اراءاهم الاخباررأي رئيسي

أمّة معركتها مع الجنّة أنّى تتحرّر؟

 

لا يمرّ عليّ أسبوع واحد دون أنّ أتلقّى شكاية مسلم من أذى مزعوم من الجنّ. فهذا يشكو صرعا وذاك سحرا وذلك مسّا والآخر عينا. وخاصّة من النّساء. وقامت مؤسّسات علنية وسرّية بإسم المعالجة بالقرآن الكريم وبالرّقى (الشّرعية) وشدّ النّاس الرّحال إليها. ولو همست لأحدهم أنّ ما يحسبه تلبّسا ماديا ـ حتّى لو تكلّم الجنّي المزعوم على لسان المريض ـ ما هو إلاّ تلبيسات شيطانية ماكرة تعمل على إقناع النّاس بالقدرات الخارقة للجنّ ـ ومع الأيّام يؤول ذلك إلى صرف شيء من العبادة إليهم ـ لرميت بالرّدة. إذ غدا هذا عقيدة معقودة عند ملايين مملينة من المسلمين والمسلمات في عرض الأرض وطولها. ويحضرني قوله سبحانه في مشهد من مشاهد يوم القيامة حيث تصرّح الملائكة أنّ هؤلاء المتأسلمين كانوا يعبدون الجنّ (أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون؟ قالوا سبحانك. أنت وليّنا من دونهم. بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون). عابد الجنّ لا يقول : الجنّ أكبر ـ سبحان الجنّ وبحمده . لا. إنّما يقول كما يقول المؤمن : الله أكبر ـ وسبحان الله وبحمده. ولكنّ عبادته إيّاه إنّما هي إعتقاده أنّه بقدراته الخارقة ينفع ويضرّ ويعلم شيئا من الغيب ويجلب الرّزق والولد ويأتي بنبإ يقين عن مغيب أو ميّت أو مسروق. ولكن لا أحد يعترف بذلك. ناهيك أنّ المشركين أنفسهم دافعوا عن أنفسهم بقولهم (ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى). ألم يقل سبحانه في آية تهديدية مخيفة (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون). خيط رقيق دقيق يفصل بين الإيمان الحقّ والشّرك عنوانه : من تسأل في النّائبات وبمن تستعين في الشّدائد وبمن تستجير وتستغيث وهل تتّخذ لك وسائط في كلّ ذلك بينك وبين الله أم تكفر بكلّ طاغوت وسيط لتحرّر عقيدتك وتؤمّن إيمانك من كلّ شائبة شرك مهما دقّت؟ ليت شعري. إذا كان نبيّ التّوحيد ـ عليه السّلام ـ عدّ طاعة أحد فيما حرّم من حلال أو أحلّ من حرام ـ إستحلالا وإستحراما ـ شركا غضب منه ونزع القلادة من عنق الرّجل الذي لم يكن يظنّ ذلك فكيف بمن يعتقد أنّ الجنّ لهم تدبيرات خفية؟ إستحلال الحرام إستحلالا وليس مجرّد تناول وإستمتاع ومثله إستحرام الحلال شرك. وهو بالمعنى المعاصر : شرك سياسيّ. وهو شرك عمليّ أو أدنى إليه. فمن باب أولى وأحرى أن يكون إشراك الجنّ فيما هو ألصق بالإعتقاديات أفحش وأشدّ سوء

قراءة في الأسباب الصّحيحة

أظنّ أنّ السّبب الأكبر هنا هو الجهل وليس عداه. ولو خطونا خطوة أخرى على هذا الدّرب تحليلا لألفينا أنّ السّبب غريزيّ على معنى أنّ الإنسان مركّب من مجموعة جبلاّت. منها جبلّة الخوف من الكائنات غير المرئية التي تنقلها إليه الأساطير والخرافات. ومن ذا كانت رسالة الإسلام ـ في كلّيتها الجامعة تقريبا ـ رسالة حاسمة في تحصيح التّصوّرات عن عالم الغيب بما فيه من كائنات غير مرئية أو يمكن لها التّشكّل في صور أخرى. بمثل ما يخاف الإنسان من الظّلمة والوحشة والوحدة وغير ذلك. ويكون هذا حقلا خصبا للشّيطان ـ عدوّ الإنسان الأوّل والأكبر دون أدنى جدال ولا منازع ـ فيه ينفث ما به يقترب الإنسان من الكفر ويبتعد عن التّوحيد. ولكنّ ما يحزّ في النّفس كلّ الحزّ هو أنّ الكتاب الكريم وحده كفيل بتصحيح التّصوّرات وبيان الحقّ في عالم الغيب إذ تمحّض لذلك بدستور من القصص وآخر من الأمثلة ومثلهما من الحجج العقلية الصّارمة المنطقية وإمتحن في كلّ ذلك النفّس ذاتها وعرض عليها من مشاهد الآخرة ما به تتحرّر بالكلّية من كلّ الأساطير الشّيطانية والخرافات المتهافتة. ثمّ جاءت السّنة لترسم للإنسان طريق التّحرّر بالعمل اليوميّ. وقبل ذلك وبعده جهّز الإنسان بدستور عقليّ يساعده على إستيعاب كلّ ذلك وقبوله وعلى بناء شخصية قويّة. ما يحزّ في النّفس حزّا حزينا هو أنّ الإسلام ضمن كلّ ذلك بلسان عربيّ مبين ومع ذلك يتهافت ملايين مملينة من المسلمة المعاصرة ساقطين في أتون الشّرك الأكبر أو شبه الأكبر أو حتّى الذي سمّاه القرآن الكريم فسقا. وهل الفسق ـ عقيدة ـ هيّن؟ السّبب إذن مركّب. فيه الجهل الذي يشيّد جسورا شامخة بين الإنسان وبين القرآن الكريم. وفيه الإستسلام لأساطير النّاس وخرافات المشعوذين الذين أخبر الله عنهم أنّهم من شياطين الإنس (شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض). والشّيطان الذي صوّرت لنا هويّته العدائية (إنّ الشّيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا) يجتال النّاس عن دينهم الحقّ إجتيالا عجيبا. سيما أنّ الله ـ لحكمة الإبتلاء ـ منحه القدرة على التّشكّل في صور غير محصورة ليقنع النّاس ببديله إقناعا. ومن شأن النّاس ـ غريزة كذلك ـ الإطمئنان إلى كلّ ما هو ماديّ محسوس ملموس. وخاصّة تحت تأثيرات الخوف ومطارق الهلع والفزع. وبصفة خاصّة في النّائبات من مثل مرض أو تلف. ألم يشخّص سبحانه ذلك بقوله (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم)؟ ولكنّ النّاس إلاّ قليلا لا يتصوّرون كلّ ذلك من الشّيطان. لأنّهم لا يرونه. ولا يعلم كثيرون منهم أنّه أصيل الجنّة التي بلغت حدود المرود والعفرتة. وكلّما طغت الحياة الدّنيا بضجيجها الماديّ السّاحر ضمرت القيم الدّينية وأضحى الحديث عن الغيب والشّيطان والجنّة إمّا مستقذرا أو أنّه عالم آخر لا ينفع منه عدا الإستسلام والإخبات. كما تساهم أسباب ضعف الشّخصية في تلبية تلك الدّاعيات لتجعل من الإنسان طعما ليّنا هيّنا في بطون الشّيطان إنسه وجنّه سواء بسواء. ويكون ذلك عادة بسبب ضمور مناسيب الأمل في الله وفي دينه وفي النّفس ذاتها والنّاس وطغيان مناسيب الخوف

لأجل الإنسان كتب الله على نبيّه سليمان تلك الميتة

ألا يقرأ النّاس في القرآن الكريم أنّ الله إختار لنبيّه سليمان ـ وهو ملك سخّر له كلّ شيء تقريبا حتّى الجنّة أنفسهم ـ ميتة عجيبة. إذ سقط خارّا لمّا أكلت الأرضة منسأته. و كان ذلك بعد أسابيع أو ربّما شهور ظلّ فيها الجنّ يعملون بجدّ ونشاط إذ هم يرون الذي سخّرهم في ذلك العمل (سليمان) رأي العين لحما ودما يرقبهم وهو على منسأته متكئا؟ أليس هذا مشهد بالصّوت والصّورة نقل إلينا نحن لنعلم علم اليقين أنّ الجنّة لا تعلم حتّى خبر الشّهادة. فما بالك بخبر الغيب؟ لو كانت الجنّة تعلم خبر الشّهادة لتفطّنت إلى موت النّبيّ الذي سخّرها في عمل فيه عذاب. بعد هذا البيان لا تجد بيانا. فما الذي دهانا؟ سليمان النّبي الملك عزيز على ربّه وما كان ليميته تلك الميتة إلاّ رحمة بالنّاس من بعده أن يعتقدوا أنّ الجنّة تعلم غيبا ولا شهادة

أليست سورة الجنّ كافية؟

لم خصّص الله في كتابه سورة كاملة تتحدّث عن الجنّ؟ أليس لإخبارنا بهويتهم الكاملة الصّحيحة؟ أليس ذلك بغرض تجنّب عبادتهم والخوف منهم؟ ألم يجعلهم فيها هم بأنفسهم يتكلمون لعلّ ذلك أدعى فينا؟ ألم يخبروا عن أنفسهم أنّهم كانوا يسترقون السّمع والآن منعوا وأنّ رجالا من الإنس يعوذون بهم محتمين ومستجيرين وأنّ ذلك يزيدهم رهقا؟ ألم يخبروا عن أنفسهم أنّهم لا يعملون الغيب ولا يقدرون على شيء وأنّهم عبيد

من العبيد منهم المسلم ومنهم القاسط ومنهم المطيع ومنهم العاصي؟ هم مخلوقات من نار ولا علاقة لهم بالتّكريم الذي أوتيه إبن آدم. بل إنّهم يأكلون فضلاتنا من الطّعام ويبيتون في الحفر القذرة وما إستأمنوا على شيء مثلنا ولا علّموا بمثل ما علّمنا

الوقاية ممكنة ولكنّ العلاج مشطّ

عييت كلّ العياء وأنا أقول للنّاس : عليكم بالوقاية من كلّ شرور الإنس والجنّ باطنها وظاهرها قبل أن تصابوا فيكون العلاج رهقا ومشطّا وتستسلمون لمن قال الله فيهم (يا أيّها الذين إنّ كثيرا من الأحبار والرّهبان ليأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله). ثمّ يأكلون أموالكم سحتا وتظلّون تحت أقدامهم كمثل المريد بين يدي شيخه يفعل به ما يشاء. إذ يدّعون أنّ لهم خوارق وعلاقات مع الجنّة وعالم الغيب ويستثمرون كلّ الإستثمار خوفكم فيستعبدونكم بإسم الدّين ويسترقّونكم بإسم العلاج بالقرآن الكريم والرّقى الشّرعية. وصفت هذه الوصفة وقاية وليس لي فيها أيّ شكّ ولا ريب. ولكن أكون في حالات كثيرة كمن يصرخ في واد

مركّبات الوقاية

أوّلا : إعادة بناء الإيمان (العقيدة بالمعنى الحديث) بناء صحيحا وفق مقرّرات الكتاب والسنّة. وليس وفق أيّ مصدر آخر. وتعاهد ذلك بالتّجديد والتّصحيح والتّهذيب والتّشذيب من زوائد لا يستنكف الشّيطان إنسه وجنّه أن يستنبتها. لا شيء يعصم من كلّ تلك الشّرور وقاية أكثر من عصمة الكتاب العزيز لمن يتّخذه شفاء إتّخاذه لدواء الطّبيب شفاء. وليس بركة خرافية أو تلاوة غافلة

ثانيا : إتّخاذ الصّلاة محطّة إستشفائية وقائية يتزوّد فيها المسلم بأمصال اليقين الياقن في الله وحده سبحانه. فلا ينفع معه ولا يضرّ حتّى ملك مقرّب أو نبيّ مرسل. وليس عبادة مفروضة تؤدّى بشكلانية زائدة الحرص فحسب. محطّة عنوانها : أرحنا بها يا بلال

ثالثا : المثابرة على حدّ معيّن من الأذكار. ولكن مع فقه الذّكر الحقيقيّ الذي مقصده طرد الغفلة والتعلّق بالله وحده سبحانه وإطعام القلب بمؤنته التي يحتاجها وريّ الفؤاد بمائه الزّلال. أي ذكرا عنوانه : حضور قلب وخشوع فؤاد. وليس حركة لسان. ولا مناص في تلك الأذكار من جرعات محدّدة بالوحي صبحا وعشيّا : فاتحة الكتاب وآية الكرسيّ وخواتيم البقرة والمعوّذات الثّلاث وما تيسّر من أذكار نبوية أخرى معروفة وقصيرة. ما أنزلت المعوّذتان إلاّ وقاية من شرّ الإنس والجنّ. وعمارة البيت ولو مرّة في العام بسورة البقرة التي لا حظّ معها للجنّة في بيت تقرأ فيه هذه السّورة العظمى

رابعا : مزاولة البسملة على الأقلّ ـ لمن لا يعلم الذّكر المناسب ـ في كلّ حركة جديدة أو سكنة جديدة. وبشكل آليّ تلقائيّ. لأنّ الذّكر بصفة عامّة والبسملة بصفة خاصّة تطرد الشّيطان والجنّة وهما على التّخوم القريبة في حال تربّص لأوّل غفلة في أوّل حركة أو سكنة جديدة ـ من مسلم خاصّة بغرض إجتياله عن دينه ـ

الرّقية شخصية ومنها مبتدع كثير

ثبت أنّه عليه السّلام رقى نفسه بنفسه ورقى أهله وذرّيته. وبمثل ذلك كان الصّحابة ـ وهم أمّيون في الأعمّ الغالب ـ يرقون أنفسهم ومن يرعون بأنفسهم ولم يتّخذوا لا محمّدا عليه السّلام راقيا يلجؤون إليه ولا حبر الأمّة إبن عبّاس ولا أحدا ـ حتّى بعد موته عليه السّلام ـ من أئمّة الصّحابة. وبمثل هذا جرى أمر الرّقية في الأمّة حتّى غزتنا البدع فكان راقون يفتحون دكاكين ويشتهرون في أسواقهم كما يفعل المغنّون وأصحاب الحرف الأخرى بالتّمام والكمال. الرّقية دين وليست دنيا. ومن ذا فإنّ الإتّباع فيها شبرا بشبر لما ورد في السنّة الصّحيحة هو الصّحيح. وما عداه إحداث في الدّين فهو ردّ. ومن البدع قراءة القرآن أو الأذكار على الماء. ولم يثبت هذا منه البتّة عليه السّلام وخرافات أخرى سرت في النّاس سريان النّار في الهشيم. الرّقية لا تكون إلاّ بالقرآن الكريم سيما فيما ثبت ممّا أنف قوله. ولا بأس بالزّيادة منه ولكن ضمن القرآن الكريم نفسه فحسب لأنّه شفاء كلّه. وبما ثبت من الأدعية والمأثورات لمن يحفظ. ويكفي من لا يحفظ هذا دندنته كما أقرّ عليه السّلام أعرابيا أن يدندن بما يعرف. إلاّ من هو أمّي بالكليّة لا يحسن حتّى قراءة الفاتحة وآية الكرسيّ وخواتيم البقرة والمعوّذات الثّلاث ـ هذا نادر في الأمّة ـ فلا حرج على هذا إستجلاب من يرقيه. ومع سنّية الرّقى فإنّ الثّابت في حديث عكاشة المتّفق عليه أنّ عدم التّوسّع في الرّقى ـ سيما إسترقاء ـ هو الباب المفتوح لنيل دخول الجنّة بلا حساب ولا عذاب. بذلك نجمع بين النّصوص الصّحيحة وهو الأولى. أمّا أن يتحوّل الدّين إلى ما يشبه حياة المسيحيين الذين يلجؤون إلى رجل الدّين ليكون لهم واسطة بين الله وبينهم أو أنّه يملك مفاتح الهدى والنّاس من حوله دهماء فهذا هو ما حذّر منه الله نفسه في الآية آنفة الذّكر. أي تنبيه الذين آمنوا أنفسهم أن يكون أئمّتهم رجال دين يتمسّحون بالرّقى شعوذة وكذبا ليأكلوا أموال النّاس بالباطل وهذا هو نفسه الصّد عن سبيل الله

تحرير العلاقة بين الأذى المادّي والأذى المعنويّ

هذا التّحرير مهم جدّا لعلّ النّاس يعون بالعقل العلاقة بين الأمرين. أذى الشّيطان إنسه وجنّه ـ أي المعنويّ منه ـ هو بمثل أذى المادّة. وذلك على معنى أنّ الإنسان كائن مركّب مزدوج. فمنه مركّب ماديّ يؤذيه ما يؤذي المادّة. ولذلك يمرض الجسم عندما يفقد بعض مناعاته أو قدراته فتطمع فيه الجراثيم التي تدخله بدون مقاومة تذكر فتؤذيه. من يريد أن يعي أذى الجنّة على وجه الحقّ عليه أن يقيس النّفس ـ وهي المركّب المعنويّ في الإنسان ـ على هذا بالكلّية. أي أنّ النّفس عندما تضعف مناعاتها فإنّ الشّيطان إنسا وجنّة يطمع في ولوجها. إذ تلك هي رسالته. فيلجها ويدمّر بعض خلاياها ويبثّ فيها الخوف والفزع محاولا زحزحتها عن الإيمان شيئا فشيئا. تلك هي العلاقة الصّحيحة الحميميّة بين الأمرين. والمقصود من هذا هو أنّ النّفس التي إستكملت دفاعاتها وتحصّنت مناعاتها إيمانا وعبادة وذكرا ويقينا وتوكّلا فإنّها تصدّ أذى الشّيطان رغم محاولاته التي لا تيأس ولا تقنط. ذلك يعني أنّ العبرة بالوقاية وليس بالعلاج الذي هو عسير فعلا بسبب أنّ تمكّن الشّيطان من النّفس كتمكّن الشّوك من الحرير. فلا يحرّر هذا حتّى يدع شيئا منه في أرحام ذلك الشّوك. تلك هي المعركة الشّرسة بيننا وبين الشّيطان معنويا. وهي المعركة ذاتها بيننا وبين الأمراض المادّية. فكما نتّقي المرض المادّي بتأهل الدّفاعات وتحصين المناعات نتّقي المرض المعنويّ بتأهل الدّفاعات النفسية والمناعات الرّوحية. وكلّ تصوير للعلاقة على نحو آخر هو شعوذة يستثمرها الدّجالون لأكل أموال النّاس بالباطل وصدّا عن سبيل الله. والخرافيون الأسطوريون لهم ممنونون شاكرون

هل للشّيطان على الإنسان سلطان مادّيّ؟

هذا موضوع خلافيّ في الحقيقة. ليس لنا في القرآن الكريم عدا ظاهرا. ولكنّ الذين يريدون الإنتصار لقالات شيوخهم حقّا وباطلا تعصّبا يلوون أعناق تلك النّصوص الظّاهرة ليجعلوا منها نصوصا محكمة مفسّرة. فلا قوله سبحانه (كالذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ) دليل قويّ قاهر على ذلك ولا غيره ممّا يتمحّل به المتمحّلون. ذلك أنّ القرآن نفسه ذكر الأذى المعنويّ. أي الوسوسة في سورة النّاس وغيرها. الصّورتان إذن واردتان وترجيح هذه على تلك هو من هوى النّاس فحسب. ولم نجد لا في السّنة ولا في السّيرة ولا في سيرة الصّحابة ما يفيد ذلك الأذى المادّيّ. إنّما ولع النّاس بذلك من بعد ذلك. أي في القرون التي بدأ فيها التّديّن يضمر وتخترمه البدع. بل إنّ آيات كثيرات تخبرنا أنّه ليس للشّيطان على الإنسان المؤمن سلطان وأنّ كيد الشّيطان كان ضعيفا. وأنّ أبا هريرة نفسه قبض عليه لمّا ظلّ يحاول السّرقة من مال المسلمين ولولا أنّه وعده بعدم المجيء لأحضره إليه عليه السّلام فجرا. وأنّ الفاروق كلّما سلك طريقا سلك الشّيطان غيره. وغير ذلك ممّا جرى مع الرّجال الذين لزموا الوقاية الحقيقية من القرآن والسنّة. ولم يقل أحد بعصمة أحدهم ولكن نقول بعصمتهم بالعقيدة الصّحيحة والعبادة السّليمة والذّكر المتواصل. فكانوا أقوى من الشّيطان الذي يوسوس لهم. ولكن لا سلطان له عليهم أبدانا وأجساما. بل ذهب الطّيش بنا اليوم إلى القول بأنّ الجنّة تنكح الإنسية وتنجب منها الولد وغير ذلك من خرافات وأساطير تجد لها في عقول النّاس فجاجا عميقة بما يلفّقون من قصص حبّ بين جنسين لا يلتقيان تركيبا فكيف يتحابّان؟

تأويلي : كيد شيطان ليس إلاّ

سمعت من هذه الخرافات كثيرا وعاينت بعضها وظللت هيّابا أن أقتحم أسواق العلاج لما عرفت عنه من بدع وشنائع وفظائع وأضطررت في مرّات قليلات إلى ذلك وكان ذلك مع مسلمة ألمانية جديدة. ورأيت بنفسي وسمعت بأذني ما جرى. ولكنّي لست من الذين يغرون بسرعة بخرافات الخرافيين. إذ أعود إلى النّبع الصّافي أوّلا وأستخدم عقلي ثانيا. خلاصة تأويلي لما يتداوله النّاس كلّهم تقريبا ـ عالمهم وجاهلهم إلاّ قليلا ـ أنّ الجنّة تعتدي على الإنسان عدوانا مادّيا بدنيا. والدّليل عندهم أنّهم سمعوها تتكّلم بلسان المريض وغير ذلك. تأويلي هو أنّ ذلك العمل من الشّيطان الذي هو لنا العدوّ الأوّل والأكبر عداوة له فيها عقد مع الله سبحانه لمّا كان في الجنّة مع آدم. وأنّه بسبب تشكّله في صور وأصوات يتكلّم بإسم ذلك المريض بسبب أنّه إحتلّه إحتلالا نفسيا كاملا إذ تمكّن منه كلّ التمكّن. فهو عنده عجيبة ليّنة طيّعة إذ إخترق جهازه المناعيّ الدّفاعيّ الرّوحيّ. وهو يفعل ذلك ليوحي إلى أوليائه من شياطين الإنس ومن الجهلة المعرضين عن كتاب الله سبحانه أنّ الجنّة لها قدرات وتدبيرات وأنّ الخضوع لها قمين بكشف الغمّة وإعادة المفقود وإنجاب الولد وإبطال السّحر والعين والصّرع وغير ذلك. فإذا صدّق النّاس ذلك دعاهم من بعد ذلك إلى الإشراك بالله ولو بمقدار حبّة خردل. ويظلّ يستفزهم (وإستفزز منهم من إستطعت بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) ويبتزّهم وهكذا يستدرجهم حتّى يجتالهم عن دينهم إن قليلا أو كثيرا. دليلي في ذلك أنّ شياطين الجنّ يوحون إلى أوليائهم من شياطين الإنس فهم في حالة تعاون وتنسيق. فمن ذلك أنّهم يعلمون مكان المفقود والمسروق والغائب بسبب سرعتهم وبسبب أنّهم يروننا ولا نراهم. فإذا أوحوا إلى أوليائهم بذلك ظنّ المغفّلون أنّهم يعلمون الغيب. وهم لا يعلمون الغيب. ولكنّ الذي علموه من ذلك المغيب ليس غيبا عليهم. إنّما هو غيب علينا نحن بسبب تكويننا المختلف عنهم. ذلك هو تأويلي الذي أطمئنّ إليه. فلا سلطان للجنّة على الإنسان مادّيا إلاّ وسوسة وأذى معنويا لا جدال فيه. وأنّ ما يخيّل للجهلة أنّه تسلّط لهم على المريض إنّما هو فعل شيطان تشكّل بصوت آخر وأحيانا بصورة أخرى ليخترق الأجهزة المناعية للنّاس ثمّ ليغتالهم ويجتالهم ويبدأ في تحطيم قناعاتهم الدّينية. أمّا الجنّة ـ التي هي أصل الشّيطان ـ فلا قدرة لها على ذلك. لا عقلا بسبب إختلاف التّركيب بيننا وبينهم. ولا وحيا. إلاّ ظاهرا يتمسّك به المشعوذون لتأبيد إحتلالهم لعقول أتباعهم أو الجهلى الذين لم يسعفهم يقينهم. فهم من الذين قال فيهم سبحانه أنّهم آمنوا ولم يكسبوا في إيمانهم خيرا

ذاك هو واقعنا الحزين الكئيب

كنت ممّن يقول أنّ الإهتمام بمثل هذا والأمّة ترزح تحت نير الإستعباد والإسترقاق من كلّ صوب وحدب ومن كلّ ضرب داخليا وخارجيا هو إهتمام فضوليّ طفوليّ. ولكن ما الحلية عندما تستقبل أنت بنفسك لحما ودما في كلّ أسبوع ودون إنقطاع لسنوات طويلات بل لعقود مسلما يشكو تسلّط الجنّة عليه؟ هل تغمض عينيك عن هذا؟ لم يعد لي إلاّ أن أقول ـ وبكلّ الأسف والأسى ـ أنّها مشكلة حقيقة وتحدّ ككلّ تحدّ واقعيّ. لا أحد ينكر هذه الأمراض النّفسية من مثل الصّرع والعين والسّحر وغير ذلك وفيها كلّها بيّنات صحيحة من الوحي. المشكلة هي : كيف نتوقّى من هذا أوّلا وقبل كلّ شيء فإذا وقع الفأس في الرّأس فإنّ المعالجة قاسية ومكلفة وتقع في أيدي الذين يأكلون أموال النّاس بالباطل في الأعمّ الغالب. وممّا جعلني جرئيا هنا كلّ الجرأة والحمد لله وحده أنّي عشت مشهدا قبل زهاء نصف قرن كامل وأنا في مقتبل عمري وفي عبّة إلتزامي الفكريّ بالإسلام رغم ضحالة في العلم وضمور في الفقه ولا فائدة في التّفصيل فيها الآن. ولكن جمع الله لي بفضله وحده سبحانه الرّؤية الفكرية والمعايشة الميدانية التي ظهر فيها كتاب الله سبحانه على ذلك المشهد المشعوذ ظهورا ساحقا ماحقا. وعندما أباشر بعض حالات العلاج ـ وأنا فيها من أشدّ المقتصدين ـ ألجأ إلى هذا النّداء إلى كّل مسلم ومسلمة أن عليك بالوقاية من هذا الأذى. وهي وقاية يسيرة متوفّرة لا تحتاج فيها لأحد أبدا ومهما كان مستواك التّعليميّ وإعتصم بتلك الوقاية جرعات يومية أو دورية منتظمة وقه نفسك ضجيج جدالات فارغة حول شكل أذى الجنّة هل هو مادّي أو معنويّ فحسب فهي سوق البطّالين والفارغين

عندما تتحرّر الأمّة من جنّة الشّيطان تتحرّر من جنّة الإنسان

الأمّة أسيرة قرون سحيقة من الإنحطاط. وعندما أرى بعيني ملايين مملينة منّا أسرى الجنّة وشعوذاتهم فإنّي أقول أنّ تحرّرنا من هذه شرط مشروط لتحّررنا من جنّة الإنسان الغربيّ الذي يحتلّنا أو يسلّط علينا من يحتلّنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى