اراءاهم الاخباررأي رئيسي

إجهاض الجنين بين القانون والدّين

القوّة العمرانيّة مظنّة هيبة

فطر الله الإنسان على حبّ الولد إذ قال سبحانه (زيّن للنّاس حبّ الشّهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث). وقال في موضع آخر (المال والبنون زينة الحياة الدنيا). ولأجل ذلك شرع الله الزّواج ليلبّي تلك الجبلّة المغروزة في الإنسان غرزا. كما أشار في موضع آخر أنّ الكثرة العدديّة مظنة بهجة وقوّة معا ومنعة. إذ قال سبحانه (وأذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم). وكانت العرب ـ غريزة لا دينا ـ تفتخر بالكثرة. إذ هي إحدى أسلحة الأقوام والشّعوب إذ قال الشّاعر : تعيّرني أنّا قليل عديدنا ـ فقلت لها إنّ الكرام قليل. ومن ذا نشأت العصبيّة بمعنييها الجاهليّ والإسلاميّ. إذ أنّ المرء يتعصّب ـ أي يتقوّى ويتعزّر ـ بأهله. ولقد قرّر العلاّمة إبن خلدون أنّ العصبية شرط لنشوء القوّة الإجتماعيّة. ولم ينكر الإسلام ذلك. إذ أنّه سطّر شريعة الميراث فيه على أساس الولاء للعصبيّة العائليّة الأدنى فالأدنى. ولا ريب في أنّ المقصد الأسنى من ذلك هو حفظ المؤسّسات الإجتماعيّة العصبيّة القريبة لأجل تكوين شوكة تتأبّى عن الإسترقاق والإستعباد. وهو ما نسمّيه اليوم إستقلال المجتمع الأهليّ عن الدولة المتعطّشة بالضّرورة إلى بسط نفوذها تغوّلا. كما جاء في تشريعه ـ أي الإسلام ـ نظام العاقلة. وهي الوحدة الإجتماعيّة التي تتحمّل وزر القاتل الذي ينتمي إليها لتكره على إستخلاص الدّية. عدا أنّ الإسلام جمع بين الحسنيين أي بين حسنى شدّ أزر الوحدة الإجتماعيّة القريبة وبين حسنى التعارف بين النّاس. ومن ذا أباح النّكاح خارج تلك الدّوائر بدون أيّ ضوابط عدا ضوابط الدّين. وفرض للزّوج من ميراث زوجه نصيبا إمعانا في شدّ ذلك الإزر من جهة وتيسيرا لسبيل التّعارف الإنسانيّ من جهة أخرى. ألا ترى اليوم أنّ دولة وثنيّة في جزء كبير منها ـ الهند ـ تطالب منذ عقود بمكانها في مجلس الأمن بسبب قوّتها الدّيمغرافيّة؟

الإسلام يحضّ على الكثرة

وعندما تكون الكثرة العدديّة لأمّة ما قوّة عمرانية تحسب لها في الموازين الدّوليّة فإنّ الإسلام لا يملك إلاّ أن يحضّ النّاس على طلب النّسل. ومن ذلك قال عليه السّلام (تناكحوا تناسلوا فإنّي مباه بكم الأمم يوم القيامة). كما أخبرنا عن مشهد من مشاهد يوم الحشر تكون فيه الأمّة الإسلاميّة هي أوفى الأمم عددا. إذ تغطّي بسوادها أرض المحشر وجنباته وذلك في الحديث المتّفق عليه المعروف بحديث عكاشة. عدا أنّ الإسلام الذي يحضّ على الكثرة وبسبب قيامه على التّوازن في كلّ أمر فإنّه يطالب برعاية الأمرين معا. أي الكثرة العدديّة والجودة النّوعيّة. ومن ذا قال عليه السّلام (تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس). وإجترح تشريعات تربويّة. كما أنّه نهى عن الغيلة وهي حمل المرأة في أثناء رضاعها وليدها الأوّل

سياسة النّسل قضيّة شخصيّة في الأصل

أكثر التّشريعات والتعليمات والتّوجيهات الواردة في الكتاب والسّنة في حقل الأسرة هي موجّهة إلى الزّوجين. إذ هما من يخطّط نظام الأسرة الجديدة. من حيث نسلها ودوريّته وغير ذلك تنظيما أو تحديدا. وهو أمر مباح لهما بحسب ظروفهما. إذ جاء في الحديث أنّ الصّحابة كانوا يعزلون ( عزل المنيّ أن يقرّ قراره) والوحي يتنزّل فما نهاهم. ولمّا أخبروه عليه السّلام فإنّه لم ينههم عن ذلك. ذلك مباح لهما في ضوء التّرغيب في الكثرة ـ كما أنف ـ والعناية بالجودة. وذلك ليكون التّنظيم الذي يختاره الزوجان مباحا لا علاقة له ـ كما يهرف المهرّفون ـ بالنكير على الوأد وقتل الولد. أمّا التعقيم الكلّي ومنذ البداية فلا يباح إلاّ لظروف قاهرة يقدّرها الزّوجان أو الطّبيب. وفي كلّ الأحوال ما يليق بالمؤمن أن يعقّم رحمه بالكلّية خوفا من أن يطعم ولده معه. كما أنّ كلّ ما ورد لا يكون مباحا حتى يكون رأيا مشتركا بين الزّوجين. وليس إستبدادا من أحدهما بالأمر. السّياسة النّسليّة إذن قضيّة شخصيّة تخصّ العائلة. ولا يباح للدّولة أن تفرض سياستها في أيّ إتّجاه. إلاّ تقييدا لمباح يأمر به الشّارع صاحب الدّولة رعاية لحالات خاصّة تنزل منزلة الحاجات أو الضّرورات. إذ أنّ مصلحة الجماعة مقدّمة دوما على مصلحة الفرد

خبث الغرب وسذاجة العرب

نجح الغرب الحاكم في العقود المنصرمة الأخيرة في تطعيم أمّتنا في جزء واسع منها بمصل سرطانيّ خبيث وداء وبيل. ظاهره علم ومعرفة وباطنه فلسفة غربيّة قوامها وأد الإنسان. ذلك أنّهم نجحوا في إقناع كثيرين منّا شرقا وغربا مستأسدين علينا بأذنابهم فينا أي عبيد الفكر الغربيّ والدّولة التّابعة أنّ كلّ إنسان جديد هو بطن خاوية جائعة وأثقال مالية ومادّية. والحال أنّ الموارد الغذائيّة شحيحة وآئلة إلى الضّمور. ومن ذا فإنّ تحديد النّسل إلى أبعد الحدود هو الحكمة لحسن إدارة العائلة ومواجهة الفقر. صدّق العرب السّذج تلك الحيلة الماكرة وطفقوا يعقّمون أرحامهم. وبرزت (تونس) صاحبة السّبق في تلبية مطالب البنك الدّوليّ. وباءت بإثم وأد الإنسان عربيّا لعقود طويلات. والحقيقة التي يقرّرها الإسلام غير كذلك بالكلّية. إذ يخبرنا أنّ الله سبحانه أودع في الأرض معايشها الكفيلة بحياة كلّ إنسان.(وجعلنا لكم فيها معايش) وأنّ المشكلة عندما تبرز ليست في قصور الأرض عن الوفاء بمعايشها للعامل ـ وليس للمتبطّل ـ ولكنّ المشكلة هي في نبذ المنهج الإسلاميّ وإسلام العقل للآخر حتّى يفكرّ لنا بالنّيابة عنّا

أليست ألمانيا اليوم خير مثال لتهافت الفلسفة الغربيّة؟

معدّل الإخصاب في ألمانيا هو الأدنى أوروبّيا. وهو من أضعف المعدّلات غربيّا ودوليّا. ومن ذا لم تجد المستشارة الذّكيّة (أنجيلا ميركل) من بدّ لإنقاذ أمّتها ممّا يتهدّدها من ضمور ديمغرافيّ سريع الغذّ ومنذر بفناء العنصر الألمانيّ في غضون عقود قابلات عدا فتح الحدود لزهاء مليون لاجئ سوريّ. ومن قبلها أطلقت الإعلاميّة الألمانيّة (إيفي هرمان) صيحات الفزع على الهواء مباشرة ـ حتى أدّى ذلك إلى طردها على الهواء مباشرة كذلك ـ أنّ العنصر الألمانيّ مهدّد بالإنقراض. ودعت إلى تعديل نسبيّ في النّظرة إلى المرأة. لعلّ توازنا جديدا بين مسؤولياتها الأسريّة والعامّة يعوّق الخلوص إلى مصير مشؤوم. وكتبت في ذلك كتبا منها : مبدأ حواء. وليس عندي أيّ ريب في أنّ دولا أوروبيّة أخرى تئنّ تحت الوباء ذاته ـ وباء ضمور الرّحم ـ ستلجأ إن آجلا أو عاجلا إلى ما لجأت إليه المستشارة الألمانيّة. ذلك أنّ العلاج الجذريّ لهذا الوباء ـ وهو العلاج القيميّ ـ غير متوفّر في الأسواق. وقد يتأخّر قرونا. بعض البلاد العربيّة والإسلامية تتّجه في خطّ الموت البطيء ذاته. ذلك أنّ الفلسفة الغربيّة في هذا الحقل نجحت في تطعيم ملايين مملينة من المسلمين والمسلمات بسمّها النّاقع

الموقف الكنسيّ المتردّد

كان الموقف الكنسيّ في السبعينات وما بعدها بقليل هو الموقف الإسلاميّ ذاته من الإجهاض. أي الإستنكار وكان تكافلهما يفعل شيئا من التّأثير. ولكن مع تمدّد الإسلام وحركاته في العقود الأخيرة فإنّ الموقف الكنسيّ نفسه ظلّ متردّدا. وذلك بسبب أنّ البحوث قدّمت له أنّ الرّحم المسلم في حالة عطاء وتدفّق وأنّ الرّحم الأوروبيّ في حالة ضمور وعقم. ومن ذا فإنّ إستنكار الإجهاض يعود على الرّحم المسلم بمزيد من العطاء. وتلك هي الكنيسة بكلّ ألوانها. وتلك هي العالمانية الغربيّة بكلّ أطيافها. إذ يكون لها ميسورا جدّا أن تغيّر مواقفها المبدئيّة لمقاومة الإسلام. لولا أنّ عبيد الفكر الغربيّ فينا يعلمون

الإجهاض أصله الحرمة إلاّ لضرورات

ممّا سبق يمكن القول بيسر أنّ الإسلام لا يرحّب بالإجهاض من حيث المبدأ. تناسبا مع سياسته العامّة آنفة الذكر. عدا أنّ الشريعة مجهّزة بمخارج للطّوارئ ككلّ بناية مركّبة حتى يتمكّن أهلها من الفرار بجلودهم عند نشوب أيّ حريق. من ذلك أنّ أكثر توجّهات الفقه تكاد تجمع على أنّ الإجهاض فعل محرّم إلاّ لضرورة. صاحب تقدير الضّرورة هنا هو الطّبيب بنسبة عالية جدّا. سيما عندما يتعلّق الأمر بعافية الأصل. أي الأمّ. ولكن للزّوجين نفسيهما مشاركة في تقدير الضّرورة كذلك. سيما إذا تعلّق الأمر بإدارة الأسرة. ومن ذا تكاد تجمع كلمة الفقه على أنّ الإجهاض يباح ضرورة في كلّ مراحل الجنين عندما يكرّ الجنين على أصله. أي أمّه. بل إنّ ذلك يرتقي بحسب تقديرات الطّبيب إلى محالّ الوجوب. وليس مجرّد الإباحة. كما أنّ لذلك الفقه نصّا نبويّا صحيحا ـ حديث متّفق عليه يحدّد مراحل الجنين ـ هو معيار الإجهاض من النّاحية الدّينية. فإذا بلغ الجنين مرحلة النّفخ الرّوحي ـ أي ببلوغه أربعة شهور قمريّة ـ فإنّ الإجهاض يعود إلى أصله التحريميّ الأصليّ. إلاّ بتقرير طبيّ. وليس لغير ذلك من المصالح والمخاوف. وكلّما توغّل الجنين في بطن أمّه متجاوزا عتبة النّفخ الرّوحيّ إشتدّت الحرمة. وكلّما كان الإجهاض قبل تلك المرحلة ـ أي قبل بلوغة أربعة أشهر قمريّة ـ كان دائرا حكمه بين الحرمة والكراهة. ولا شكّ أنّ المصلحة المرجاة أو المفسدة المدروءة هي التي تسعف المجهض بما يعتذر به عند ربّه يوم القيامة. وكلّما كان الجنين أدنى إلى النّطفة كان الأمر أيسر منه إلى العلقة ثمّ إلى المضغة. ولكن ما حكم الجنين المشوّه؟ إختلف الفقه هنا والمعوّل عليه قرار الطّبيب في نوع التشوّه ومكانه وأمل صاحبه في الحياة. وغير ذلك ممّا هو من حقل الإختصاص العلميّ. وبناء على ذلك التشوّه الذي يقرّره الطّبيب يبني الزّوجان قرارهما. والأمر ذاته فيما يسمّى الدّعيّ أو إبن الزنى. إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى). فلا يباح إجهاضه. سيما إذا بلغ مرحلة النّفخ الرّوحيّ. ولا يلحقه أيّ عيب وعار ممّا نكيله نحن اليوم له ظلما وجهلا. ذلك أنّنا ننسب له عناوين فاسدة ظالمة جائرة. من مثل أنّه أبن زنى أو لقيط أو غير ذلك. وهي تسميّات جاهلية لا يقرّها الإسلام الذي قصر على نعته أنّه دعيّ. حتى يتميّز فحسب عمّن يعرف أبوه. وهو إنسان كامل الإنسانية يرث ويورث وينسب إلى أبيه وأمّه إذا عرفا. وتضمن له الدّولة بقوانينها كلّ أكناف الحرمة مثله كأيّ إنسان مكرّم. كلّ تلك التّشديدات بسبب أنّ حياة الإنسان في الإسلام هي المقدّس الأعظم الذي قدّسه القدّوس نفسه سبحانه. فلا يعتدى على جنين لا يدفع عن نفسه. إذ أنّ فلسفة الإسلام قوامها أنّ الإنسان لا يملك حتّى نفسه ولا حتّى بدنه. ليتصرّف فيه كما يشاء هو. إنّما ملك كلّ ذلك لله وحده سبحانه. فهي ودائع عند الإنسان. يتصرّف فيها وفق شرعه وأمره وليس وفق هواه. وهي فلسفة في الإتّجاه المعاكس للفلسفة الغربيّة القائمة على أنّ الإنسان يملك نفسه وبدنه وهو حرّ حرّية تامة كاملة مطلقة ليفعل في نفسه ما يشاء. ولذلك أباحوا الشّذوذ الجنسيّ والإجهاض في كلّ المراحل والإنتحار وغير ذلك

ديّة المجهض دليل على قدسيّة الإنسان

إختلف العلماء هل أنّ الكفّارة ـ أيّ كفّارة ـ تعفي الإنسان من عذاب الآخرة أم لا. ولكنّ الأرجح أنها عقوبة الدّنيا التي تعفي صاحبها من عذاب الآخرة لقوله سبحانه (فمن تصدّق به فهي كفّارة له). ومعلوم أنّ دية الإنسان ـ بغضّ النّظر مطلقا وبتحقيق صحيح عن دينه ولونه وجنسه ـ مغلّظة في الإسلام فهي ـ إقرارا لتشريع عربيّ قديم ـ مائة من الإبل. أو ما يوازيها اليوم. عدا أنّ الإبل في تلك الأيّام عملة النّاس الأنفس والأغلى. ومن ذا نشأت الرّوابط التأمينيّة والمهنيّة التي تتحمّل جزء من ذلك المبلغ العالي جدّا. وليس كثيرا على الإنسان المقدّس أن تكون تلك هي ديّته. أمّا ديّة الجنين فهي أقلّ من ذلك. وهي جزء من عشرين جزء من تلك الدّية الأصليّة. ويطالب بها من قام بعملية إجهاض جنين بغير إذن أهله. أي عدوانا على أمّه في الأصل الغالب. سواء عمدا أو شبه عمد أو خطأ. عدا أنّ القضاء هو الذي يتحرّى في ذلك تمييزا ليثقل كاهل قاتل متعمّد أو يخفّف عن قاتل مخطئ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى