اراء

إبن عاشور والخمار: عندما يساء فهم الأعلام

كلمة جامعة مانعة في الإختمار

مناسبة المقال

إلتقيت الأخ مصطفى تومي ناشط إغاثي من إيطاليا إتفاقا على هامش مخيم صيفي للجمعية الألمانية التونسية للثقافة والإندماج بمدينة ( فلشبليش ـ على الحدود البلجيكية ) فروى لي أن مجموعة من الأخوات ( وأظن أنهن من المسلمات الجدد ) نزعن خمرهن إستنادا إلى ما كتبه العلامة الأعظم إبن عاشور عليه الرحمة وهن ينشطن في الدعوة إلى ذلك ويوزعن مطويات تحمل ترجمة إلى الإيطالية لما عثرن عليه مكتوبا. قال لي أن المسألة أضحت أدنى إلى الفتنة وطلب إليّ كلمة في هذا الأمر فوعدته بها

بين الخمار والحجاب والنقاب : خلط لمّا يتخلص منه المسلمون
من معاقد هويتي تقديس اللسان العربي وعندما يتعلق الأمر بلفظ إستخدمه القرآن الكريم وله منه نظائر وأشباه يقطنون الحقل الدلالي نفسه فإن اللحن فيه يغدو لغطا في التدين نفسه لا يليق بمسلم ينشد الحرمة لنفسه ومن ذلك أن القرآن الكريم الذي إفتخر بلسانه العربي في أزيد من عشرة مواضع ميّز بين الخمار وبين الحجاب ولم يذكر النقاب ولو مرة واحدة ورغم ذلك التمييز فإن أكثر المسلمين اليوم بما فيهم علماؤهم ودعاتهم يستخدمون الحجاب وهم يقصدون الخمار وما ذا عليهم لو لزموا اللسان العربي الذي إفتخر به القرآن الكريم؟ الحجاب ورد في شأن أمهات المؤمنين عليهن الرضوان وهو خاص بهن من جانب وخاص بهن في بيوتهن من جانب آخر إذ فرض عليهن الحجاب في قوله سبحانه في سورة الأحزاب ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) وعلل ذلك بقوله أن يضل الناس في العلة فيكون من ذا جهل وتشدد وفتنة ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ). ومعلوم أن ذلك بسبب الحالة الخاصة لهن إذ قال فيها سبحانه في السورة ذاتها ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن إتقيتن ) وأن الأجر لهن والعذاب مضاعف على غير عادة بقية النساء ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ). والحجاب هو قطعة قماش تحول بصرا لا سمعا بين أصواتهن في بيوتهن وأصوات الرجال من غير المحارم الذين يدخلون عليهن ولذلك وردت آية الحجاب ضمن تنظيم ذلك الدخول في قوله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه). والدليل على أنه خاص بهن وليس بغيرهن هو أن الله سبحانه ذكر الخمار في شأن النساء كما سيأتي فلا يقبل عقلا أن يكون حجاب وخمار معا لأن ذلك يعدّ تناقضا في شريعة عنوانها الحكمة والتناسق. ولو كان صوت المرأة عورة لما أذن للرجال مخاطبتهن في بيوتهن إذ أن السمع لا شيء فيه. والدليل على أن الحجاب خاص بالبيوت هو أنهن خرجن سافرات قبل فرض الخمار ثم مختمرات غير منتقبات ولا محتجبات وخاطبن الرجال وخوطبوا منهم والسنة والسيرة ملأى بمثل ذلك ناهيك أن عائشة عليها الرضوان خرجت في معارضة سياسية مسلحة تنتصر للحزب الذي يطالب بالقصاص من قلتة عثمان قبل تنصيب الخليفة ولم ينكر عليها أحد من الصحابة خروجها ولا عدم إحتجابها أو عدم إنتقابها ومثلها في ذلك لا يحصى لمن يقرأ الحديث. الحجاب إذن مضى زمانه لأنه فرض عليهن هن فحسب ولأنه فرض عليهن هن فحسب في بيوتهن فحسب. الحديث عن الحجاب اليوم لحن في اللسان بل لحن في الدين ومازال العجب يستبد بي إذ أستمع أو أقرأ لمن يعبر عن الخمار بالحجاب وهو ينتمي إلى اللسان العربي وإلى الدين الإسلامي. أما النقاب الذي لم يرد لا في القرآن ولا في السنة فلم يرتق حتى إلى مرتبة السنة إذ لم يأمر به عليه السلام ولو إستحبابا وأنّى لعاقل أن يعدّ سنة شيئا لم يتحدث عنه عليه السلام ولو مرة واحدة؟ سنة من هي؟ أليس مصدر السنة واحد لا ثاني له؟ كل ما في الأمر أن النقاب عادة عربية وعلامة على الحرية لا على الرق إذ كانت الحرة في العرب تستتر عن العيون بلا دين بل بعصبية عربية وشهامة وكان السفور ولو في الوجه علامة على أن السافرة أمة وليست حرة وهذه لا حرج عليها لأنها لا تشتهى ولا يرغب فيها أحد ولذلك تغنى الشعراء بالحرائر والمنتقبات وكانوا في تلك الأيام يسمون النقاب خمارا تسمية لسانية لأن النقاب يخمر الوجه أي يغطيه ويستره كما تخمر السكرة عقل الساكر. لم ينه عليه السلام النساء المنتقبات على عادة العرب وهن لا يكدن يتجاوزن عدد أصابع اليدين لأنه لا ينهى عن حرية شخصية لا ضير فيها في الإسلام حتى لو لم ترتق إلى درجة الإستنان ولم يأمر به كذلك فكان حكمه اليوم أنه ليس سنة بله واجبا ولا هو بدعة أي أنه مباح في الدين وكل مباح كما يعلم طلبة العلم يقيد بالضرورة كلما خيف أن يتجاوز الحد فيكون منه غلوّ كما يفتح المباح كلما ساور الأمل أن يكون منه خير. تلك هي سياسة الشريعة في المباح وهو ما نسميه اليوم حرية شخصية فيما لا يصدم نصا ولا مقصدا معلوما. المنتقبة التي تنتقب اليوم وهي تنشد الأجر عاصية لله سبحانه لأنها تنشد الأجر هوى أو جهلا وإتباعا للناعقين الذين يقولون ما لا يعلمون والمنتقبة التي تحرم نفسها اليوم من فعل الخير بسبب نقابها هي خلية خصبة للشيطان الذي من المعلوم أنه إذا عجز عن ردة المسلم فإنه يصرم له دينه ويخلط عليه أولوياته فيحبسه عن التي هي خير وأكثر أجرا وثوابا ويسجنه في خويصة نفسه فيموت ورصيده من الأجر صغير وهو نصر للشيطان لا يعلمه أكثر الناس ولكن يعلمه الميت عندما تجلى له غياهب الغيب ولات حين مناص. ولا حرج على المنتقبة التي لا ترجو بنقابها أجرا ولا ثوابا لأنها تعلم أنه ليس سنة ولا حتى رغيبة من أسفل درجات الرغيبة من مثل صلاة التراويح ولكنها رغم ذلك تنتقب ولكنها تفوت على نفسها أجرا عظيما هو أجر الإنخراط في حركة الجهاد والمقاومة لأجل الإنتصار للإسلام في عالم تدور المعركة فيه حول الإسلام وحول المرأة

الإختمار بين الحكم والحكمة وبين الشكل والقيمة

الثابت الأوّل

الإختمار في حق المرأة المكلفة واجب بأمر قرآني مباشر صحيح صريح وما هو أكثر من حجية القرآن الكريم في مثل هذه الأمور هو الإجماع الإسلامي جيلا من بعد جيل وكابرا عن كابر وما كان إجماعا إسلاميا عمليا ثابتا يعدّ في أصول الفقه أوثق عرى الإستدلال لأن الإجماع العملي تبيين لمسلكية ذلك الأمر القرآني ومن مثل ذلك الصلاة والحج وغيرهما مما نقل إجماعا لا يضارع. أوجب الله الإختمار في موضعين مدنيين ولكن في سنة متأخرة من التشريع إذ قال في سورة النور ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ). لم يأت التشريع مباشرا كما ترى بل توسل بقوله ( قل ) وهو دليل على أن الأمر من الله سبحانه وأن محمدا عليه السلام ليس سوى مبلغ للأمر وهو دليل كذلك على أن الأمر يهم الدولة ويخضع لسلطانها لأن المقام التشريعي هنا هو مقام بلاغ نبوي مشوب بمقام مسؤولية سياسية وإدارية لأنه عليه السلام كان في تلك الأيام يجمع بين السلطتين اللتين لا يجمع بينهما أحد من بعده. مسؤولية الدولة هنا ليست هي مسؤولية فرض الخمار على الناس كما يزعم أدعياء الحكم التيوقراطي من المسلمين الذين حرموا أنفسهم فضيلة التدبر أو كما يزعم أشباههم بالنتيجة من عبيد الفكر الغربي. مسؤولية الدولة هنا هي مسؤولية بث الفضيلة وحصار الرذيلة ونشر العفاف وقصر الفاحشة وتوخي وسائل الطهر بتجفيف منابع الفساد. ولولا ذلك لما جاء الخطاب بقوله ( قل ) وجاء بالنداء المعروف ( يا أيها الذين آمنوا مروا نساءكم وبناتكم ) أو ( يا أيتها اللائي آمن أغضضن من أبصاركن أو أضربن بخمركن ). الأمر ليس موكولا في التنفيذ لا إلى الدولة ولا إلى الآباء والأزواج بل خوطبت المرأة نفسها به إذ قال لهن ( وليضربن بخمرهن ) فهن إن أردن طاعة الله من يضربن بخمرهن التي نسبها إليهن. كما ورد ذلك في موضع آخر وهو في سورة الأحزاب التي قال فيها يبين هيئة عامة ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) وهنا أيضا أناط التشريع الأمر به عليه السلام بصفته النبوية والسياسية مرة أخرى فلا تقصر الدولة نشاطها على الأمر والتحريض وبيان العلة والمقصد بل عليها أن تخترع من الأشكال وتجترح من الصور ما يحقق ذلك الأمر دون صدام مع ثابت قرآني آخر هو أنه ( لا إكراه في الدين ). وهي تعني أنه لا إكراه فيما دونه وسواه وهو من باب الإشارة بالأدنى على الأقصى أو بالأقصى على الأدنى في مثل قوله ( ولا تقل لهما أف ). دعاء النبوة ولكن بنسبية لثراء اللسان العربي ولتصاريف مقامات التشريع إلى الشأن الداخلي أدنى كما هو في الطلاق ومعالجة قضية النفاق وغير ذلك والأمر مرة أخرى بقوله ( قل ) ليكون دوره مقصورا على البلاغ ولا يتعداه للحفظ والوكالة والسيطرة ولكن إجتراح وسائل تجفيف منابع الفاحشة والعهر والفتنة في المجتمع من صميم البلاغ وليست خارجة عنه ولكن البلاغ يضادد الإكراه والوصاية الدينية كما بدأ بعائلته هو حتى يتميز الإسلام عن المسيحية التي تحل للكبراء ما لا تحله للعامة وليست غير المؤمنة بملزمة بالإختمار أو إدناء الجلابيب كما يفعل اليوم كثير من المنسوبين إلى الدين بمن يدخل عليهم من غير المسلمات في مشهد نفاقي فاحش ظاهره العفاف وظاهره الكذب. الجلباب وردت في معرض المعيش يومها فهي وسيلة شائعة وليست مقصودة والإدناء كناية عن ستر مواضع الفتنة. وعلل الأمر مرة أخر كعادة التشريع بتوفير الحرية للمرأة وتحقيق أمنها أن يظنها العابث أمة فيستمتع بها أو يدعوها إلى ذلك

الثابت الثاني

الإختمار ليس رمزا دينيا بل إعلانا تحرريا

ثارت في السنوات الأخيرة ثائرة غربية ولها فينا أذناب وكلاب تسعر الحرب ضد الإسلام ولها في المرأة وما يتعلق بها منافذ ونوافذ فكان الخمار في الثقافة الغربية العوراء رمزا دينيا عملت قوانين كثيرة في أكثر البلاد الغربية على حظره لذلك السبب ولكن فضحوا لكونهم لم يعدوا العلامات الدينية الأخرى رموزا دينية ونصوا على ذلك تنصيصا بمثل ما وقع أخيرا في النمسا إذ قالوا بصريح العبارة أن القبعة اليهودية ليست رمزا دينيا وقال من قبلهم أن الصليب ليس رمزا دينيا وقال آخرون أن ما يحمله السيخ والهندوس وغيرهم ليست رموزا دينية جديرة بالمنع وهي صياغات تنطق بالحقد الأسود الأعمى لكل من يقرؤها. الذي يؤسف هنا هو أن أكثر المسلمين اليوم يعتبرون الخمار رمزا دينيا وهنا تكون الكارثة التي تجعل الإنسان مغلولا إذا يقاوم القالة الغربية الخبيثة. كيف لك أن تعمل إذا إلتقى عليك المسلمون والغربيون وكلهم يحملون في الرؤوس أن الخمار رمز ديني؟ هنا علاقة في الإسلام وشريعته بين الدين والمدينة في غاية الطرافة والدقة جامعة بين وصل عجيب وفصل أعجب ولكن كل ذلك لا يظهر إلا لمقترف عبادة النظر والتدبر أما الغافل اللاهي فلا حظ له من ذلك
عدا حظ الأعمى المقود من صاحب عمش . نقطة البداية لمن يريد فهم الإسلام بين جانبه الديني وبين جانبه الدنيوي أن يخلط بين الأمرين خلطا شنيعا فيضل ويضل هو أن الإسلام وعلى غير عادة كل الدين السابق له نظام شامل جامع يحتوي العلاقة الدينية الخاصة بين العبد وربه فهي حياة روحية قلبية وقد هندسها الإسلام هندسة محددة مفصلة فلا زيادة فيها ولا نقصان ولا تحتمل عدا الإتباع سواء فهم المقصد أو لم يفهم وإن كان فهم المقصد أذخر أجرا وأكثر خصبا كما يحتوي العلاقة الدنيوية العامة بين الناس بعضهم ببعض وهي المساحة التي لا يصلها الدين إلا بأسس عظمى وخيارات كبرى وتوجيهات عامة وتعليمات كلية أن يضع الناس في حرج لمّا تتبدل حياتهم. تلك هي الهندسة الإسلامية للدين وللحياة معا وبذا يكون خير تعبير هنا هو أن عنوان الإسلام في الحياة : وصل بالدين في المساحة الأولى وصلا راسخا لا مجال فيه لأي إجتهاد إلا إجتهاد المثابرة والفهم وإحسان التدين والتقرب منه سبحانه زلفى. وفصل في المساحة الأخرى وهو فصل لا يقصد منه إعطاء ما لكسرى لكسرى أو ما لقيصر لقيصر كما قيل سابقا إذ كل شيء لله وحده سبحانه ولكنه فصل يقصد منه الإبتعاد عن النمط التيوقراطي المسيحي الأوربي الذي ساد في القديم والحديث وثارت ضده الجماهير الأوربية لأنه يخنق الحرية ولذلك تحسب الإسلام لهذا فأباح الحرية عطية هي الأغلى والأقدس للإنسان . وبذلك إجتمع في منطق الإسلام علاقة بالدين والحياة معا خيط الوصل مع الفصل معا فلا وصل مطلقا ولا فصل مطلقا وتلك هي فلسفة الإسلام دوما أي مركبة لأنها تخاطب عقلا مركبا وتعالج واقعا مركبا أما الذين ينفرون من التركيب إلى ما يسمونه بساطة وما هو ببساطة ولكنه كسل عقلي ونمطية ذهنية تتأبى عن التفكر والتدبر فما لهم من هذا من حظ. ذلك هو الفارق العظيم والخيط الدقيق بين الإسلام وبين العلمانية وأخواتها غابرا وحاضرا وعقدة الفارق هو أن الإسلام يرعى الحرية فهي عنوانه الأعظم وشعاره الأكبر وما جاء إلا ليقرها ويرسخها ويضمن لها حياتها إذ بها يظل الإنسان حرا كريما يعبد من شاء متى شاء ويكفر بمن شاء متى شاء. لا يغرنك أن المسلمين وخاصة المتأخرين منهم لم يفقهوا هذا والذنب ليس ذنب الإسلام إنما هو ذنب المسلمين الذين تأخروا عن فهم دينهم فهما صحيحا كما نطقت به آيات الكتاب العزيز وكما ترجمه نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. من العلامات على أن الخمار ليس رمزا دينيا هو أن غير المختمرة ـ السافرة ـ لا تعد كافرة ولا تعاقب على ذلك حتى في الدنيا وأمر الآخرة إلى الله وحده سبحانه. ومن العلامات كذلك أن ذلك الخمار ليس له شكل واحد ولا لون واحدا وما كان كذلك لا يعد رمزا لأن الرمز من شرطه المشروط أن يكون محددا لونا وشكلا وغير ذلك. الصلاة مثلا رمز ديني لأنه منضبطة بتآقيت وأشكال وصور ومقالات. والحج مثلها وغير ذلك. من علامات عدم رمزية الخمار أنه لم يوجب في البداية بل ظل الناس كذلك حتى أوجب الخمار بعد سنوات طويلات من الهجرة إلى المدينة ولو كان رمزا لفرض مثل فرض التوحيد لمن شاء الإيمان منذ اليوم الأول. ومن العلامات كذلك على عدم رمزيته الدينية أنه لا يحتل المراتب الأولى في الوجوب وهذا هو أسّ هذه المقالة وهو الأمر الذي أشار إليه العلامة إبن عاشور وفهمه بعضنا اليوم خطأ. وليس من شأن رمز ديني أن يتأخر نزوله أوّلا ثم تكون مرتبة في الدين متأخرة كذلك ولو كان رمزا دينيا لإنتمى إلى العقائد أو العبادات وما هو كذلك. فأين محل رمزيته الدينية إذن؟ هرف في هرف وقرف في قرف. ومن أكبر علامات عدم رمزيته الدينية أنه ـ أي الإختمار ـ يحمل وظيفة إجتماعية وقيمية وليس عنوانا على تدين أو عدم تدين ولقد رأينا منافقات يحملن الخمار ومتدينات مخلصات لا يحملنه. الوظيفة الإجتماعية القيمية للخمار هي ـ كما يتبين ذلك لاحقا ـ إعلان صاحبته أو حاملته أنها حرة لا أمة وأنها إنسان وليست أنثى وأنها مساوية للرجل وليست مواطنة من الدرجة الثانية وأنها مكلفة مسؤولة ككل إنسان على قدم المساواة. تلك هي الوظيفة الإجتماعية له ومن وظائفه القيمية أن حاملته تعلن عفافها وطهرها وفضيلتها وأنها خرجت من بيتها تبتغي السعي والكدّ والكدح تلبية لما تحتاجه وأنها لم تخرج باحثة عن شهوة محرمة أو بائعة هوى. كل ذلك يفيدنا أن الخمار ليس رمزا دينيا بخلاف ما يحمله اليهود وما يحمله النصارى والسيخ والهندوس وغيرهم وكل أولئك يحملون الذي يحملون رموزا دينية يعلنون بها أنهم على الدين الفلاني أو النحلة الفلانية أو الطائفة أو الملة بخلاف المختمرة التي تحمل خمارها وظيفة إجتماعية لا دينية وقيمة أخلاقية لا مجردة. إذا كان هذا لا يقنع الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين سيما من الذين يؤججون الكراهية ضد الإسلام فهذا لا يعود لعدم كفاية الخمار أنه ليس رمزا دينيا وإنما يعود لما في قلوبهم من جهل أو حقد

إبن عاشور والخمار

ذكر هذا العلامة المقاصدي الأعظم رغم طمره وغمره والجهل به في شأن الخمار أن عدم ستر شعر الرأس بالنسبة للمرأة المكلفة بذلك ليس كبيرة من كبائر الذنب في الدين إنما هو صغيرة. ذلك هو كل ما ذكره الإمام إبن عاشور. إذ لم ينكر وجوبه. كيف وهو الخبير بالقرآن الكريم الذي تولى تحرير العقول به وتنوير الأفهام؟ ولكن لفرط فقهه ودقة تمييزه بين مستويات الدين والتدين أشار في مشهد تأخر عنه مثله علما ورسوخا خوفا من الناس وليس من الله إلى أن السفور ـ وهو يعني هنا عدم تغطية شعر الرأس فحسب ـ صغيرة وليس كبيرة. كيف عرف ذلك؟ هذا أمر يحتاج كلاما طويلا. من أمارات صحة هذا القول ( صغيرة تعرية شعر الرأس وليس إباحته ) أن الله سبحانه وهو يعلم الناس دقة التعبير القرآني المدهش الساحر ذكر الجيوب ولم يذكر غيرها وليس يعني ذلك عقلا أنه يباح كشف المفاتن الأخرى ولكن ذلك يعني أن دقة القرآن الكريم إستوجبت ذكر المفاتن التي تسترها المرأة أن تكون أداة تسلية ووسيلة إستمتاع رخيصة وهي ميسرة للستر دون أي حرج ولا عنت إذ كلاهما موضوع في الشريعة. وعندما ذكر الخمر علمنا أن تلك الخمر كانت تحيط بالرأس أو بالعنق ولكنها تتدلى على الكتفين أو على جانبي الرأس ولكن يظل الجيب عاريا ولذلك أشار إلى ستر الجيب وهو في الجانب العلوي من المرأة أخصب موقع للفتنة والإنجذاب وهو أكثر في ذلك من شعر الرأس وهذا أمر معروف بالجبلة ولا يحتاج إلى تشريع قولي. ولم لم يذكر شعر الرأس صراحة ؟ ظني أن التشريع يشرع لنا نحن اليوم إذ تعرضت المرأة المسلمة وفي أكثر الديار الإسلامية كلها وقبل غيرها من الديار الغربية بسبب تغطية شعر رأسها وليس بسبب تغطية جيبها ولذلك تحوطت الشريعة فمرت على ذكر شعر الرأس مرور الكرام ولم تذكره صراحة عسى أن يكون ذلك في الأيام القابلات حرجا ومشقة ولكنها ذكرت الجيب صراحة. لا أذهب مذهب الذين غالوا فقالوا إن شعر الرأس وهو غير مذكور بالكلية لا يجب ستره وذلك بسبب أن شعر الرأس نفسه محل فتنة وإغراء وإغواء وكذلك بسبب أن الخمار الذي أرخي في السابق وأمرت المرأة بإعادة ضربه على الجيوب كان يغطي الرأس إن جزئيا أو كليا كما رأينا في شأن الحرة عادة عربية معروفة تغنى بها الشعراء ولذلك جاءت الشريعة هنا مزدوجة الحكم فهي من جهة تقر ذلك المسلك النسوي العربي الشهم الكريم وتزكي قيمة التعفف عند الحرة ومن جهة أخرى فهي تأمر بستر الجيب بسبب إثارته الجنسية العليا ولا تشدد على شعر الرأس تشديدها على الجيب لأنه أقل إغواء وإغراء من ناحية ولأن الأيام القابلات ستشهد حربا شعواء من المسلمين أنفسهم وقبل غيرهم على الإختمار الذي يغطي شعر الرأس ومن ذلك تكون فتنة وقد كانت. وقد تحول دون المرأة وإقتراف واجباتها الإسلامية الأخرى وهي أعظم من مثل السعي في الأرض لطلب العيش أو الرزق أو الأمن أو النكاح أو غير ذلك. مذهبي هو مذهب إبن عاشور هنا أي أن الإختمار تغطية لشعر الرأس واجب ولكنه واجب متأخر مخفف قياسا إلى واجبات أخرى متقدمة وأن عصيان ذلك من لدن المرأة هو سيئة وليست كبيرة وصغيرة وليست فاحشة وذلك بقصد ترتيب العبادات والأوامر والنواهي ترتيبا يليق بفلسفة الشريعة الحكيمة أما وضع كل شيء في سلة واحدة فلا علاقة له بالفقه والرسوخ. ذلك هو ما ذهب إليه إبن عاشور وهو يحتاج منا إنصافا فلا نحمل الرجل الكبير حمولات علمانية إذ أنه لم يقل بعدم وجوب الخمار ولكنه أعاد ترتيب مستواه الديني ليكون أدنى مما يتحمله الناس في مخيالهم ولو كنا صادقين في ذلك لم لم نهب عندما واجه بورقيبة وبعده المخلوع بن علي وفي بلدان أخرى عربية وإسلامية كثيرة الإختمار وسن القوانين لمعاقبة حاملته وكانت حربا شعواء ضارية طاحنة ضروسا ضد حرية المرأة في إختيار ملبسها الذي تريد؟ دعوني أقولها دون نفاق : في كثير من الحالات يشغب علينا الجهل فنرتب الإسلام بتكاليفه على غير ما رتب هو نفسه لنعلي من شأن متأخر ونؤخر آخر قدمه الإسلام بل قدسه من مثل وحدة الأمة وحرية الإنسان والمقاومة دون الإحتلال وغشيان العلم والبحث والإجتهاد وإكتساب القوة العسكرية كما تشغب علينا الجهالة فنتردد في مقاومة أولئك الذين يقودون حملات منظمة ضد الإسلام. أنى يلتقى هذا بذاك؟ إذا كان الخمار واجبا رفيعا عندنا فلم قبلنا الدنية فيه؟

مقتطفات أعجبتني بشأن الإختمار

من التفسير التوحيدي للمرحوم الترابي ـ صفحة 1009 ـ الجزء الثاني ـ من تفسير سورة النور ” وما ظهر من زينة الخلقة في معروف الثياب لأهل الخطاب عند متنزل القرآن لم يكن ما حول العورة من الأفخاذ إلى منتهاها ولا الصدور وإنما كانت تظهر زينة الحلية في الأطراف من الأرجل والأيادي وما على النحر والله أمر بستر ما على النحر بالخمار . والوجه هو كذلك ظاهر به يتعارف الناس ويتمايزون مهما يكن قبيحا أو صبيحا وأخفاؤه تنكر أو غياب متكلف لذات الشخص. كل ذلك شأن تشكل رسمه الأعراف وظروف المناخ والحياة للمؤمنين وقد يتسع أو يضيق ما يظهر من زينة المرأة وعلى النساء أن يضربن بخمرهن هاويات باطراف ما يخمر به الرأس من مقانع على جيوبهن فتوح الدروع والقمصان تلقاء النحرّ”. أنظر المصدر المذكور أعلاه

من فتاوى المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ـ صفحة 207 ـ كتاب القرارات والفتاوى الجزء الأول من عام 1997 حتى 2010 „ ومع أن لبس الخمار أو غطاء الرأس أو الحجاب ـ كما يسمى اليوم ـ فريضة على المسلمة ولكنه يظل فرعا من فروع الدين فإذا كان التشدد في شأنه والتغليظ على المرأة من أجله سينفرها من الدين بالكلية ويجعلها تهجر الدين أساسا فليس من الشرع أن نضيع أصلا بسبب فرع فكيف بأصل الأصول كلها هو الإسلام ذاته . إن فقه الموازنات يوجب علينا أن نسكت عن هذا المنكر مخافة وقوع منكر أكبر منه وهذا مبدأ معروف ومقرر شرعا… ولا سيما أن هذ المنكر وإن كان حراما بلا شك فهو من الصغائر وليس من الكبائر إذ الكبيرة هنا هي الزنى وكل هذه المقدمات إنما هي مقدمات إلى الكبيرة والصغائر يتسامح فيها ما لا يتسامح في الكبيرة كما قال تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). من سورة النساء الآية 31

خلاصات

أوّلا : التعامل مع المسلمات الغربيات يحتاج إلى مهارات وفنون لأسباب كثيرة منها جهلهن باللسان العربي ومن جهل اللسان العربي ـ بل من لم يحذق منه كثيرا ـ فهو بالدين أجهل أن يكون عالما أو معلما أو فقيها أما الإيمان في أصوله العقدية الستة العظمى فهو متاح وقد أتيح للأميين العرب الأوائل بالكلية وكانوا أساتذة الدنيا حتى وهم أميون لأن الرسالة نزلت عليهم بلسانهم وتلقوها سماعا ومن لا يتلقى اللسان اليوم ومن بعده الدين سماعا فسيظل وفيه ثلمة دون ريب عندي ومن تلك الأسباب كذلك عدم تعرضهن لمحاضن تربوية وعلمية صحيحة إذ أن الأغلبية ممن يتولون الخطابة والإفتاء في أروبا ـ إلا قليلا طمرتهم الأيام ـ إما أصحاب تدين تقليدي هو إلى الخرافة والأسطورة والعناية بقضية الجن أدنى أو أصحاب تدين سلفي يقدم التحريم على الإباحة والعقوبة على التربية والنذارة على البشارة والعبس على البشر والعسر على اليسر وكلها إتجاهات ضد الإسلام وشريعته ومنهاج دعوته أو أصحاب تدين صوفي أو شيعي أو غير ذلك بما يجعل من الخطاب الوسطي غريبا وبذلك فإن التعامل مع هؤلاء ـ وخاصة من النساء الأوربيات ـ يحتاج إلى إعمال الميزان أوّلا وليس إلى إعمال القرآن أوّلا لأن الحكم القرآني واضح جلي وإنما الحكمة في التنزيل وليس في العلم بالحكم وأكثرنا اليوم يمتلأ رأسه بالحكم الشرعي وهو عن الموقف الشرعي أبله من البله

ثانيا : أخطر شيء يفسد تدين الناس اليوم بسبب جهل الدعاة والخطباء أنفسهم إلا قليلا هو عدم التمييز بين مستويات التشريع ومقامات المشرع وبذا يستحيل كل مأمور به في سلة واحدة وكل منهي عنه في سلة واحدة كذلك وبذلك يستحيل التدين شيئا لا يخضع للعقل والمنطق والفهم تدبرا وتفكرا ولذلك قال إبن خلدون عن أصول الفقه : هو منطق الإسلام. ومن عدم منطق الإسلام فقد تنكب الفهم الصحيح للإسلام ولشريعته وأنى له أن يفتي الناس بالحق أو يرشدهم إليه وفاقد الشيء لا يعطيه كما قالت العرب

ثالثا : ليس لي ما أضيفه على ما قرره العلامة إبن عاشور وخيرة فقهاء العصر في المجلس الأوربي إذ إتفقوا دون سابق لقاء على أن الخمار واجب فرعي وليس هو واجب أصلي وأن منزلته تلك ـ عدا ما يتعلق بزمان نزوله ـ تجعله مؤخرا على أشياء ومقدما على أخرى وأن الضرورة للتخلي عنه عندما يقدرها صاحبها سيما بإستشارة أهل الذكر علميا وسياسيا وأمنيا وإداريا هو عين العبادة إذ أن من يعبد الله بالعزيمة في زمن الرخصة ليس عابدا عرف مكانه ودوره وعرف ربه حقا كمثل من يعبده سبحانه بالرخصة زمن العزيمة فكلاهما للصواب مجانب

رابعا : هذا رأيي الذي أعلنه في كل مناسبة أن الإسلام شجرة تنمو بماء الحرية وتخنق بسموم الإكراه فمن أراد لهذ الدين إندياحا وهو يفقه هذا الدين فعليه سكب الحرية التي لا تأتي إلا بخير على خلاف ما يبدو في أول الرحلة والعهد بها ومن سكب على شجرة الإسلام سوائل الإكراه والعنف والإرهاب ينشد له إندياحا فهو يخنقه ولكنه لا يدري عدا أن الإسلام شجرة باسقة لا تخنق ولا تموت ولكن يخنق المسلمون ويموت المسلمون. ومن جانب آخر فإن المرأة اليوم هي الجواد الرابح لأمة الإسلام ولا أعرف جوادا أكثر ربحا لنا أكثر من المرأة وإلا لتوجهت إليه. المرأة اليوم هي محل المعركة بين كل المشاريع التي تريد السطوة والبطش والهيمنة والله لا ينصر المسلمين لأنهم مسلمون ولا الذين يريدو الخير لأنهم يريدون الخير إنما ينصر الذين يعرفون مضغات المجتمع فيشكلونها بحسب ما يريدون ولا ريب عندي أن المرأة هي مضغة المجتمعات كلها اليوم إلا قليلا سيما بسبب إندياحات الحرية وهيجان التواصل بين الناس ولا ريب عندي أن من يقود الناس بعد عقود إنما هو من إلتقط مضغة المجتمع أي المرأة وشكلها كما يريد هو. أفلا نكن نحن أولئك؟ ذلك هو قدرنا في هذه الأيام. المرأة إنسان أرق فؤادا وألطف قلبا وأرسخ عقلا وهدايتها أيسر من هداية الرجل بكثير وهو ما لمسته بنفسي ولم يرو لي منه شيء. فلم نسلك مع المرأة التي بها ينداح ديننا مسالك القهر؟

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق