أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

إضطهاد مسلمي الإيغور : قل هو من عند أنفسكم

ضاقت بالشاعر السوري الكبير عمر أبوريشة رحمه الله يوما ما فقرظ نظما نحن اليوم أولى به

أمتي هل لك بين الأمم ـــ منبرا للسيف أو للقلم

رب وامعتصماه إنطلقت ـــ ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها ـــ لم تلامس نخوة المعتصم

لا . عفوا لسنا أولى به إذ ذكرت الآن أن مثقفة تونسية ممن يؤبه لها ولها في الإعلام ذنوب وأي ذنوب قالت بمناسبة عدوان الصين على مسلمي الإيغور في هذه الأيام الكالحات من أواخر 2019 أن مسلمي الإيغور إرهابيون ويريدون الإنقضاض على السلطة الصينية الشرعية . لكم صدق من قال إنه لولا القرآن الكريم لجاءنا الأفاكون اليوم بأن موسى ـ عليه السلام من عندي ـ كان إرهابيا يتربص بشعب مصر الدوائر السيئة ولولا أن قيض الله له عبده فرعون ـ عليه الرضوان من عند أشياعه ـ إذ طارده حتى البحر الأحمر لعاث في الأرض فسادا

منهجان للتحليل

ربّما يستهجن عبيد الفكر الغربي ـ وبعضهم لا يشعرون أنهم كذلك ـ إذ أقول أن القرآن الكريم في جزء مهم تحليل حضاري ضارب في الأعماق لما حدث ويحدث في الأرض إذ فيه كما قال عنه نبيه عليه السلام ( خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم ) ومن سياقات ذلك التحليل القرآني الأصح هو أن أسوى ( نسبة إلى السواء ) آلة تحليلية عند المنصفين هي تحميل المسؤولية للنفس قبل كل شيء وليس تعليق الهزائم على شماعات الأعداء وإنتحال التفاسير التآمرية حتى مع وجودها وبرز ذلك عندما إستغرب الصحابة الكرام هزيمتهم ويقودهم خير البشر محمد عليه السلام في وجه مشركين معتدين ولم يدع الوحي الكريم المشهد يمرّ دون إهتبال فنزل مصححا التحليل لهم ولنا نحن اليوم جميعا قائلا ( هو من عند أنفسكم ) وبذلك ينفي العقل الإسلامي الملتزم بالوحي الصادق التفاسير التآمرية حتى مع وجودها ويحمّل المسلمين أنفسهم المسؤولية ولكنه في الآن نفسه يبشرهم أن دينهم لن يفلح أحد في إجتثاثه عدا أن ما سيصيب المقاومين سيصيبهم لا محالة وقال في ذلك ( لن يضروكم إلا أذى). فإذا جمعنا تينك الآليتين التحليليتين ألفينا الحقيقة الناصعة البيضاء وقوامها أن سنة التدافع ضاربة مطردة لا تتخلف وأن الله سبحانه لن يدع المسلمين بدعواهم أنهم مسلمون حتى يبتليهم ويمحص صفهم وأن دينهم باق ما بقيت السماوات والأرض مهما أثخنتهم الجراحات وأن عليهم مراجعة أنفسهم عقب كل هزيمة يمنون بها وبذلك فحسب يكونون حضاريا على الصراط المستقيم. ومن ذا فإنهما منهاجان للتحليل : فإما منهج تبريري إعتذاري دأبه تعليق الهزائم على العدو والتهويل من المؤامرات الخارجية ولا ينفيها عاقل ولكن الحصيف الرشيد لا يجعلها العامل الأوّل المحدد وإما منهج يتحمل أهله مسؤوليتهم فيراجعون وضعهم إذ ما ( ظهر الفساد في البر والبحر) إلا ( بما كسبت أيدي الناس ) وذلك ليذيق الله العذاب للناس لعلهم يراجعون أو يتراجعون. من يقرأ القرآن الكريم متدبرا ناظرا في الحدث المعاصر يلفى بيسر شديد أنه ينحاز إلى المنهج الثاني أي منهج تحميل المسؤولية للمعتدى عليه وهو منهج إيجابي فعال حتى لو لم يكن مريحا عند البطالين وأهل الربوة

أين الخلل؟

من تداعيات لزوم المنهج الإسلامي لتفسير الأحداث ( العدوان على مسلمي الإيغور مثالا حاضرا ) هو ترسيخ هذا السؤال : أي الخلل؟ الخلل ليس عييا عن الظهور ولأني ( رجعي متخلف ماضوي أومن بالغيب ) فإني أقول مرة أخرى أن الخلل الأكبر الذي هو سبب هذه الهزيمة وهزائم أخرى في الآفاق وفي النفوس إنما حدده نبي الرحمة محمد عليه السلام منذ أربعة عشر قرنا وذلك عندما قال للمسلمين الأوائل وما إخاله إلا وفؤاده يعتصر ألما وهو يخبر عن ذلك نذيرا ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة ) وكذلك عندما قال لهم محذرا ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا : أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال : لا. بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله المهابة منكم من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت). ألا ترى أنه عليه السلام لما وقع الإعتداء على إمرأة من بعض بني إسرائيل في بني قينقاع لم يتردد طرفة عين إذ أرسل إليهم جيشا عرمرما أدبهم أحسن تأديب؟ الخلل الذي بالكاد يؤمن به اليوم كثير من المسلمين هو أن المسلمين من دون خلق الله كلهم أجمعين فوق الأرض ليس لهم ( لا بابا يحميهم ولا ماما تؤويهم ) أي ليس لهم سقف سياسي واحد ورأس واحد وكيان واحد ومن ذا فهم أيتام قصّر في مآدب لئام سواء إنتظم هذا العالم تحت سقف دولي واحد ( الولايات المتحدة الأمريكية ) أو تحت رأسين ( الإتحاد السوفييتي سابقا وأمريكا ) أو صعدت أسهم اليورو أو نزلت مقدرات الينّ الياباني. عندما قال العرب : ما حك جلدك غير ظفرك فتول أمرك أنت بنفسك فإنهم لم يكونوا يلهون أو يلعبون. وعندما صرح الأمين العام الأسبق للحلف الأطلسي بأن العدو القادم هو الخطر الأخضر أي الإسلام وذلك بعد أن تخلص من الخطر الأحمر أي الشيوعية فإنه كان يعني ما يقول بالتمام والكمال وعندما قال الرئيس الأمريكي السابق ( بوش الإبن ) أنها حرب صليبية لم يكن ذلك زلة لسان كما سارع عبيد الفكر الغربي عندنا دفاعا عنه ولكنه يعني ما يقول. ذلك هو الخلل إذ أن الشاعر الحكيم قال : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ـــ ولا سراة إذا ما جهالهم سادوا. ذلك هو الخلل ولكن كم من المسلمين يعي هذا اليوم؟ وممن يعي ذلك كم من المسلمين ينخرط في ردم ذلك الخلل؟ ومن هؤلاء كم من العاملين يصبر على لأواء العمل الجماعي وحرارته اللاظية ومشاكله ؟ ومن هؤلاء كم منهم يصيب الحكمة؟ مساهمتنا إذن في ردم الخلل الأعظم الذي بسببه هو فحسب أكلنا أكلا لا تزيد على حجم الأرض قياسا بالشمس أي حبة حمص إلى جانب جبال الآلب. أنا عبد أكره البكائيات الكربلائية والنواح والنعيق وهو ـ ويا للأسف الشديد ـ دأب أكثر الأئمة والخطباء اليوم ومن خلفهم المسلمون. أنا عبد قام فكري على هذا القانون الأعظم : قل هو من عند أنفسكم

وا معتصماه

قصتها الشهيرة هي أن إمرأة إعتدي عليها من لدن بعض السفهاء في مدينة عمورية البيزنطية في تلك الأيام ( تقع اليوم في تركيا ) فصاحت ملء فيها ( وا معتصماه ) وهي تعي جيدا أن حاكم المسلمين في تلك الأيام ( المعتصم بالله أحد خلفاء بني العباس) أهل لنجدتها وهي جديرة بصرختها تلك فقدر الله سبحانه أن إلتقط تلك الصرخة من إمرأة ضعيفة وحيدة رجل شهم كريم ذو مروءة فسار بها يطوي الأرض طيا على صهوة فرسه حتى دخل على المعتصم فسيّر لملك بيزنطة جيشا أوّله عنده هو وآخره عند المعتصم نفسه وأنذره وحذره فلم يصغ ذلك الجبار المتكبر فما كان من المعتصم الشهم الكريم إلا أن بادر بفتح تلك المنطقة كلها عنوة وأطلق سراح المرأة وبذا جاءت أقدار الرحمان سبحانه بإمرأة تكون سببا لفتح جبهة بيزنطية كاملة كانت مستعصية على المسلمين. يستصرخ الإيغور ـ ومثلهم ربع مليار هندي مسلم ومثلهم عشرات الآلاف من مسلمي ميانمار ومثلهم ومثلهم … ـ المسلمين فلا مجيب. ولكن لك أن تتصور ماذا سيقول مسلمو الإيغور ؟ هل سيستصرخون ملك المغرب أو أحد الملوك الذين يحملون لقب إمارة المؤمنين أم أحد رؤسائهم أو أمرائهم ؟ أم يستصرخونهم جميعا؟ أم يستصرخون الأمم المتحدة أم مجلس الأمن أو المجلس الخليجي للتعاون أو جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو منظمة الوحدة الإفريقية أم أم أم …؟ ذلك هو معنى الكارثة الناكبة ليس لها من دون الله كاشفة أننا اليوم ومنذ سقوط الخلافة العثمانية بلا سقف سياسي واحد وبلا رأس واحد ومن ذا فنحن أيتام شؤم على موائد لؤم

معالجات على الطريق

يقيني الياقن أن الأمة لا تموت وأن دينها لا يموت وما عدا ذلك من حالات قوة فنحن لها أو عليها. يقيني الياقن أن الإسلام وأمته بلا رأس واحد وسقف سياسي واحد هو إلى المسيحية أدنى أو إلى أي نحلة أو طائفة. أما الإسلام الذي جاء ليحرر البشرية جمعاء قاطبة بالمسلمين من براثن الطواغيت كلها ما ظهر منها وما بطن فإما أن يكون قويا بدولته وحضارته وتفكيره وماله وأهله عددا وعدة وصف واحد متنوع بالضرورة وإما فإن الدعاء وحده لا يرده والبكاء لا يزيده إلا وبالا من فوق وبال. يقيني الياقن أن سقفنا الواحد الذي سقط ـ على أيدينا نحن وليس على أيدي غيرنا ـ من بعد تجربة راشدة مهدية لم يصبر عليها العرب أنفسهم ـ وحاشا غيرهم ـ عدا ثلاثين سنة لن يعود إلا من بعد جهود توازي الجهود التي أقامته بادئ ذي بدء أي تضحيات ومقاومات ومغالبات. يقيني الياقن أنه ما دام صفنا ليس واحدا وأنه مادمنا بالشورى والتنوع كفر وأنه مادامنا نحسن التعمق في متشابهات الدين وفروعه ولا نزيد بذلك من الحديد ـ رمز القوة ـ إلا بعدا وقد أمرنا به لحما ودما .. يقيني الياقن أنه مادمنا على تلك الحال فإن قطارنا يسير في الإتجاه المعاكس للنهضة وإستعادة المجد التليد. بل إن يقيني الياقن أن عدونا اليوم أذكى منا وأقوى منا وأعلم منا وألحم صفا منا وأدنى منا إلى مقاصد الإسلام في التحضر والتمدن والعمارة. ولكن يقيني الياقن كذلك أنه لا مناص لنا من طريق الإصلاح عسانا نتراجع أو نرتد إلى الإسلام ومراداته منا ومن ذلك تعميق الوعي بأنه لا منجأ لنا من الهزائم القابلة الكثيرة والعظيمة عدا الإعتصام بصف واحد ومتنوع في الآن نفسه وأنه لا مناص لنا من تفعيل المقاطعات الإقتصادية وكل المقاطعات الممكنة مع كل عدو يقتل إخواننا في الإسلام وأنه لا مناص من تفعيل التحركات الحقوقية دوليا وإقليميا ولكن من دون التعويل على أن هذه المجالس الدولية التي بنيت بالأساس الأول على إذلال المهزوم في الحرب العالمية الثانية يمكن أن تحرك شيئا يعيد للمسلمين المفترسين شرقا وغربا بعضا من حقوقهم

ولولا الأمل في الوعد الإسلامي

أجل. لولا أن الثقة في الوعد الإسلامي الصحيح أن الإسلام لا يموت وأن أمته لا تموت وأن المستقبل لحركات التحرر وليس لحركات الإسترقاق والقهر وأن قانون التدافع ماض لا يتخلف طرفة عين وأن الأزمة تلد الهمة وأن المصيبة تجمع المصابين وأن الأمة بدأت مرحلة جديدة من حياتها هي مرحلة النهوض والإستفاقة .. لولا كل ذلك لإستحالت الحياة جحيما لا يطاق

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق