اراءاهم الاخباررأي رئيسي

إذا كان القرآن الكريم شفاء فكيف نشفى؟

 

أنزل الله شفاءين : شفاء للنّاس في أبدانهم. وهو العسل. وشفاء للمؤمنين فحسب في أجهزتهم المعنوية ـ التي هم بها أناسيّ ـ وهو القرآن الكريم. (وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين). لكنّ هذا الشّفاء نفسه يكون سخطا على غيرهم (ولا يزيد الظّالمين إلاّ خسارا). القرآن الكريم شفاء بضابطين إثنين : شفاء لإنسانية الإنسان. أي جهازه المعنويّ روحا ونفسا وعقلا وعاطفة وذوقا وفؤادا. وليس هو شفاء لبشرية الإنسان. أي بدنه. إلاّ في حالات إستثنائية ليست هي الأصل. ولذلك كان يوجّه عليه السّلام المسلمين الذين يشكون عللا إلى أمهر طبيب مشرك. هو الحارث إبن كلدة. الضّابط الآخر هو أنّ القرآن الكريم وصفة شفاء لمن ينضبط بها تناولا وعلاجا. الأمر لا يختلف عن وصفة طبيب الأبدان. إذ أنّ كلّ دواء لا يكون شفاء حتّى يلزم الشّاكي وصفة الطّبيب. وصفة شفاء القرآن الكريم هي الميزان الذي أنزله معه جنبا إلى جنب وصرّح بذلك في أكثر من موضع (الحديد : وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ـ الشّورى : الله الذي أنزل الكتاب بالحقّ والميزان). والميزان يعبّر عنه في مواضع أخرى منه بالحكمة (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة). القرآن الكريم وصفة الدّاء. والميزان (أو الحكمة) هي منهج الإستشفاء أو وصفة الطّبيب. الطّبيب الذي أمر بكتابة الوصفة ليس هو سوى محمّد عليه السّلام. ومن ذا فإنّ الحكمة كلّ الحكمة ـ أو الميزان ـ هي تنزيل القرآن الكريم فهما وعملا معا بمثل ما كان عليه محمّد عليه السّلام. إذ هو المكلّف بتبيين وصفة ذلك الشّفاء في مختلف المجالات والحقول والحالات. القرآن الكريم شفاء بمعنى أنّه يصيب مقاتل الدّاء حتما محتوما بإذن الله سبحانه عند توفّر ذينك الشّرطين : شرط الإيمان وشرط لزوم وصفة محمّد عليه السّلام. ليس هو دواء. الدّواء قد يصيب الجرح وقد لا يصيبه و لو أصابه قد يضمّده وقد يخضّده. وفي كلّ الأحوال فإنّ لكلّ دواء تقريبا مشكلات جانبية. القرآن الكريم شفاء ليس له مشكلات جانبية. ولذلك حمل مع الشّفاء الرحمة (ما هو شفاء ورحمة). الدّواء يشفي جرحا وينكأ آخر فليس هو إذن رحمة كاملة

وصفة الشّفاء نفسها حدّدت الأمراض

لم يقتصر القرآن الكريم على وصفة الشّفاء فحسب. إنّما حدّد الأمراض الخمسة الكبرى التي تصيب الإنسان فردا وجماعة. فهو إذن طبيب يفحص وصيدلانيّ يصف. والطّرف الثّالث هو الإنسان نفسه. فإن لزم ذينك المرجعين شفي بإذن الله وإن لم يفعل فلا يلومنّ إلا نفسه. الأمراض الخمسة الكبرى التي حدّدها القرآن الكريم هي

داء الغفلة وشفاؤه النّظر

الغفلة هي ذئب الإنسان. وهي دثار الشّيطان الذي يرتديه متسلّلا إلى فؤاد الإنسان. لكلّ حيّ في هذا الوجود ذئب. وذئب الإنسان هي الغفلة التي تصرفه عن التّحضر. أي شهود حضوره وحضور من حوله. إذا غفل الإنسان غرّته الدّنيا بزينتها الفاتنة وظلّ يعبّ منها عبّ الظّامئ اللاّهث فلا يشبع ولا يروى حتّى تحضره ساعته. إذا غفل الإنسان لن ينزجر عن إقتراف الظّلم والجور والقهر والطّعن في أبشار النّاس وأعراضهم وأموالهم وبذلك يحفر لنفسه مهدا قارّا في النّار. حتّى لا يقع الإنسان فريسة غفلة تكون عاقبتها ندما دعا القرآن الكريم إلى مداومة النّظر والسّير في الأرض عقلا وحقيقة. وظلّ يعكف على ذلك عكوفا عجيبا فلا تكاد تخلو سورة واحدة منه من مواضع كثيرة داعية إلى نبذ الغفلة وإعمال التّفكّر والتّدبّر والسّؤال. نظرا في تضاريس الكون سماء وأرضا ونفسا. وكلّما كان بذلك أعلم كان أشدّ على ذئب الغفلة (إنّما يخشى الله من عباده العلماء) ونظرا في التّاريخ. ولذلك إستولت القصّة من جهة والكون من جهة أخرى على القرآن كلّه. ثلثاه مثل ذلك. فلا عذر لغافل إستبدّت به غفلته حتّى أنسته نفسه. ومن النّظر والتّدبّر في الكون والتّاريخ والنّفس تنشأ كلّ العلوم والمعارف. وذلك هو مقصد القرآن الكريم من الإحالة بشكل كبير إلى النّظر. حتّى إنه أخبرنا أنّ الخليل عليه السّلام إكتسب إيمانه ـ وهو أمّة ـ بوسيلة النّظر. وليس تقليدا

داء التّفرّق وشفاؤه صفّ واحد متنوّع

حدب الإنسان منذ نشأته الأولى على النّزوع إلى التّفرّق والتصدّع. ولذلك قتل أحد إبني آدم أخاه حسدا وبسبب دينيّ. روى لنا القرآن الكريم تفرّق بني إسرائيل. وقال مرّات كثيرة أنّ تفرّقهم الدّينيّ لم يكن سوى بغيا بينهم. ذلك يعني أنّ المشكلة ليس في العلم الذي يمكن أن يتوفّر. ولكنّ المشكلة في الفؤاد الذي يتوق توقانا عجيبا إلى البغي والجور والقهر وحبّ السّيادة والهيمنة. وهو جنوح فرعونيّ فينا أصيل. ولا يفوز المرء حتّى يلجم نفسه عن ذلك بالكلّية. أنزل في هذا الشّفاء سورة مدنية كاملة وسمّاها هو سبحانه سورة الصّف. ليس المقصود من الصّف الواحد نفي التنوّع أو إلغاء التعدّد. كيف وهي سنن إلهية ونواميس رحمانية أشاد بها القرآن الكريم مرّات؟ إنّما المقصود بالصّف الواحد إحكام التّعاون على الفرائض الكبرى والواجبات العظمى التي لا قيام للإنسانية إلاّ بها. من مثل التحّرر والكرامة والعدالة والقوّة والعلوم والمعارف ومقاومة كلّ قهر وجور. مجتمعين لا متفرّقين. نحن اليوم أكثر النّاس وعيا بداء التّفرّق. إذ أنّنا نرزح تحت نيره ونشكو من وطأته كما لم يكن في الأمّة في تاريخها الطّويل. التّفرّق هو الذّئب الذي يغشانا من خارجنا وهو الذي يحمل معه كلّ الآلام والأدواء والأسقام وهو الذي يجعل العزيز ذليلا والحرّ رقيقا والوطن سليبا. مقاومة نزوعات التّفرّق فينا تحتاج إلى جهاد نفسيّ قاس وشديد. وليس إلى خطب ومهرجانات

داء الغرور وشفاؤه التّشاور

إذا كنّا مختلفين خليقة فلا مناص لنا من التّشاور. إذ لا يتشاور عدا المختلفين. ولذلك أرسى القرآن الكريم دعامات التّشاور والتّراضي من الأسرة في قضية الفطام. وألزم نبيّه عليه السّلام بمشاورة النّاس. وإلتزم هو نفسه عليه السّلام بشوراهم وهي ـ في أحد ـ ضدّ رأيه. وأبى هذا الشّفاء إلاّ أن يسكن خلق الشّورى في سويداء العين بين الصّلاة والإنفاق. الرّسالة هي : لا عبرة بصلاة وإنفاق ليس بينهما تشاور منكم في أمركم. راجع سورة الشّورى إن شئت. نحن اليوم أعلم بداء الإستبداد والفردية. داء التمزّق جلب علينا الإحتلال السّياديّ الكامل. وداء الغرور الذي يحملنا على تفرّد وإستبداد جلب علينا بحكم عربيّ قهريّ جبريّ غدت معه كرامة الإنسان مسرحية فاسدة. فشلت أمّتنا في إدارة التّشاور والتّراضي منذ عقودها الأولى. هي خلاصة قاسية شديدة على النّفوس. ولكنّها صحيحة كلّ الصحّة. عندما ضحّوا بالحرّية لعلّ الأمّة يتوحّد صفّها تحت الحكم الأمويّ لم يكونوا يعلمون أنّهم ضحّوا في الحقيقة بطرفي معادلة الفلاح كليهما : وحدة الأمّة وحريّة أبنائها وبناتها. علينا قبول هذه الخلاصة ليس لإدانة أولئك إذ هم أمّة قد خلت. ولكن لإجتناء العبرة. التّراضي هي عبادة المؤمن في بيته وخارج بيته وليس في الشّأن السياسيّ فحسب. عبرة العبر المعاصرة هي أنّه لمّا أخذ الغربيون أو بعضهم بمحمدة نبذ الغرور وتوخّي التّشاور والتّراضي تقدّموا. لم يتقدّموا فحسب بل سحقونا بعلومهم ومعارفهم التي أضحينا لها أسرى. لا شيء يجعلنا نابذين للتّشاور والتّراضي عدا ذئب الغرور وإحتقار الآخر

داء الضّعف وشفاؤه القوّة

الضّعف حالة يتعرّض لها كلّ حيّ. المشكلة في الرّضى بالضّعف حتّى يكون ذلاّ وهوانا.شفاء الضّعف الذي يجلب علينا ذهاب سيادتنا وإهدار كرامتنا هو إعداد القوّة ولذلك أنزل سبحانه سورة كاملة سمّاها الحديد. بل أخبرنا أنّه أنزل ثلاثة قيم عظمى لا مناص لنا منها. ولا ينفكّ بعضها عن بعض. القرآن الكريم أوّلا والميزان ثانيا والحديد ثالثا. كلّ ذلك جاء في آية واحدة بيّن مقصدها إذ قال (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس). عشنا قرونا طويلة ونحن على حقّ مطلق ولكن منزوعي الدّسم الميزانيّ من جهة وعفوا من قوّة الحديد من جهة أخرى. فهل أغنانا ذلك؟ أبدا. الرّسالة هي : لا يغني حقّ عن قوّة ولا قوّة عن حقّ. هي معادلة ثلاثية الأطراف فإمّا أن تكون متوازية بمثل شفاء مركّب من عناصر متنوّعة وإمّا فلا يغني هذا عن ذاك. حالنا تعكس ذلك بدون حاجة إلى كلمة واحدة. كما دعانا إلى إعداد القوّة بكلّ أصنافها روحية وإجتماعية ومالية وعسكرية وفكرية. وبيّن لنا أنّ السّبيل الأوحد للسّلم إنّما هو القوّة. هذا أمر رأيناه في الحرب الباردة بين العملاقين الدّوليين سابقا : روسيا وأمريكا

 

داء الإختصام وشفاؤه الإصلاح

حصول الخصام والتّنازع بين المؤمنين ليس مشكلة. إنّما المشكلة في معالجة ذلك. إذ تخاصم خير النّاس تأوّلا كما يقال. أي تقديرات سياسية مختلفة في إثر مقتل عثمان عليهم الرّضوان جميعا. عندما يكون التّنازع فكريا أصوليا دعانا إلى منهاج أصوليّ يحسم ذلك (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول) وعندما يكون التّنازع في الأسرة دعانا إلى لجنة تحكيم وكذلك إلى الصّلح (والصّلح خير) وعندما يكون التّنازع سياسيا دعانا إلى الإصلاح بين الأخوين في سورة الحجرات. بل دعانا قبل ذلك وقاية وليس علاجا إلى تأسيس مؤسّسات الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فهي كفيلة بإمتصاص أسباب الخصام إذ تنشر الوعي وتؤلّف بين القلوب. كما دعانا إلى التّواصي بالحقّ وبالصّبر وبالمرحمة تواصيا متبادلا في سورة البلد والعصر. كلّها وسائل وقائية أو علاجية لإمتصاص الخصام

منهاج الإستشفاء

تلك أمراض خمسة كبرى تصيب الإنسان فردا وجماعة. وتلك هي علاجاتها وشفاءاتها. ولكنّ ذلك مشروط بمنهج إستشفائيّ. شأن كلّ دواء لا يؤتي أكله حتّى يلتزم فيه بوصفة الطّبيب (فاستقم كما أمرت). ذكر آنفا عنوان منهاج الإستشفاء وهو لزوم الحكمة أو الميزان. وهو المنهاج الفكريّ والعمليّ الذي سنّه عليه السّلام لتنزيل الكتاب في مختلف الحقول والمجالات والأحوال. من فقرات ذلك المنهاج الإستشفائيّ كذلك : التّعاون الجماعيّ منّا جميعا على تناول ذلك الشّفاء. إذ أنّ أكثر مجالات فعلنا هي مجالات عامّة تضامنية تكافلية. ولذلك جاءت النّداءات كلّها بالصّيغة الجماعية (يا أيّها الذين آمنوا ـ يا أيّها النّاس). ومن فقرات ذلك المنهاج الإستشفائيّ كذلك تنزيل الكتاب على الحياة في كلّ أبعادها وليس حصره على شأن دون آخر إذ هو جاء لإصلاح الحياة وتطعيمها بقيم إنسانية. ومن تلك الفقرات كذلك التسلّح بالعلوم والمعارف من كلّ صنف. ذلك أنّ القرآن الكريم مبناه العلم والمعرفة والبحث وليس التّقليد أو المحاكاة أو حتّى الإتّباع الأعمى. ومن تلك الفقرات كذلك إعتبار التدرّج وعامل الزّمن في نفاذ ذلك الشّفاء

تلك هي أمراضنا. وتلك هي شفاءاتها. وذلك هو منهاج تناولها. والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى