اراءاهم الاخباررأي رئيسي

التدين سلاح ذو حدين فإما نعمة أو شقوة

أوّلا: التمييز بين الدين وبين التدين ضروري إذ أن الأوّل إلهي المصدر ثابت عدل كله ورحمة كله أمّا التدين فهو تحمّل الإنسان بحسب جاهزية لاقطاته المستقبلة لذلك الوضع الإلهي. يعبّر عن ذلك اليوم بقولهم : الفارق بين المطلق والنسبي أو المقدس والإجتهادي ولا مشاحة في المصطلح. وليس ذاك خاصا بالإسلام بل هو عام ينظم كل دين سماوي. ومن ثمرات هذا التمييز عندما يكون وعيا منداحا ألاّ يتحمل الإسلام أوزارنا من جهة وألاّ نرتفع بأئمتنا إلى القديسية والرهبنة أو المثالية والعصمة من جهة أخرى. الدين هو الهندسة الإلهية للحياة والتدين هو تنزيل تلك الهندسة من لدن الإنسان بما يتيسر له سعة فكرية وأفقا عقليا ومتاحات زمان ومكان وحال وعرف. الدين له بداية ولا يعرف نهاية إذ يظل يعرج كادحا إلى ربه سبحانه فلا يقدر الله حق قدره حتى أهل الملإ الأعلى وجبريل روح الله نفسه سبحانه. أما التدين فله بداية وله نهاية إذ أنه ينتهي بموت الإنسان وينتهي قبل موته بما تطاله إستطاعته فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما آتاها

ثانيا : يستمد الدين مشروعيته من الفطرة الإنسانية ولذلك يكون محل رغبة من الإنسان سيما في حالات خوفه وذعره وظمإه الروحي وجوعته الفلسفية إذ يجابه من لدن نفسه بأسئلة من ضرب : من أين؟ ولم؟ وإلى أين؟ ولذلك جاء الدين واقعيا مناسبا للإنسان جبلّة وغريزة وعاطفة وذوقا ويظل الإنسان في حاجة إلى جرعة تدين أيّا كان الدين الذي يعتنقه إذ يوفر له حقيقة أو خيالا ما يطفئ حرقته ويؤمّن خوفته ومن ثمرات ذلك أن الإسلام هو الأبقى على مرّ الزمان والمكان بسبب أنه يلبّي للإنسان حاجاته ولو لم يكن كذلك لفرّت منه البشرية ومن ثمرات ذلك كذلك أن مشروعية الإسلام تدينا لا دينا هي إتخاذه من لدن أهله سيما المصلحين منهم محررا للناس لا مخدرا كما كانت المسيحية في أوروبا

من قواعد التديّن الأرشد

التفكير عملة الإيمان

لم ندع إلى الإيمان بالله واليوم الآخر بسبيل التلقين أو التجريد بل بسبيل النظر والتفكّر والتدبّر في المحاضن التي هي مستودع الإيمان ومنها الكون المنظور الذي يحيل إليه الكتاب المسطور في كل آية تقرؤها تقريبا ومنها التاريخ المروي الذي حفل منه القرآن الكريم بما يزيد عن ثلثه والثلث رياضيا كثير ومنها خلجات النفس البشرية في عارضات اليسر والعسر. الإيمان بضاعة تقتنى من تلك المحاضن بعملة النظر وتلك هي الحسنة المقصودة من التلاوة إذ التلاوة وسيلة إلى تذكية شهية التفكر بما تقرع به الأسماع من أساليب حوارية وإستنكارية وإستفزازية. ولذلك لم يكن للصحابة الكرام عليهم الرضوان مصحف يأخذونه بالأيدي ويتناولونه بالتلاوة إنما بالسماع فحسب لأنهم أمّيون من ناحية ولأن التدوين جاء بعد موته عليه السلام بزهاء عقدين كاملين. ومن ذا أقول بإطمئنان كبير أن الإسلام لم يجعلنا متسولين لأفكار حتى في حقل الإيمان والإعتقاد بل حتى على مصدريه هو بل دفعنا إلى إستخلاص منهاج تفكيري صحيح بسبيل الإستقراء الموضوعي. شعار الإسلام هو : لا تعطني فكرة بل علمني كيف أفكر

الإختلاف عرش العلم

شيّد الله سبحانه كونه وخلقه والمقدس منه ( الإنسان ) على قانون الإختلاف وسنة التعدد لغرضين هما : تنزيهه سبحانه إذ كل شيء مختلف متعدد متنوع ملوّن عداه هو سبحانه ومن ينظر في الكون وفي نفسه وفي التاريخ يلتقط هذا بيسر. الغرض الثاني هو تيسير سبل التعايش بين المختلفات والمتعددات والمتنوعات في عوالم الإنسان بصفة خاصة إذ هو وحده ( مع الجان ) الذي إتيحت له مقادير من الحرية والإختيار فكما تتعايش الحدائق مختلفة الألوان والجبال والدواب والأنعام وتضاريس الأرض مطلوب من الإنسان توطئه أكنافه والمطامنة من كبريائه للقبول بالآخر كائنا ما كان الإختلاف بينهما واسعا وليس أوسع من إختلاف الدين فإن آل الإنسان بإسم الدين إلى خنق المخالف وقتله ووأد حقه في الحياة خرج من الفلك السنني السببي وأبق إباق نجم سقط من فلكه. هناك غرض ثالث عنوانه : عندما يلحظ الإنسان قانون الإختلاف الماضي المطرد الذي لا يتخلف أبدا البتة فإن ذلك يدفعه إلى مقارفة العلم ومعانقة البحث وإجتراح المعرفة ولو كان كل شيء متطابقا مع غيره متماثلا لأسنت الحياة ولتبلد عقل الإنسان. تلك هي أغراض قانون الإختلاف التي سقط في إمتحانها المسلمون سقوطا مريعا ولا أمل في نهضة تستعيد مجدهم عدا بإستعادة الوعي الصحيح بذلك القانون الذي رهن الله به الخشية فلا يخشى الله خشية مقبولة عدا من يؤمن بذلك القانون وينظم نفسه تحته

الإنسان صناعة الرحمان

لا أجد مبررا واحدا لجوانب كثيرة ومنتفخة في تراثنا إذ تطمر هذا البعد النابض في مصدري الإسلام أي القرآن والسنة. المبرر الوحيد البائس هو أن الأمة عوجلت بنذارة نبيها عليه السلام بالحكم العضوض والجبري فشبع السيف من لحومها حتى ثمل ولا أجد أنكى في تاريخنا من إنحناء الفقه لصولات السيف إذ قرر شرعية السيف والحكم المتغلب وصاحب العصبية. لا أعزّى بقول المبررين أن ذلك كان على أمل أن يكون إستثناء تاريخيا ثم يزول. ها هو قد أصبح وأمسى هو الأصل الذي تعلمه الكليات والجامعات والمعاهد الدينية تلاميذها وطلبتها على إمتداد قرون. من يتحمل هذه المسؤولية؟ هل تجد ضبابا في إنحياز الإسلام بمصدريه إلى الإنسان المكرم المقدس المعلم المستأمن المستخلف؟ ألم ينصف الوحي يهوديا رماه السفهاء من المؤمنين بتهمة سرقة؟ سرّ تخلفنا لمن يقرّ بأننا في ذيل القافلة وليس في موضع آخر فيها هو تأخيرنا لقيمة الإنسان وتقديمنا لقيمة السلطان والوحي الصحيح الصريح واضح جلي في إن السلطان في خدمة الإنسان وليس العكس. ولا سبيل لأي نهضة إسلامية جديدة وحديثة عدا بإعادة ترتيب المحكمات الإسلامية وفق ما هي مرتبة عليه في الوحي وفي التطبيق الراشدي المهديّ الأوّل. لأجل الإنسان ـ بسبب النفخة الرحمانية التي بها قدّ ـ ينطق بكلمة الكفر وتكون التقيّة لا بتأويلها الشيعي البغيض ولأجل الإنسان يموت الإنسان قربانا في ساحات التحرير. الإنسان صناعة الرحمان التي لا يغار على شيء غيرته عليها ولم يرسل الأنبياء مكرهين للناس على عبادته بل أرسلهم محررين للناس وبعد التحرير وليس قبله يخير الإنسان بين الكفر والإيمان فإن إختار الكفر عن بينة يظل الله يرزقه ويحبوه ويغدق عليه بمثل ما يغدق على المؤمن فإن مات كافرا عن بينة فلا يحاسبه أحد عدا ربه

من أولويات التدين الأرشد

التمييز بين التعبدي والمعلّل

ليس هذا درسا خاصا بطلبة أصول الفقه كما يعتقد كثيرون بل هو ثقافة دينية عامة وسهلة الهضم بل ضرورية الإستيعاب. الإسلام مساحتان مستقلتان تحت مظلة واحدة ومساحة ثالثة مشتركة. مساحة التعبد إعتقادا وطاعة بالغيب أي عبادة بالمفهوم العرفي وهي مساحة يقصد منها إختبار الإنسان في إيمانه بالغيب وطاعته بالغيب ولذلك تطلب منه أمور غير معقولة ولا مفهومة ليست لأنها هي كذلك ولكن لأن عقله هو لا يستوعب ذلك وليس ذلك لدناءة فيه بل حتى يتميز حقل الإلهية عن حقل الإنسانية وإلاّ لأشتبه الإله بالعبد وفسد كل شيء. لم تر العلمانين اليوم ومن في حكمهم يشمئزون من هذه المساحة؟ لأنها هي مناط التكليف وعربون الطاعة وعنوان العبودية التي لا يضنون بها عن مقررات غربية أخرى فرنسية ويونانية وغيرها. ومساحة المعاملات بكل ما فيها من علاقات بين الإنسان والإنسان في مختلف الحقول والأحوال وهي مساحة معللة مفهومة معقولة مبناها الإستصلاح والإستصحاب والإستحسان والإستعراف فلا يطلب لها من الشرع دليل ما لم يكن منه عليها نهي صحيح صريح وهي مساحة العمارة العامة والتزكية بالعلم والمعرفة من جهة وبالأمل والرجاء من جهة أخرى. مساحة عملتها القياس والتنظير وإعمال العقل المستهدي بأنوار المساحة الأولى أي مساحة التعبد. تلكما مساحتان مستقلتان إستقلالا وظيفيا تحت سقف الإسلام. ومساحة مشتركة تأخذ من الأولى شيئا ومن الثانية شيئا وهي مساحة الأسرة التي غلب عليها التفصيل في أصولها والإجتهاد في فروعها ولذلك هي مساحة شبه الشبه بالتعبير الفلسفي أو المنطقي. هي مساحة قنطرة واصلة بين المساحتين الأوليين. تلك هي المساحات الثلاث للشريعة الإسلامية والتمييز بينها مهمّ ومطلوب لمن يريد الله به فقها في الدين ولمن ينفر تفقها في الإسلام

معرفة أسعار الحسنات وأثمان السيئات

الإنسان المتدين مطلوب منه أن يكون تاجرا وذلك بنص القرآن الكريم مرات. الصفة التجارية للمتدين هي الصفة التجارية نفسها للتاجر في الصفقات المالية. أي أن كلاهما يحتاج إلى علم ومعرفة وتجربة وخبرة وأعوان وحسابات ممسوكة وتدبيرات لأجل ضمان أكثر ما يمكن من الأرباح وتجنب أكثر ما يمكن من الخسائر ولأجل الحفاظ في كل الأحوال على الرساميل. عملة المتدين هي حسنات وسيئات. لم يضن الوحي نفسه علينا ببعض تلك الأسعار إذ أخبرنا على سبيل المثال أن الإنفاق ( إنفاق المال إذ أن الإنفاق في الإسلام أوسع من إنفاق المال ) سعره عال ويصل سبعمائة ضعف كما أخبرنا أن صلاة الجماعة ثمنها يقارب ثلاثين ضعفا من صلاة الفذ وذلك لأجل قيمة الإجتماع وما يثمره وليس لأجل قيمة العبادة. كما أخبرنا أن الصوم والصبر خارج دائرة الحسابات التي على أساسها تسجل الملائكة الحفظة تلك الأسعار إذ إقتطع تلكما العبادتين له وحده سبحانه وذلك لأجل ما تثمره عبادة الصيام من فضيلة الإخلاص تلك العملة الأندر من الندرة في الناس ولأجل ما يثمره الصبر من فضيلة الحلم الذي يرفع صاحبه فوق عروش الإحسان فلا ينازع عليها وليس لأجل تحمل شغبات الجوع والظمإ كما يعتقد كثيرون أو كما يصبر العجزة إذ الصبر عبادة الأقوياء وليس هي إستكانة الضعفاء والمقهورين بمثل أن الزهد عبادة الأغنياء وليس كذبات المعوزين والمدقعين. والحد الأدنى المحدد لتلك الأسعار في حقول الحسنات هي أن الحسنة بعشر أمثالها. تلك أمثلة من أسعار الحسنات ومثلها أثمان السيئات إذ أخبرنا الوحي أن الشرك لا يغفر وأن قتل النفس بغير حق لا يغفر عند حبر الأمة إبن عباس وهو الأشد غضبا عند الله سبحانه وأن أكل أموال الناس بالباطل بأي صورة كانت كبيرة كابرة قد تؤول بصاحبها إلى النار وهو مؤمن إيمانا صحيحا وغير ذلك مما ورد في الوحي. المهم أن الشريعة رتبت أسعارا مختلفة في الحسنات ومثلها أثمانا متباينة في السيئات فمن علم بذلك وأنسجم معه في أدائه فهو التاجر الذي يجني ما يجنيه التاجر بالبضائع في هذه الدنيا ممن لهم علم بالأسواق وقانون العرض والطلب ومن تنكبه نكب نفسه

تطبيق الشريعة مرهون بالعلم بمحالها

أكره هذا التعبير ( تطبيق الشريعة ) لأن التطبيق لغة ليس هو التنزيل والتنفيذ من ناحية ولأن الشريعة ليست جاهزة لذلك حتى تستخلص في مدونات فقهية يغشاها الضعف ولكن لا مناص من ذلك من ناحية أخرى ولأن هذا التعبير ( تطبيق الشريعة ) تعبير حديث معاصر نشأ مع رواد الصحوة الإسلامية المعاصرة وجاء في سياق معارضة القانون الغربي من ناحية ثالثة ونواح أخرى ليس لي فيها الآن أرب منها أن الشريعة إختصرت في الحديث في جانبها العملي من جهة وفي جانبها العقابي الجزائي من جهة أخرى. وهو ما عبّر عنه القدامى بالمناط تخريجا وتهذيبا وتحقيقا إذ أن الشريعة في أي حكم من أحكامها عقيدة وعملا وفرديا وجماعيا لا تنفذ إلا من بعد خوض خطوتين لا مناص منهما : خطوة التهذيب وهي خطوة التعليل والإستصلاح أن تفضي إلى غير ما وضعت له وخطوة التنزيل على محلها المناسب وموقعها الملائم أن تصيب أرضا غير أرضها فتكون شجرة عقيمة لا تثمر بسبب عقم التربة لا بسبب أصل الشجرة. الفقه الفاروقي هو خير من برع في ذلك براعة جعلت عشرات الباحثين من طلبة الدكتوراه اليوم يحبذون هذا المسلك ولكن يضيق المقال هنا عن إفاضة وإنسياب. محمد عليه السلام لمّا أراد تطبيق الشريعة في مكة إقتصر على قالته المشهورة ( خلوا بيني وبين الناس) أي أن تطبيق الشريعة بيد الإنسان وليس بيد نبي أو سلطان من جهة لأنها شريعة مبناها الحرية والإرادة وليس الإكراه وإلا تحول المجتمع إلى ثكنة نفاق ومن جهة أخرى لأن أسّ الشريعة وأمّ الإسلام هو شريعة الحرية التي يعكسها هذا الحديث. أما شريعة يطبقها سلطان على الناس فهذه مسيحية وليس إسلاما. خلاصات هذه المسألة عندي هي في القالات الآتية : التحرير أسبق من الشريعة من جهة والعدالة الإجتماعية أسبق من الشريعة من جهة أخرى والإنسان أسبق من الدولة والسلطان. والأمن أسبق من الشريعة نفسها كذلك. وحوصلة ذلك أن الشريعة لا تطبق إلا عندما يرضاها الناس وبعد أن ينعموا بالحرية أوّلا وبالعدالة ثانيا وبالأمن ثالثا ولا يآل إلى معناها العقابي الزجري إلا تأمينا لتلك الأصول الثلاثة العظمى : الحرية والأمن والعدالة فإن عكس ذلك السلم وقلب فإن الدين أجدر بأن يسمى مسيحية أو تيوقراطية أما الإسلام فبراء من ذلك

من آفات التدين الأرعن

آفة طغيان الماضي على الحاضر

الإسلام جمع بين الماضي والحاضر والأصل والعصر والإلهية والإنسانية إذ هو دين مزدوج متعدد الأبعاد موضوعي لا موضعي مقاصدي لا وسائلي وجامع لا مبتسر ومعاصر يعالج تحديات كل زمان ومكان وإنسان وليس محنطا أو جامدا أو زينة سرعان ما تتلاشى أو متحف يجمع القديم للفرجة. فقه الصحابة ذلك من بعد موته عليه السلام فلم يترددوا في الإجتهاد والتجديد والإختراع والإبتداع في الدنيا ففعلوا الأصلح لزمانهم حتى لو لم تأت به سنة أو أتت به سنة فقهوا أنها خاصة بزمان أو مكان أو إنسان ولذلك كانوا حجة على زمانهم ولم تضق بهم الدنيا أو يوصموا بأنهم رجعيون متخلفون ماضويون وفتوحاتهم العقلية والإدارية والمادية شاهدة على حسن فقه ورفيع حكمة. واقعنا المعاصر لا يصلح من ماضينا فيه عدا ما هو ثابت من الوحي إذ أن الوحي فوق الزمان وفوق المكان وما عداه للإستئناس وليس من مخجل عند من يعتبر ـ وقليل هم من قليل هنا بصفة خاصة ـ أن نظل مشدودوين بتقليدية قرودية شائنة إلى إجتهادات فقهية أو مدارس فكرية ما ظن أصحابها يوما أن الجمود سيخيم على الأمة حتى تظل أراؤهم قرآنا يتلى ويظل الدليل عند الناس هو : قال فلان. أجل. ليس في صدري شيء مخجل أكثر من ذاك لأن الأجتهاد فريضة كما قال السيوطي ولأن التجديد إرادة إلهية كما هو في حديث الحاكم وغيره. الفيئة إلى السالفين في قضايا معاصرة ومسائل حديثة هو عين التواكل والعجز والهوان

آفة طغيان الحاضر على الماضي

هذه آفة تضرب العلمانيين اليوم ومن في حكمهم سيما الجهلى منهم غير المكذبين بالدين جملة وتفصيلا. هي آفة تساوي الآفة الأولى حتى لو إختلفتا في المنطلق فإن الثمرة المرة واحدة وهي القبول بالإسترقاق. عدا أن أصحاب الآفة الأولى إسترقوا أنفسهم لسلف جاهد وإجتهد لزمانه وليس لغير زمانه فأصاب وأخطأ وأن أصحاب هذه الآفة إستعبدوا أنفسهم لخلف طرد الله من ثقافته وحضارته بتعبير الفيلسوف الكبير روجي قارودي فهؤلاء عبيد الغرب وأولئك عبيد السلف والإسلام زيتونة لا شرقية ولا غربية والزيتونة التي لا تتعهد بالماء والفلح والزبر تموت حتما

آفة إستيلاء الدولة على الدين وتوجيه التدين

قامت ثورة أوروبا قبل عقود على أساس تحرير الإنسان من الدين المتحالف يومها مع القيصرية والمال الفاسد فإستجابت أقدار الرحمان سبحانه كما قال شاعر الثورة أبو القاسم الشابي في بيته الذي يعده اليوم أكثر المسلمين هرطقة وزندقة ( إذا الشعب يوما أراد الحياة ..) وتحرر التدين من السلطان الكنسي فأثمر ذلك خيرا كبيرا تتفيأ أوربا اليوم ظلاله يمنة وشمالا. ومازالت الدولة في العالم العربي تعربد بإسم الدين الذي تحتكره وتضرم النار فيمن يؤوله على غير رؤيتها وبذلك قامت الثورات والمغالبات التي سبقتها على أساس تحرير الإسلام من الدولة العربية وكهنتها الذين جمعتهم في وزارات الشؤون الدينية فما إجتمعوا حتى على أبسط شأن من شؤون الدين أي تحديد يوم واحد لعيدي الفطر أو الأضحى أو أول أيام رمضان. الدين فوق الدولة فهو من يوجه الدولة ويغذيها بالقيم الأخلاقية أن تعربد وتتبرج وتئد الحريات. الدين رأسمال الأمة الأكبر وحقها في النقض ضد كل دولة تحتكره أو توجهه بغير حق أو تستخدمه لتكفير من تشاء وتخوين من تشاء أو تستعمله مخدرا للناس وتضرب عليهم بحجاب كثيف من الكهنة والسدنة ورجال الدين. أملي أن تكون رسالة الثورات العربية المتعاقبة والهادرة تحرير الدين من الكهنوت الحكومي ليكون الدين كله لله وحده سبحانه وليتعامل معه الإنسان بحسب ما يرى ويتعلم ويتفكر إذ الخير في الأمة لا ينضب ولكنه في الدولة نسبي بل هي مظنة طغيان كما قال إبن خلدون. عندما تستأثر الدولة بالدين فإن الثمرة المرة هي إما حشد جيوش لجبة من الطماعين اللاقطين لفتات الأنظمة الفاسدة وبفرض الجوع عليهم يكثر عددهم كثرة الذباب حول الجيف القذرة وإما حشد جيوش مثلها من الحمقى والجهلى المتهورين بإسم الجهاد في سبيل الله يشهرون أسيافهم على البر والفاجر والمسالم والمحارب ومن ذا تنشأ فتنة كفتنة القطعان الهمجية التي تدثرت بإسم الدولة الإسلامية في الشام والعراق أي داعش وفي الحالين تتدحرج الأمة بسبب إحتكار الدولة للدين . عندما حررت الدولة العباسية المبادرة في التفكير الديني نشات مدارس كلامية ومذاهب فقهية وأفنان أدبية وإزدهرت الحياة العلمية والثقافية

خلاصة مكثفة

قبل أن تتدين كن إنسانا سويا معترفا بفجورك وتقواك معا

قبل أن تتدين أنظر إلى التاريخ الطويل إذ أنت فيه طرفة عين ليس أكثر

قبل أن تتدين كن حرا طليقا كطيف النسيم من نفسك أوّلا ومن غيرك ثانيا

قبل أن تتدين تواضع إذ لست أول متدين ولست ملكا ولست نبيا

قبل أن تتدين إغترف من العلم والمعرفة والحكمة والميزان ما إستطعت

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق