اراءاهم الاخبار

أي رسالة لخطيب الجمعة في أروبا؟

خصوصيتان تحتضنان الموضوع

الخصوصية الأولى هي أن للوجود المسلم الأروبي وضع يختلف عن الوجود المسلم في البلاد الإسلامية حتى مع إشتراكه معه في أشياء أخرى إذ أن لهذا الوجود الأروبي تحديات غير التحديات العامة للأمة الإسلامية ولعل أنسب عنوان لتلك التحديات الأروبية هو أن ذلك الوجود الأروبي محكوم في حياته العامة بأنظمة غيرإسلامية حتى في المستوى الإجتماعي والتعليمي

الخصوصية الثانية هي أن خطبة الجمعة هي الخطاب الوحيد الذي يلقيه الخطيب من دون أن يحقّ لأحد مقاطعته أو الإعتراض عليه مادام فوق المنبر وأن ذلك الخطاب يقع بانتظام شديد وعجيب أي مرة كل يوم جمعة وأن المسلمين كلهم ذكورا وإناثا مدعوون من ربهم نفسه سبحانه إلى شهود ذلك

أنسب طبيعة لخطبة الجمعة : النفس التعبوي

لا شك أنه علينا أن نميز بين الخطاب ومستوياته بحسب الإطار الذي يحتضنه. خطاب الدرس هو خطاب علمي وكلما كان رواد الدرس من أهل التخصص نفذ الخطاب إلى الدقة والعمق. أما المحاضرة فإن خطابها إشكالي أي طرح قضية معاصرة بمنهج يثير فضول المهتم أو يطرح معالجتين أو تصورين أو أكثر مع الحرص على إبقاء الإشكالية مفتوحة. الموعظة خطابها ديني بحت مسنود بالنقول من القرآن والسنة وبالقول الليّن جمعا بين الترغيب والترهيب مع الحرص على بعث الأمل ووأد اليأس. الفتوى خطابها إستدلالي صارم مع تبيين واف وسلاسة ويسر وتبشير ورعاية للطارئات والخصوصيات. أما خطبة الجمعة فلا يناسبها سوى الخطاب التعبوي التحريضي وذلك لأسباب منها تنوع الحاضرين تنوعا كيفيا شديدا في مستوى الإستيعاب والفهم وفي الإنتماءات كذلك ومنها أنها موضوعة في الأصل لمعالجة التحدي الأكبر لذلك الوجود سواء مما جدّ في بحر الأسبوع المنصرم أو فيما ينتظر حدوثه في الأيام القابلات على أن تلك الطبيعة التعبوية التحشيدية العامة نحو هدف محدد يمكن أن تتزين بجرعات علمية يسيرة أو أغذية وعظية خفيفة أو الإستقواء بإستدلالات عامة مفهومة

أبرز معالم الخطاب الإسلامي لخطيب الجمعة في أروبا

التجميع ولو على الحد الأدنى وليس التفريق

في أوروبا بصفة خاصة لمن يعرف الفسيفساء الإنتمائية للوجود المسلم فإن أكبر تحد هو تمزق الصف المسلم هنا تمزقا شديدا بسبب سوء إدارة الإنتماءات سواء المذهبية أو الجهوية أو الفكرية أو الحزبية أو غيرها وبذلك فإن أكثر أسماء المساجد تداولا بين الناس هو نسبة تلك المساجد إما إلى تيار فكري محدد أو جهة معينة فلا تسمع سوى أن هذا مسجد تركي والآخر مسجد سلفي والثالث إخواني وهكذا وهي حقيقة وليست مقصورة على التسمي. قامت بعض المؤسسات بجهد معتبر في سياسة التجميع ولكن الفتق أشد وأكبر ومازال يتغذى بأسباب التفرق والتمزق ويشتد حدة وفضيحة في تحديد أيام عيدي الفطر ودخول رمضان. سياسة التجميع على الحد الأدنى هي سياسة إسلامية ذكرها الوحي الكريم على لسان النبي هارون عليه السلام ( أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) أي أن موسى عليه السلام أوصى أخاه أن يحرص على جمع صف بني إسرائيل مؤمنهم وكافرهم سواء بسواء في أثناء غيبته لسماع ربه سبحانه في جبل الطور. يتعجل بعض الأئمة والدعاة في تجميع المسلمين من دون التنبه الكافي لأسباب فرقتهم وحسن قراءتها وإعارة الزمن حقه كاملا في رأب صدعها ومن دون تقديم الأغذية الفكرية اللازمة لذلك الرأب وفي العجلة ندامة قطعا. تجميع الوجود الأوربي المسلم اليوم وفي غضون سنوات طويلة أخرى على حسن فهم رسالة الإسلام فهما صحيحا من جهة وعلى لزوم العبادة التي لا خلاف عليها أي الصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين من جهة أخرى وعلى التحلي بالخلق الطيب قدر الإمكان مع الدائرة المقربة من رحم وجوار وصاحب بالجنب من جهة ثالثة مقدم على كل شيء في تقديري دون الغفلة عن أغذية فكرية شرعية تساعد على معالجة الإشكالية العظمى هنا أي : كيف أكون مسلما ـ وكيف نكون مسلمين ـ في المستوى العائلي الأسري تأسيسا وتربية وعلاجا ـ ونحن في وضع لا إسلامي؟ هل عليّ أن أرحل أم عليّ أن أبقى هنا وكيف عليّ إجتراح إئتلاف نفسي وعملي يجمع ديني مع العلمانية الأوربية أو الليبرالية الغربية؟

التعبئة الجامعة بين التحريض وبين التعليم

التعبئة لا تعني التجييش العاطفي الفارغ والتعليم لا يعني ـ هنا وليس غير هنا ـ المادة الأكاديمية. مشروعية التعبئة هي بسبب تنوعات الناس فهما وإنتماء وحسن تقدير ومعالجة وكل هؤلاء بحاجة إلى من يجمع صفهم ويعترف بتعددهم وفي الآن نفسه يوجههم إلى رسالة واحدة وهدف واحد ويكون ذلك بأغذية علمية ووعظية وآلية المقارنة. التعبئة تعني التوعية العملية التي تجعل المصلي يخرج من المسجد بعد صلاة الجمعة وفي رأسه أهداف وأسئلة وتحديات. التعبئة ليست ضد المجتمعات الأوربية ولكن ضد قيم فاسدة من مثل قيمة التفرق وقيمة عدم الإعتراف بالتعدد وقيمة إزدراء المرأة وقيمة العنف ضد الأبناء وقيمة قتال الكافر بسبب كفره وقيم أخرى كثيرة لازالت تملأ الرؤوس المسلمة. التعليم وحده يحتاج إليه طالب الشهادة الجامعية والتعبئة وحدها يحتاج إليها طالب الشهادة في ساحة الوغى. أما خطيب الجمعة الناجح فهو من يجمع بينهما لأنه يحرض المسلمين في اروبا على الوعي بقضاياهم الحقيقية وليس التاريخية التراثية الميتة ولكن يدعوهم إليها بحكمة وتعليم وحسن تقدير

معالجة المشكلة الأمّ : بل علمني كيف أفكر

ما أفدت من القرآن الكريم ومن السنة شيئا أكثر وأخصب من أنهما علّماني كيف أفكر. لم يسديا إلي فكرة حتى في المستوى الإلهي وإنما علماني كيف أهتدي إلى ذلك. ذلك أن منهاج الخطاب الإسلامي قرآنا وسنة لا يهديك أفكارا بالمجّان وإنما يعلمانك كيف تفكر فإذا تعلمت كيف تفكر أمسكت بالمنهاج التفكيري المتوازن وعندها تتدرب على إنتاج الفكرة وحسن إستيرادها وحسن تصديرها إذ الفكرة لا دين لها ولا أرض. نتذمر نحن اليوم من آلاف الأقوال والأفعال التي ندينها محاكمة للإسلام أو للحكمة ولكن لو تعمقنا في إستقراء المشكلة لألفينا أنها كامنة في طريقة التفكير وليس في مضمون القول أو حقيقة الفعل إذ أن اللسان واليد جنود مجندة في ثكنة عسكرية صارمة قائدها الأوحد هو العقل الذي ينتج التفكير فإذا صلحت القيادة ـ وهي العقل والقلب معا ـ صلح الإنسان وصلحت الحياة. ومن هنا فإنه على الداعية الخطيب أن يكون طبيبا أي يستصحب المنهاج الطبي في التشخيص وقراءة الأعراض بما يساعده على حسن التوصيف وخير المعالجة. كيف تعلم الناس كيف يفكرون ليست مهمة مستحيلة ولا حتى مستعصية أو عسيرة بشرط واحد هو أن تهتدي أنت أوّلا لذلك ثم تبادر إلى ذلك بيسر وصبر وتكرار كما يفعل الخطاب القرآني الذي يبدئ ويعيد في المسألة والواحدة مائة ومرة ومرة ولكن في كل عرض جديد بسياق جديد وأسلوب أخاذ جديد. تلك حكمة صينية علينا إستيرادها : لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد. لا تعطني فكرة بل علمني كيف أفكر. لا تقل لي لا تكن إرهابيا ولكن علمني كيف أفكر حتى أكون سلميا لا إرهابيا. لا تقل لي لا تزدر المرأة ولكن علمني كيف أكرمها ولا أزدريها وهكذا

إنتاج الخطاب الواضح والعلمي

علمية الخطاب الإسلامي مطلب معاصر في زمن العلوم والمعارف وإنفجار التواصلات. علمية الخطاب الإسلامي تعني الإعتماد على مصادره المعقولة وليس هذا في تقابل مع المنقولة بل إن المنقولة نفسها تحيلك إلى ذلك ولكنا ورثنا ومازلنا معادلة سيئة الإخراج عنوانها أن العلاقة بين النقل والعقل علاقة تخاصم أو تقابل أو تنافس. إقرأ القرآن الكريم بنفسك وفي أخطر موضوع أي الإلهية لتدرك بنفسك أنه يقنعك بالله وحده سبحانه إقناعا عقليا وإقرأه مرة أخرى لتلفى أنه لا يأمرك بشيء أو ينهاك عن شيء إلا ويعقب في إثر ذلك أو في أثناء نظمه العجيب بما يعلمك الحكمة من ذلك الأمر أو النهي. ذلك يعني أن الإسلام دين معلل مفهوم مقصد وليس هو ضريبة يتحملها العقل أو عقوبة يتعرض لها فلا بد لها إذن من إسناد أسطوري خرافي. العلم اليوم بكل معارفة يؤيد الإسلام ولذلك أقبل الغربيون من العلماء عليه. الناس اليوم وقد تعلموا وفهموا يعتمدون المقارنة فلا بد لهم من خطاب يقوم على المقارنة التي هي آلية علمية والبضاعة الإسلامية تتعرض اليوم لمنافسات فلا بد أن يكون الخطاب الإسلامي منتصرا في الحقل العلمي ليقنع الناس بنفسه كما فعل معهم في كل زمان وفي كل مكان. وضوح الخطاب الإسلامي لا يعني عدم تعميقه كما يهرف الذي لا يعلمون إذ الوضوح والعمق يتكاملان ولا يتخاصمان. الوضوح يعني إختيار الكلمة المناسبة في سياقها المناسب بما يقيها سوء التأويل. عندما أراد القرآن الكريم توضيح خطابه الإلهي قال للناس بوضوح شديد أبهرهم : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟ ليس هناك إحتمال ثالث فإما أن تكون مخلوقا من شيء وعندها لا بد من البحث عن ذلك الخالق لعبادته وإما أن تكون قد خلقت نفسك وعندها تعرض نفسك لسخريات الناس. الوضوح والعمق والعلمية في حالة تكامل

تسطير خارطة طريق توعوية في المناطق المظلمة

على خطيب الجمعة أن يكون واعيا هو بنفسه أوّلا بالعناوين الفكرية العظمى والأولى لرسالة الإسلام ثم بعناوين التحديات المعاصرة التي تواجه الوجود المسلم هنا فإذا جنى ذلك فإن عليه أن يسطر لنفسه خارطة طريق توعوية تعبوية يرتفع بها بالمستوى التفكيري للناس بما يرفع من مستوى معالجاتهم في شتى الحقول. لا أظن أن هناك خلافا حول أن أكبر العناوين العظمى الأولية للإسلام هي : تجهيز الإنسان بمنهاج تفكيري صحيح يعرف به ربه ورسالته ومكانه ثم تجهيزه بقلب حي نابض يتواضع لربه سجودا وركوعا وطوافا ثم تأليف قلبه على دائرته القريبة رحما وجوارا ثم تجهيزه بمنظومية قيمية أخلاقية مع كل الناس حتى في حالة الحرب بله السلم والإخاء ثم تقديم المقهورين والمحتاجين على غيرهم نصرة لهم ثم حسن فهم الزمان والمكان والحال والعرف لإقتراف رسالة الدعوة بإستراتيجيتها المضبوطة أي موعظة وحكمة وجدالا حسنا وبصيرة وغير ذلك. أظن أنه لا خلاف على تلك العناوين العظمى دون تفاصيلها فإذا تواضعنا على ذلك فإن تلك الحقول هي الأولى بأن تقطن خارطة طريق الخطيب وتعمر خطابه. المناطق المظلمة اليوم في الوعي الإسلامي وفي الوعي الغربي كثيرة وخطيرة منها : المرأة ـ الحرية ـ التعدد ـ التجديد ـ الديمقراطية ـ الدولة ـ الأقليات ـ المال كسبا وإنفاقا وإستثمارا وغير ذلك مما يثير حفيظة الناس وهو عند أكثر المسلمين ليس واضحا أو صحيحا

من محسنات الخطاب الإسلامي في أروبا

تجويد فنون التواصل

لذلك إختار الله لدينه الأنبياء الذين أصطعنهم لنفسه وعلى عينه لإبلاغ رسالته ومعنى ذلك هو أن فنون التواصل هي التي تؤمّن خلوص الخطاب إلى أهله نقيا أم ملوثا. التواصل فنّ ومهارة وإبداع وهو علم يدرس ولكن أكثرنا زهد فيه فضاعت رسالته على عظمة قيمها

الإعتدال بين ترغيب وترهيب

أكتفي هنا بقالة عظمى للإمام علي عليه الرضوان : هل أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا : بلى. قال : الفقيه كل الفقيه هو من لا يوئس الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من مكره

الوعي بأن الكلمة هي أمضى سلاح فتّاك ومصل معالج

لمّا نعي بعد أن سلاح الكلمة الذي إعتمده القرآن الكريم نفسه هو الأمضى في مقاومة قيم الفساد والسوء وبناء قيم الخير والعدل ومعالجة المظاهر المترددة بين فحش وظلم. لو وعينا ذلك لما إحتقرنا قيمة خطبة الجمعة

تحديث الناس بما يفهمون

المقصود هنا المزاوجة في الخطبة بين لسان عربي سلس يسير مفهوم غير طاعن لا في العاميات ولا في غرائب اللسان من جهة وبين لسان البلد أي الألمانية مثلا من جهة أخرى

مراعاة أوضاع الناس المهنية وقحط الوقت

أي تجنب الأبنية السابقة في البلدان العربية حيث لا قيمة للوقت إذ يظل الخطيب لما لا يقل عن ربع ساعة في مقدمات لا معنى لها وقوفا على أطلال الأشعار والأسجاع وذلك تمحضا للموضوع الرئيس من جهة في محاولة لتوضيحه وتعميقه والتعبئة به ومن جهة أخرى رعاية لمصالح الناس في زمن السرعة وبلاد العمل

خلاصة جامعة موجعة

يشكو أكثر الناس من عدم التفاعل مع خطبة الجمعة ليس لأنهم لا يفهمون ولكن لأن الخطيب في المكان الخطإ وخطابه في الزمان الخطإ وقد أثبتت ثورات الربيع العربي هذا فكن سيدي الخطيب في زمانك ومكانك يكن الناس معك ومع رسالتك

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق