اراءاهم الاخباررأي رئيسي

إعادة التفكير في مسألة التكفير

تواجه نزعة التكفير نبذاً متنامياً واعتراضات متزايدة، حتى صار النعت “التكفيري” وصمة تستدعيها خطابات سياسية وإعلامية وثقافية في البيئة العربية، لترمي بها أطرافاً وجماعات معيّنة. لكنّ مواجهة النزعة تقتضي تطويراً مفاهيمياً يستوعب ماهية التكفير ويدرك منطقه ويعي طرائق اشتغاله ويشخِّص تمظهراته وتجلِّياته الملحوظة والمستترة في النطاقات والمستويات جميعاً. ويتطلّب المسعى اعترافاً بما تهيّأ لثقافة التكفير من مقوِّمات متعاظمة من الوَصم والتشهير والنبذ والإقصاء، وبما يغذِّيها من خطابات رائجة وأدوات فاعلة وصناعات داعمة في الزمن الجديد.

التكفير في نطاقاته ومستوياته

يقضي التكفير بالمُغايَرة في أقصى درجاتها ويترتّب عليه موقف نبْذ يحتجّ بمفاهيم وسِمات سلوكية، وقد يمتدّ الموقف إلى نبْذ حاملي هذه المفاهيم والسِّمات والمعبِّرين عنها أو معاقبتهم أو استتابتهم. والأحرى بالتكفير أن يُفهَم في سياقه، أي بما هو عليه من تَمَظهُر يقضي بالاستبعاد من الانتماء إلى قيَم مركزية عليا بالنسبة لأمّة ما أو مجتمع معيّن أو جماعة محدّدة أو فئة مخصوصة.

قد يدفع الوعي الجمعي، المشفوع أحياناً بالترهيب من النقد؛ إلى تقديسٍ جديد لمفهوم أو تنزيه فائق لفكرة، بحقّ أو بغير وجه حقّ، بما يقضي برَمْي من يُتصوّر خروجهم عن ذلك بضَربٍ من التكفير استناداً إلى المفهوم المعنيّ

وإن ارتبط التكفير، أو الرّمْي بالتجديف أو الزندقة، في الأذهان بما يتذرّع بالدِّين، كما هو رائج، فإنّ إعادة التفكير في منطق هذه النزعة تكشف عن تجاوزها النطاق الدينيّ على نحو يكاد يُتيح قابلية تشخيصها في النطاقات جميعاً ويُسفِر عن تجلِّياتها في مستويات شتى. فالتكفير، الذي يأتي صريحاً أو يشتغل رمزياً، ويتجلّى مباشراً أو يتفاعل إيحائياً؛ من شأنه أن يقضي بنزع شرعية الانتساب إلى ذاتٍ جمعية يتّسع نطاقها أو يضيق، بدعوى مخالفة مقتضيات فِكرة مؤسِّسة أو المروق من قيَم عُليا تتشكّل الهوية الجمعية من حولها.

وإنْ عَظُم وَقْع التكفير في أمر الدِّين والقيَم العليا المرجعيّة للمجتمعات؛ فإنه قابل علاوة على ذلك لأن يتمظهر بأشكال متفاوتة المنسوب والأثر في نطاقات أضيَق تبقى ذات وطأة على الأفراد؛ مثل الرّمْي بما يقضي بخيانة الأواصر الاجتماعية، أو التناقض مع هوية حزب أو “فلسفة مؤسّسة”، وهي ومثيلاتها ذرائع كافية في سياقاتها لفرض أنماط من الاستتابة أو النبْذ أو إيقاع العقوبة على نحو صريح أو رمزي.

أسلاك الوعي الشائكة

إنّ تحصين فكرة ما من النّقد قد يقضي بتنزيهها أو تقديسها، وهو مسلك لا يقتصر على الشأن الديني كما يُظَنّ. فللأمم والمجتمعات كافّة سرديّاتٌ مُحاطة بأسلاك شائكة تتّقي بها محاولات الشكّ أو مساعي النقض، وإن زعمت الأمم والمجتمعات ذاتها الانفتاح والاستنارة ونبذ “التابوات” جميعاً؛ أي المحظورات المجتمعية غير المعروضة للنقاش.

وقد يدفع الوعي الجمعي، المشفوع أحياناً بالترهيب من النقد؛ إلى تقديسٍ جديد لمفهوم أو تنزيه فائق لفكرة، بحقّ أو بغير وجه حقّ، بما يقضي برَمْي من يُتصوّر خروجهم عن ذلك بضَربٍ من التكفير استناداً إلى المفهوم المعنيّ أو الفكرة المخصوصة. وقد يأتي التكفير، على هذا النحو، مشفوعاً بموادّ رادعة منقوشة في ألواحِ التشريع، تقضي بإنزال العقاب على المارقين. تعبِّر قوانين “تجريم الإنكار” المُجترَحة في دول أوروبية عن شيء من هذا، بما يفرض بطبيعة الحال، قيوداً على حرية التعبير وحتى على فسحة البحث العلمي والأكاديمي في بعض الحقول. ولا يقتصر الأمر على إنكار الجرائم والممارسات الرهيبة التي اقترفها النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية أو التهوين من أمرها؛ بل يتجاوزه إلى ملفّات أخرى على نحو انتقائي. من وجوه المعضلة الكامنة في منحى كهذا؛ أنّ حالات الحظر المشفوعة بثقافة مجتمعية مغلّظة تصير متاحة بطبيعتها لأن تُستعمَل هراوةً معنوية باتجاهٍ تكفيريِّ الطابع يروم الوَصْم والتشهير وصولاً إلى الاستتابة أو النبذ أو إيقاع العقوبة.

وإن تطوّرت ثقافة مجتمعية في اتجاه معيّن تقضي بتحصين فكرة أو مفهوم أو مسلك من النّقْد، فإنّها تتأهّل من هذا الوجه لأن تفتح باباً للتكفير الرمزي بما يفرض رهبةً ضمنية من المروق منها أو التعبير عن معارضتها؛ حتى دون أن يتوفّر غطاء تشريعي عقابي تتسلّح به هذه الثقافة. وذهبت تجارب مشهودة إلى هيْكلة المراقبة المجتمعية للاتجاهات والأفكار والتيّارات، من قبيل ما طوّرته ديمقراطياتٌ أوروبية من أنظمة وهيئات مكلّفة بمراقبة اتجاهات فكرية ونزعات أيديولوجية عبر أدوات استخبارية داخلية، ونشر تقارير على الملأ تنطوي على تصنيفات تحذيرية من بعضها على وجه التعيين، وهو تقليد مؤسسي صار متجذِّراً بدعوى “حماية الدستور”، وفق الخبرة الألمانية التي تمدّدت إلى بلدان أوروبية أخرى، ويفعل المسلك فعله في التأثير على اتجاهات النبْذ والإقصاء في الفضاء العام ونزع الامتيازات عن المشمولين به.

ولا مبالغة في الافتراض بأنّ النزعة المكارثية التي شهدتها الولايات المتحدة في أواسط القرن العشرين، نسبة إلى رائدها السيناتور جوزيف مكارثي، كانت بطبيعتها نزعة تكفيرية، وقد أسرفت في المطاردة المجتمعية والإرهاب الثقافي وتوسّعت في الاشتباه بالميول الشيوعية والرمي بالتآمُر والعمالة، وكان لها ضحاياها الذين وقعت استتابتهم أو جرى نبذُهم أو أُنزِل بهم العقاب. وإنْ انتهت المكارثية بعد سنوات معدودات من انفلاتها، بعد أن بلغت مبلغها وجرفت كثيراً من الضحايا والقيم في طريقها؛ فإنّ منطقها ظلّ يعمل على جبهات أخرى، كما يبدو مثلاً في صناعة الإسلاموفوبيا المتفاقمة، بما تنطوي عليه من مسارات تشغيل وخطوط إنتاج ومراكز متخصِّصة ووفرة متزايدة ممّن يأكلون خبزهم اليومي بطريقها؛ وبصفة باتت مُعوَلمة أيضاً.

 

ولا تزهد مذاهب مجتمعية واتجاهات حقوقية بمحاولة تطوير ثقافة عامّة داعمة لخطاباتها ومطالبها، وقد يتحقّق لها تحصين مفاهيم ورمزيّات مخصوصة من النّقد أو الإساءة، فيصير انتهاك ثقافة التحصين هذه – إنْ تمكّنت في بيئات معيّنة أو حول المعمورة – مبرِّراً للاستتابة والنبْذ وربما إنزال عقوبات صريحة أو رمزية على المُتجاوِزين. تتأهّل هذه السيرورة للتنزيل، مثلاً، على حالة “الخطاب الجندري” ومفهوم “النوع الاجتماعي”، وعلى الخطابات السائلة المتجاوزة لثنائية الذكر والأنثى وسبُل الاقتران البنيوية ذات الصِّلة، وما يتحقّق لها من حصانة متزايدة حول العالم.

مسلك التكفير في الجماعات

من المفيد فهم نزعة التكفير ضمن مسالكها في واقع البشر مع استصحاب ظواهر الاجتماع الإنساني ذات الصِّلَة. من ذلك أنّ نزعة التكفير الصريح أو الرمزي تتجلّى في الصراعات الداخلية ضمن الجماعات والتشكيلات؛ باللجوء إلى نبْذ أوساط أو إقصاء أجنحة أو جيوب أو أشخاص بأسلوب نزع الشرعية. ففي الجماعات الماركسية قد يقفز التأويل السّلفي الماركسي لإخراج الخصم أو المناوئ أو المُزاحِم أو المنافس عن دائرة الانتماء الأحمر، مع اللجوء إلى ذخيرة اصطلاحية تفي مسعى التشهير حقّه. وإن كان النسَق حزبياً مؤدلَجاً وقع التنابز بالانفلات من محفوظات الحزب والمساس برؤى المؤسِّس والخروج عن خطَّه.

وإن ظهر النسَق طائفة دينية أو جماعة اعتقادية، من أيِّ لوْنٍ أو مشرب؛ قعد القومُ لمنافسهم كلّ مرصدٍ سعياً لوصمه بالمروق ودمغه بالهرطقة. ويكفي للتكفير في الجماعات الطهورية المساس بشرف مكوِّن مخصوص فيها أو فرد معيّن ضمنها، فالدّنَس نقيض الطُّهْر فلا تُحتَمل معه حالة التدنيس المزعومة؛ بما يقضي بها إلى الاستتابة أو النبْذ أو إيقاع العقوبة أو تخفيض المرتبة.

تكفير في رداء “الحداثة”

قد يتجلّى بعض التكفير “الحداثي” بالرّمي بالرجعية والتخلّف، بصفة صريحة أو إيحائية، قد يكفي القول معها إنّ بعضهم قادمون “من كهوف الماضي” أو آتون “من عصور الظلام”، بما قد يقضي بالمفعول ذاته تقريباً الذي يوقعه التكفير الدينيّ النمطيّ في مجتمعه وأمّته. قد تتجلّى رسالة كهذه أو ما يحاكيها بصفة نصِّية أو منطوقة، وقد تُعرَض في هيئة مصوّرة أو إيحائية على نحو يعمِّق التأثير.

وفي النسَق العلماني الفرنسي مثلاً، أو اللائكي Laïcité بالأحرى، يقع التكفير الإيحائي والرميُ بما يشبه الزندقة على نحو صريح أو رمزي بمجرد الاتهام بالمروق من “قيم الجمهورية” مثلاً، وهي وصفة إقصاء مثالية لأي مكوِّن مجتمعي مخصوص في الحيِّز العام وقد يسدّ اتهامٌ كهذا باب المشاركة المجتمعية المتكافئة في وجهه إن لم يبرأ من ذلك أو لم يعلن توْبته على الملأ بصفة صريحة أو إيحائية.

وعلى هذا المنوال تنجلي خبرات التكفير “الوطني” و”القومي” و”الديمقراطي”، شأن “الحداثي” و”ما بعد الحداثي” و”الفيمنستي” و”الجندري” أيضاً، ويكون التكفير والتفسيق والهرطقة في هذه الأنساق والسياقات صريحاً أو إيحائياً أو رمزياً، كما يُلتمَس الإخراج عن النسَق بالمزايدة في فضائل الانتماء بحق أوساط وبالرّمْي بالانتهاك والتقاعس بحقِّ غيرها، وهذا صنْو التفسيق والتبديع، وقد يكون في مقصده الظاهر أو الخفيّ طلبا للاستئثار بالأفضلية والاستحواذ على حظوة الانتماء ضمن نظام رمزيّ مخصوص مع السعي لحجب هذه الحظوة عمّن لا يُرجَى لهم مثلها.

ويتأتّي الإقدام على نزع الشرعية بنفي مقتضيات الانتماء أو الالتزام أو بالرّمْي بنقيضها، ويكفي أن يُوْحي أحدهم اليوم بأنّ غريمه أمرؤٌ فيه “داعشية”؛ حتى يشي بإرادة نبْذه وعزله ودمْغه بوصف شائن، عبر استدعاء الحمولة السلبية المرتبطة بصورة “داعش” وإسقاطها على خصمه. ومن مفارقات النزعة أنّ الرّمْي بالتكفير قد يكون بحدِّ ذاته من ضروب التكفير؛ إن عُدّ التكفير مبرِّراً لنزع شرعية الانتساب إلى نسَق معيّن يجري فيه هذا التداول.

 

التكفير الوطني
تعمد نزعة التكفير الوطني إلى استغلال المفهوم الفضفاض نسبياً لمفردة الوطن، التي يجري إسقاطها على نظام الحكم المُسيْطر أو على شخص الحاكم المستبدّ أحياناً، فيكون مغزى الولاء للوطن انصياعاً لنظام ورضوخاً لحاكم

تُراهِن نزعة التكفير على نفي صفة انتماء إلى نسَق جامع في نطاق مخصوص، يتّسع أو يضيق، وتقضي بانفصام عُرى وُثْقى بمقتضى ذلك. ينزع التكفير الإنساني، على نحو أوسع نطاقاً، الصفة الإنسانية عن أفراد أو جماعات أو شعوب أو مكوِّنات معيّنة بتعبيرات صريحة أو رمزية، مغترفاً من تعبيرات الازدراء والوَصم، مثل المشابهة بكائنات حيّة مرذولة، في خطابات تغري بانتهاك التزامات مقرّرة والتهيئة للفتك المادي و/أو المعنوي بمن يقع عليهم ذلك. وتباشر القبيلة أو العشيرة أو العائلة، على نطاق أضيََق، مسلك التبرُّؤ من منتسَب لها بصفة علنية صريحة أو ضمنية إيحائية بمبرِّر انتهاك أنظمتها أو أعرافها أو اعتبارات معيّنة لديها. تدور خطابات التكفير الوطني، وفق هذا المنحى أيضاً، حول مفاهيم الولاء للوطن أو خيانته، وهي تحشد مبرِّراتها وذرائعها بما يتيح قابلية الاستعمال والتوظيف في اتجاهات شتى، وهي حالة مشهودة عبر العالم حتى في بعض ديمقراطيّاته العريقة.

تسعى خطابات شعبوية صاعدة في أوروبا، مثلاً، إلى تعريف الهوية الوطنية بناءً على تشخيص النقيض الذميم، فيجري، مثلاً، استدعاء الإسلام بصفة ملفّقة وإظهاره في صورة نقيض “الوطن” و”التقاليد” أو “الهوية الوطنية” أو “قيَم البلاد”، ونحو ذلك من السِّمات والخصائص والمشارب. إنّه منزع متصاعد في أوساط أوروبية عدة، ثقافياً وسياسياً وإعلامياً ومجتمعياً، ويَلقي اعتراضات من أوساط تُدرِك مخاطر هذا الانكفاء القيمي والتدهور الثقافي وفداحة أن تنقلب الأمم والمجتمعات على عقبيها. ما يزيد الموقف تعقيداً، أنّ هذا المنطق يتغذّى من قوالب نمطية راسخة في ثنايا الذاكرة الجمعية. تحظى هذه القوالب بعمق تاريخي فيَسهُل إحياؤها سريعاً والنفْخ فيها، بما يتفرّع عنها من أحكام مُسبَقة قد يجري إسقاطها على المسلمين مثلاً في منحى تعميمي جائر. استناداً إلى ذلك؛ رفعت أحزابٌ أوروبية عدّة شعارات رفضت فيها ما تسميها “الأسلمة” وعدّتها انتهاكاً للوطن، وعمّم حزب الحرية النمساوي (أقصى اليمين)، مثلاً، شعارات جاء فيها “الوطن بدلاً من الإسلام”.

إنّ الإسقاط الضمني لهذه الشعارات يقضي بإقصاء مكوِّن معيّن من الهوية الوطنية الجامعة التي يُصار إلى تعريفها بصفة منغلقة ومتحجِّرة لا تعترف بالتنوّع المجتمعي القائم. وعندما يعلو هذا المنطق في ظلال الديمقراطيات؛ فإنّ منسوبه الفجّ هذا يكاد يكون عملياً أقصى ما يمكن احتماله من جرعة التكفير الرمزي المتذرِّعة بالوطن. بهذا المعنى؛ ينبغي أن يُفهَم التكفير في سياقه أيضاً، أي أن يُلحَظ منسوب التجاوُز الحاصِل قياساً بما تسمح به الأنظمة وتتيحه الأعراف، بما يجعل جنوح سيد البيت الأبيض إلى تعبيرات متطرِّفة أشدّ وطأة، بلا ريب، من تشنّج زعيم دولة هامشية يحكم وحده بلا دستور أو دولة قانون أو أنظمة مستقرّة.

تعمد نزعة التكفير الوطني إلى استغلال المفهوم الفضفاض نسبياً لمفردة الوطن، التي يجري إسقاطها على نظام الحكم المُسيْطر أو على شخص الحاكم المستبدّ أحياناً، فيكون مغزى الولاء للوطن انصياعاً لنظام ورضوخاً لحاكم. يقضي التكفير الوطني في حالات كهذه بنزع صفة الانتماء إلى الوطن عن معارضين أو ناقدين أو متظاهرين لأجل الحرية. وقد ينكشف التعبير عن هذه النزعة بصفة صريحة على منوال أغنية متطرِّفة عرضتها شاشات مصرية سنة 2013 جاء فيها: “احنا شعب وانتو شعب، لينا ربّ وليكو ربّ” (أداء علي الحجار)، وهي دعاية تكفيرية بالمعنى الديني والوطني، راهنت على عزل إحساس الشعب بجراحه وآلامه خلال موسم سحق المتظاهرين في الميادين، مع نبذ أوساط من الشعب وإخراجهم عن مفهوم الانتماء الجامع دينياً ووطنياً. غنيّ عن البيان أنّ خطابات بعض الممسكين بزمام الحكم تنضح بتعبيرات ذات إيحاءات تكفيرية صريحة أو رمزية، مباشرة أو إيحائية، وأنّ من عادة دعاية الاستبداد أن تغترف من مثل ذلك، وأنّ نزعة التكفير الوطني تلوح للعيان ظاهرة جلية في مضامين خطاب “الذباب الإلكتروني” مدفوع الأجر الذي يجتاح منصّات التواصل وينتحل صفة الشعوب بعد خنق أنفاسها.

 

نزعة التكفير العقلاني مثلا
المنطق الذي تشتغل به نزعة التكفير يتجاوز هذا النمط الأحادي بتعبيراته الصريحة والساذجة. ثمّ إنّ الرّمْي بالكفر الاعتقادي لا يفعل فعله مع مَن يستهدفهم في الأوساط جميعاً

يقوم التكفير العقلاني على مصادرة امتياز العقل والتفكير وحجبه عن فئات وأقوام دون غيرها بموجب اختيارات انتقائية، وهي نزعة جسيمة بالنظر إلى اختصاص الإنسان بامتياز العقل. تباشر هذه النزعة استتابة مجتمعات وفئات في عقولها ورميها بالردّة عن العقل والمروق من التفكير الواعي، وبعضها -في السياق العربي – يوحي بكُفر المجتمعات المسلمة بالعقل وردّتها عنه؛ هذا إن كانت عندها مشمولة بامتيازه أساساً.

من شواهد خطابات التكفير العقلاني غمْز المحسوبين على الإيمان ولمْزهم، ورَمْيهم بالردّة عن العقل وبالقعود عن التفكير وببلادة الحسّ وبفقر الضمير، وإن جاء هذا بنبرة إشفاق وحسرة متذاكية. تَرمي هذه النزعة مجتمعات المسلمين بالردّة العقلانية وتنثر الشكوك حول حقيقة إيمانها أو تعدّه ساذجاً لا يُعتَدّ به ولا يرقى في جوهره إلى مصافّ إلحادٍ يحظى بتمجيد ظاهر أو ثناء إيحائي في بعض المنصّات التي تعبٍِّر عن هذه النزعة. والوجه التكفيري الآخر لهذه النزعة أنها تُوحي بأنّ المجتمعات التي تعلن الإيمانَ في جملتها ليست مؤمنةً كما ينبغي، أو لعلّها ليست مؤمنة في أعماقها، وقد تَعُدّ إيمانَ المجتمعات المسلمة هشيماً تذروه رياح العولمة لمجرد أنّ الأجيال تعاقبت عليه، فنشأة الفرد في بيت مسلم تقتضي منه بالتالي أن يشكّ بإيمانه، أو أنه ليس مسلماً إلاّ بالاسم، وفق هذا المنطق.

تُلِحّ بعض خطابات التكفير العقلاني على دعوة المسلمين إلى مفارقة تسليمهم الإيماني إلى قنطرة شكّ مندوبة يخالجونها ومغامرة اعتقاد مرغوبة يخوضونها، كي يكتسب إيمانُ الفرد منهم مشروعيّته إنْ وصل إليه حقاً في نهاية الرحلة المحفوفة بالشعارات والمقولات والإيحاءات الضاغطة على ذهنه ووجدانه في زمن العولمة وتحت وطأة حرب الأفكار المستعرة. في بعض ما تطفح به هذه النزعة ما قد تفهمها الأجيال على أنها دعوة مفتوحة للمؤمنين إلى خوض مغامرات الشكّ الجماعية والفردية؛ بدل تثبيت إيمانها بحكمة وتوطيده على بصيرة وتفتّح الأذهان وتحرير الوجدان وإصلاح ما يلزم إصلاحه في أمر الدِّين والدنيا. ينعقد النجاح المأمول لدى بعض المعبِّرين عن هذه النزعة، على مجرد الجاهزية لخوض المغامرة الاعتقادية من حيث المبدأ؛ حتى دون اشتراط الخروج منها بإيمان ويقين، فسيجتهد القوم حينها وإنْ لم يَصِلوا.

يقضي هذا الخطاب بإسباع اشتراطات متحيِّزة وانتقائية، فبعضها يُلزِم المؤمن باختبار الشكّ في الاعتقاد ويُعفي منه غيره، فالمحسوب على الإيمان هو الذي يُرمَى بالمروق من العقل غالباً في الاتهامات الإيحائية المستترة أو حتى في السِّهام اللفظية الصريحة المنطلقة من منصّات التكفير العقلاني. يقضي هذا الخطاب باستتابة جمهرة المؤمنين على الملأ في عقولهم وتفكيرهم، وتمنح بعض هذه الخطابات انطباعاً صريحاً أو إيحائياً بالامتياز العقلاني للقائل بالإلحاد باعتباره مَن استبَق إلى “تشغيل عقله” وسعى إلى الحقيقة واهتدى إلى “إيمانه” بالذي هو عليه. وتأتي نزعة التكفير العقلاني مشحونةً بتعبيرات تنضح بها قوالب نمطية ساذجة، فتعبِّر عن ذاتها أحياناً بصفة فاقعة في خطابات ترسم للملحد صورةً لصيقة بالعقل وحرية التفكير ويقظة الضمير، وتحيط المؤمنَ بإيحاءات البلادة وهالات السذاجة وأمارات التخلّف، وهو ما يجري التعبير عنه بصيغ شتى إعلامية وفنية وثقافية أيضاً. ولا تقوى الصور الذهنية التعميمية في هذا الخطاب على الاعتراف بألوان الطيْف المتمايزة ضمن مشهد محسوب على الإيمان ومَشاهد محسوبة على ما سواه.

لا تعسُّف في الاستنتاج بأنّ التكفير العقلاني، بمنطقه الفجّ هذا وبنزعته الانتقائية الساذجة تلك؛ لن يزيد جمهوراً حائراً إلا رَهَقا. فخطاب الاستتابة العقلانية هذا، يطلب من عموم الجماهير، الاندفاعَ الأهوج إلى تجديد إيمانها عبر افتعال الشكّ فيه حتى دون اقتراح أدوات معرفية، ويضعها في مأزق نفسي قوامه الشكّ في عقلها، بافتراض أنه غائب حتماً عن إيمانها ولم يستبطنه. تتسلّح هذه النزعة بكاريزما العقل، فتصادر العقل لمنطقها وتحتكر العقلانية لتحيُّزاتها، فالعقل الذي يجري الحديث عنه مع ما يلازمه من مفردات مصاحبة مثل: الإنسان والتفكير والضمير والعلم والنقد؛ يبقى الشعار الاستعمالي الملائم لهذه الحقبة تماماً، وهي مفردات مركزية مؤهّلة للتوظيف في اتجاهات التشهير والوصم والنبذ والإقصاء أيضاً.

فنزعة التكفير العقلاني تنزع امتياز العقل وما يتضافر معه عمّا تنبذه من آراء أو تستقبحه من اتجاهات أو تهاجمه من أوساط وأطراف؛ هي في منظورها “ليست عقلانية”، مع إطلاق أحكام صارمة وتعبيرات تعسفية بصفة متذرِّعة بالعقل رغم اختلاطها بالهوى وافتقادها لليقين. انظر المقال الموسّع في هذا الشأن “موسم التكفير العقلاني في شاشات العرب”.

ألوان التكفير المستتر
إعادة التفكير في مسألة التكفير تقتضي مكاشفة جريئة مع نزعة مستشرية في الواقع الإنساني عبر التاريخ وصولاً إلى الحاضر وعبوراً إلى المستقبل. ولا ينبغي للمساءلة النقدية أن تحابي مسالك المتنفِّذين من أهل السلطة والسطوة

يَجدُر مراجعة الاتجاه السائد الذي يحصر مفهوم التكفير في التعبير الصريح المباشر الذي يقوم على استدعاء مفردة “الكفر” تحديداً والإسراف في رَمْي آخرين بها. فالمنطق الذي تشتغل به نزعة التكفير يتجاوز هذا النمط الأحادي بتعبيراته الصريحة والساذجة. ثمّ إنّ الرّمْي بالكفر الاعتقادي لا يفعل فعله مع مَن يستهدفهم في الأوساط جميعاً، وقد يصير امتيازاً إنْ عزّز الانتماء إلى فكرة سائدة أو صاعدة في بيئات مخصوصة، فالتكفير الذي يصدر من محسوبين على طائفة قد يعزِّز حظوة “ضحيّته” لدى طائفة أخرى أو أوساط مخالفة مثلاً.

كما أنّ نزعة التكفير تتحرّى الوَصْم السلبي والاستبعاد من النسَق سواء أترتّب ذلك على حكم موضوعي أم على موقف مُتحامِل. وما نجده في سيَر الأنبياء الكرام -عليهم السلام- أنّ بعضهم قوبل بخطابات تكفيرية صريحة وشديدة الوطأة مشفوعة أحياناً بنظرية مؤامرة. اشتغل التكفير هنا في مواجهة داعي الإيمان، ولم تقتصر مضامين الخطاب التكفيري ذاته على النبْذ والاستبعاد من الولاء للانحرافات العقائدية القائمة وضروب العبادة الوثنية المستقرّة؛ فقد اشتملت أيضاً على تكفير مجتمعي وثقافي ورَمْي بالتنكّر لإرث الآباء والأجداد والتمرّد على الموروث. تتجاوز نزعة التكفير، إذن، الاتِّكاء النمطي على لفظة “الكفر” أو استدعاء تعبيرات صريحة تماثلها، فالنزعة مؤهّلة للاشتغال ضمن الأنظمة الرّمزية كافّة التي تنطوي عليها المجتمعات والأمم عبر العصور؛ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهي أداة للفعل السياسي والاشتباك المجتمعي وخوض الصراعات أيضاً.

وإذ تُعَبِّر تهمة “الإرهاب” اليوم عن واحدة من أقصى درجات المغايرة والنبْذ بالنسبة لمجتمعات إنسانية ترى ذاتها “حرّة ومتحضِّرة”؛ فإنّ الإسراف في الرّمْي بالإرهاب يصير لوْناً من ألوان التكفير، وإن جاء في المستوى الرمزي وحسب، ويكفي أنه ينزع الانتماء الإنساني والحضاري عمّن يُوصَمون به وتطاردهم عقابيل الاتهام. ومن مفارقات الحالة أنّ بعض المنصّات تحذِّر من رَمْي الآخرين بالكفر وهي تُسرِف في رَمْي من يخالفها بالإرهاب الذي قد يفوق الكفر في الذمّ عندها. وكما أنّ التكفير مقدِّمة مثالية لاقتراف تجاوزات؛ فإنّ هذه السِّمة تحضر أيضاً في أنماطه المتعدِّدة؛ ومنها الرّمي التعسّفي بالإرهاب بكل ما يترتّب عليه من انتهاكات تقوم أساساً على النبْذ وإنزال العقوبة.

يناهضون التكفير بالتكفير

تكشف المراجعة الفاحصة لخطاباتٍ تُناهِض التكفير في مقولاتها الظاهرة؛ عن أنها تستبطن المنطق التكفيري لكن بأساليب متذاكية وفعّالة. تتوسّع بعض هذه الخطابات، مثلاً، في رمْي خصومها وكلّ نقْد تواجهه بالتطرّف والتشدّد والتزمّت والغلوّ، ونحوها من المفردات المعروضة في قاموس الوَصْم والتشهير والاستبعاد في هذه الحقبة المُعولَمة، وقد تترتّب عليها عرائض اتِّهام وقوائم سوداء وإجراءات عقابية مغلّظة تفعل فعلها بمن يُعدّون مارقين. وتُستعمل الحيلة المتذاكية بصفة عكسية؛ عبر إسباغ انتقائي للأوصاف “النبيلة” في وَعي الجمهرة التي تحدِّد سمات الانتماء إلى أنساق معيّنة مرغوبة، فتشتغل نزعة التكفير من هذا الوجه على حجب امتيازها عن أطراف وأوساط وأفراد بصفة مخصوصة؛ بما لا يجعلها مشمولةً بفردوس الانتماء المشترك.

إنّ إعادة التفكير في مسألة التكفير تقتضي مكاشفة جريئة مع نزعة مستشرية في الواقع الإنساني عبر التاريخ وصولاً إلى الحاضر وعبوراً إلى المستقبل. ولا ينبغي للمساءلة النقدية أن تحابي مسالك المتنفِّذين من أهل السلطة والسطوة وفرسان الشاشات والمنصّات وحتى بعض المنهمكين في الدعاية الثقافية والمضامين الفنية. إنّ الاقتدار على إثارة الحسّ النقدي وتشغيل روح التمحيص في مواجهة خطابات مستشرية يبقى امتيازاً بحدّ ذاته، وتظلّ مراجعة سرديّات صاعدة مطلباً لا غنى عنه.

يحقّ للمراجعة الفاحصة أن تنسج أسئلة جريئة ومباشرة في سبيل تمحيص الظواهر وتفكيك الخطابات من حولها، ألا يجوز لبعضهم أن يسألوا؛ مثلاً: هل تبرأ قصور الحكم وثكنات العسكر وشاشات البثّ من نزعات تكفير ظاهرة وباطنة؟ وكيف يشتغل منطق التكفير المتذاكي والمستتر ضمن الأوساط المحظية في عالمنا التي لا تفرِّط برونق خطابها؟ وهل واجهت شخصية مثل إلهان عمر، مثلاً، خطابات تكفيرية بمنطق بيئتها الأمريكية، منذ أن ولجت الكونغرس وشرعت في المناقشة.. فقامت الدنيا ولم تقعد؟ دَعوهم يختبرون عالمهم بلا هراوات معنوية فوق أذهانهم ووجدانهم، حرِّضوهم على اكتشاف الواقع من حولهم كما هو، بلا مساحيق تجميل.. كلّ على مسؤوليّته.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق