح العقل مساحة للبحث. والباحث عن الحقّ ملاقيه بإذن الحقّ سبحانه. العنوان الأعظم الذي جاءت به الشريعة في قضية المرأة كلّها من أوّلها إلى آخرها وتنكّبها كثيرون في الغابر وفي الحاضر سواء بسواء هي أنّ الإسلام بشريعته ـ لا بفقه الناس الذي قد يتنكب الشريعة ـ متشوّف إلى تحرير المرأة وصون كرامتها وحفظ حقوقها بصورة مشددة جدا. لمّا فقه السابقون هذا فقهوا فقه الأسرة. وعندما إنقلب ذلك العنوان الأعظم إلى عنوان آخر ساقط إسمه : الإسلام يخاف من المرأة. فهو يقيّد حريتها لأنها شيطان تنشر الفاحشة والسوء وهي من أغوت آدم زوجها .. عندما إنقلب ذلك العنوان الإسلاميّ إلى عنوان آخر نحتناه من أهوائنا فإنّ الفقه إسودّ و إدلهمّ. وأضحت المرأة في عيون العرب والمسلمين ومنذ قرون سحيقة شيطانا أسود وشرّا لا بدّ منه للمتعة الجنسية فحسب. وهي تبثّ الإغراء والإغواء والفساد والفاحشة وهي منتب كلّ سوء. ذلك هو المنقلب الأسوأ الذي إنحططنا إلى دركه. وعندها لن تسمع من أكثر المنسوبين إلى الدين عن المرأة عدا التحريم والمنع والشيطنة. حتى إنّ العودة اليوم إلى المعين الصافي للشريعة وقوامها تحرير المرأة وصونها ـ وليس تقييد حركتها وحريتها وعضلها ـ أضحت كبيرة على أكثر المتصدين للدعوة. لأنهم يخافون طبقات دينية ثخينة شكلت المزاج الشعبيّ العامّ. الحكمة الواحدة التي لأجلها حّرم الله سبحانه إنكاح المسلمة غير المسلم هي عدم الزجّ بها في أتون رجل لا يؤمن بالحرية الدينية. ومعلوم أنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي يؤمّن للزوجين القدر الكافي من الحرية الدينية. المسيحية التي يتزوجها المسلم لا يمنعها من اإلإحتفاظ بإسمها ولا من بقائها مسيحية ولا من طقوس العبادة كما كانت تؤديها سواء في بيتها أو في الكنيسة. ولا من صلة رحمها المسيحيّ. وبالجملة تظلّ مسيحية. لها كلّ حقوق المسيحية. كأنها لم تتزوج مسلما. عدا حقوقه التي وقّعت عليها في عقد النكاح. ولا يجد المسلم في ذلك غضاضة. لأنّ كتابه يأمره بذلك أمرا صحيحا صريحا. بل يتوعده بالعقاب إن هو أخلّ بحقّ زوجته المسيحية في عبادتها. أمّا المسيحيّ الذي يتزوج مسلمة فقد يعضلها عن عبادة ربها. قد يؤمّن لها ذلك. ولكن حقّ المرأة ليس زهيدا حتى نحكم فيه بغلبة الظن. المرأة في الإسلام أغلى من أن يزجّ بها في أحضان زوج قد تتحكم فيه عصبته وقومه. وقد يزداد هو نفسه كفرا وقهرا وشنآنا للإسلام فيعضل زوجته عن صلاة الجمعة أو العيدين أو عن التطوع بمالها لفائدة مشروع إسلاميّ أو حضور حلقات علم وتقوى. وغير ذلك ممّا قد تحين ساعته بالنسبة لكل مسلم ومسلمة في دروب الحياة. تلك هي الحكمة : المرأة أغلى من أن يزجّ بها في أتون عائلة قد تنغّص عليها دينها وتحرمها حقها في الحياة الرّوحية. وذلك بسبب أنّ ذلك الزوج لا يؤمن بأنّ الإسلام دين له حقّ الحياة كما هو الحال في الإسلام الذي يؤمّن لأهل الكتاب حياتهم الدينية ويعترف بها. عدا أنه يسلب عنها المشروعية الدينية. وليس المشروعية الواقعية. يمكن الحديث هنا كذلك عن وجهين آخرين للحكمة : أوّلهما هو عدم تعريض الأمة للإحتلال الديمغرافيّ والإختلال السكانيّ. إذ قد يكون ذلك خطة ممنهجة من عدوها وبتزويج نسائها غير المسلمين يحصل ذلك وتمحى الأمة. الوجه الآخر هو أنّ الولد من رحم مسلمة تزوجت غير مسلم سينشأ غير مسلم بنسبة عالية. ومن ذا فإنّ المسلمة تعيش في جحيم موصول وهي تغذو ولدها شهورا في رحمها بمائها ودمها تم تضعه وترضعه وتنشؤه ولمّا يكون طفلا مميّزا أو شابّا يختار دينا غير دينها. أي دين زوجها وراثة أو إكراها. هذه حياة لا يرضاها الإسلام لأيّ أمّ مسلمة

متى يقيّد هذا الأمر في واقعنا المعاصر ؟

كما أنف ذكره فإنّ المباحات كلّها ودون أيّ إستثناء معرّضة للتقييد كلّما قدّر الناس أنّ ذلك أصلح لحياتهم. وهو الأمر الذي فعله الفاروق كما مرّ بنا بمقام الولاية السياسية وليس بمقام البلاغ الدينيّ . في عصرنا الحاضر يمكن تقييد هذا الأمر عندما يغلب على الظنّ أنّ الولد الذي يوهبه المسلم من زوجته غير المسلمة قد لا يرث دينه. صحيح أنّ الإسلام ليس وراثة. بل هو إختيار. ولكنّ المقصود بالوراثة هنا هو عدم قدرته على تربية ليكون مسلما في الحد الأدنى من الإسلام. ويزداد هذا القيد رسوخا عندما تكون الزوجة في قومها وفي منعة بسبب ذلك. في هذه الحالة لا يليق بالمسلم أن يقدم متعته الجنسية ـ وهي مشروعة قطعا بل هي غرض من أغرض النكاح ـ على حرية ولده الذي من صلبه. ولا يتحرّر الإنسان إلاّ بالإسلام. وإلاّ فهو سجين لتقاليد وعادات وأعراف وخرافات وأساطير حتى لو تدثرت بلبوس التحضر والعلم والتمدن. من يقيدّ هذا؟ ذلك هو السؤال المحرج لكل من فيه باقية من إيمان. إذ أنّ الدولة التي تقيّد ذلك لم يعد لها وجود منذ قرن كامل. ومن ذا فإنّ المسلم مرجعه هذا الوجود المسلم في أروبا. سواء مرجعيات علمية أو جمعيات محلية. ولا يعدم رأيا سديدا وتجربة ممّن سبقوه

لأيّ غرض لا ينكح المسلم مشركة أو غير كتابية؟

الكفر أعمّ من الشرك. ولكنّ الكتاب غلب عليه إستخدام الشرك بسبب غلبة الواقع لأنه كتاب واقعيّ. الكفر ( لسانا فحسب) مثل الخير. أي قيمة عامّة تحتضن تحتها ما لا يحصى من الفروع. ومن فروع الكفر التي أباحت فيها الشريعة تقاطعا نكاحيا هي الفرع الكتابيّ بجزئيه النصرانيّ واليهوديّ. عدا أنّ بعض الفقهاء في العصر الحديث قيّدوا الجزء اليهوديّ بسبب إحتلال فلسطين. وهو حكم له وجاهة. ولكنه يظلّ فتوى تنزّل على محلّها الخاصّ بها. وليس حكما عامّا . الحكمة العظمى من تحريم الشريعة التناكح بين الإسلام وكلّ أنواع الكفر عدا الباب الكتابيّ هي الحفاظ على ذلك الجدار العقديّ السميك بين الإيمان وبين الكفر. وليس ذلك خوفا على المسلمين أن تنهدّ عقائدهم. ولكن كان ذلك حفاظا على الرأسمال الديمغرافيّ والقوة السكانية لأمة الإسلام ذلك أنّ حركة التناكح بين الأمم والأديان إذا أطلقت من دون أيّ تقييد فإنها كفيلة بأن يبتلع الكثير منها القليل في غضون سنوات معدودات. وهي خطة تعتمدها بعض الحكومات والحضارات والثقافات. يمكن للمسلم أن يشيّد مع الكتابية بيتا فيه الحدّ الأدنى من التدين والتقوى والإحترام المتبادل. بل إنّ ذلك قد يغري الزوجة فتسلم. وهو ما يحدث. ولكن لا يمكن للمشركة أو المشرك أو المرتدّ أو المرتدة أو غيرهما الحياة بالعنوان الزوجيّ مع مسلم تحت سقف واحد. الحكمة هنا هي : توفير حدّ أدنى من التجانس وليس الزواج عدا تجانس. فإذا تعذر التجانس الفكريّ ولو في حده الأدنى فإنّ المكان سيكون مملوء بالخيانات والعذابات

الخلاصة

من الخلاصات الكبيرة هنا هي أنّ الإسلام يعدّ المرأة كنزا طيّبا جميلا بل هي خير متاع الدنيا بالتعبير النبويّ. ومن عنده كنز مثل بؤبؤ عينه هل يزجّ به في أحضان فحل لا يقدّره حقّ قدره؟ لا علاقة للأمر بالمساواة ولا بالعدل. إذ عين الغمط أن تسوّي بين مسلمة وغير مسلم. وعين المساواة أن تحفظ زهرتك بعيدا عمّن يلثم رحيقها ثم يحبسها عن معانقة أملها. أكثر المسلمات اللائي يتزوّجن غير مسلمين إنّما غرتهم زهرة الدنيا إذ يطلبن المال وأسباب المال من مثل إقامة في الغرب. وكثير منّا يدفعهنّ إلى ذلك بأسباب مباشرة وغير مباشرة. من لنا بفاروق ينظر في الدين بعين وفي الواقع بعين أخرى ليقيّد مباحات في الدين إبتغاء مصلحة الأمة؟ فاروقنا هو نحن بإجتماعنا وتكافلنا وحوارنا وخفض الجناح منّا بعض لبعض. أمّا النّوم الذين يرقبون مهديّا يحرّرهم من إستلاب الجهل أو إستبداد القهر وهم على أرائكهم يحتسون الكسل فما أحراهم بحكمة الشاعر : يا ليل؟ الصبّ متى غده؟ للصبّ غدا هو ناظره وللمتدثّر بعقيدة مسيحية باطنية إحلولاك هو داهمه

والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق