اراءاهم الاخباررأي رئيسي

أما آن للصدامات التركية الكردية في أروبا أن توصد أبوابها؟

كلّما شقت الشرق صدامات عرقية تداعت لها أصداؤها في أوربا والغرب بعنف وقسوة بأثر من ولاءات جاهلية بسبب العرق أو العنصر أو اللسان أو الدين بما يعمّق التصدعات التي يرزح تحتها صفنا الإسلامي في أروبا ويرسخ الصورة السيئة للإسلام وأمته في صدور الغربيين وغيرهم. والعجب العجاب هو أن كثيرا من مثيري تلك الصدامات التي عادة ما تفرّقها الشرطة بالقوة هم ممن إستوطن أوربا منذ عقود طويلة وكثير منهم يحمل الجنسية الأروبية نفسها. جدّ مثل ذلك في الأسبوع المنصرم في بعض المدن الألمانية ( في شمال نهر الراين مثلا ) على خلفية ما يقع في شمال سوريا بين الدولة التركية وبعض الفصائل الكردية وهو ( سيناريو ) مألوف سيما في هذا المستوى الكردي التركي ومنذ عقود تجاوبا مع إنقسامات الشرق

تحرير المشكلة

هذه المشكلة معضلة عقدية فكرية وبيلة في المستوى الإسلامي وليست عرضا من أعراض العمل الذي يمكن لنا جميعا أن نسيء أداءه وعندما يكون السرطان الفكري عميقا إلى هذه الدرجة ومتغلغلا في الفؤاد الذي يقود المركب الإنساني ويوجه القارب فإنه لا مناص من عمليات جراحية مؤلمة وعاجلة قبل فوات الأوان ذلك أن هذا الداء العضال لا يؤدي بصاحبه فحسب ولكنه يجرّ معه في العادة رحمه ودائرته المحيطة إلى مستنقعات الحمّى الجاهلية التي ما كان الإسلام ليكون شيئا مذكورا لو أنه لم يحررنا منها بل إن تلك الصدامات التي تبيح لها الدول الأروبية ظهورها في الشارع بإسم حرية التعبير تفسد في سويعات ما بناه مصلحون على إمتداد شهور وسنوات بما ترسخ في المخيال الأوربي أن المسلمين الذين تشقهم مثل هذه الصراعات الدموية لأسباب عرقية ليست وراءها فكرة إلا فكرة منحطة دونية لا بدّ أن يكون الدين الذي يعتنقونه هو الذي يغذيهم بذلك ويدفعهم إلى ذلك السلوك غير الحضاري حتى لو كانت الفكرة إنسانية فكيف إذا كانت الفكرة بهيمية من جهة والتعبير عنها بوحشية الدواب من جهة أخرى؟

من أسباب المشكلة

الأسباب كثيرة ومختلفة وتعتمل عند التحقيق العلمي في أعماق التاريخ وأحداق الوعي الذي تشكل على غير تعليمات الإسلام الذي ما تنزل إلا لتجفيف منابع التفكير الجاهلي العصبي الذي يقدم الإنتماءات الصغرى ويؤخر الكبرى ويكبّر من الولاءات التي أورثها الإنسان ولم يصنع منها شيئا ويصغّر من الولاءات التي تجعل منه إنسانا سويّا متحضرا متمدنا قبل كل شيء. من تلك الأسباب الجهل بالإسلام ورسالته وعزائمه ومعاقده العظمى التي بإندثارها يندثر البناء الفكري كله و( شفاء العيّ ـ وهو الجاهل ـ السؤال ) كما قال عليه الصلاة والسلام. عدا أني أرجح أن يكون السبب الأكبر ليس هو الجهل بل الإنجرار وراء العصبيات الجاهلية سواء بإسم أولوية العرق أو العنصر أو اللون أو الأصل أو اللسان وهو الداء الوبيل الذي قلّ من ينجو من سمّه غابرا وحاضرا حتى من المسلمين بله غيرهم. هذا السبب يعكس شخصية غير سوية لم تبن بناء قويا سليما على قواعد الإنسانية والمساواة والعدل والحرية والعلم وغير ذلك مما بثه الوحي الكريم في مصدريه الأوليين. صحيح أن بعض الصحابة أنفسهم تورطوا في ذلك ولكن كان عدد المتورطين منهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة من جهة وأن من تورط منهم فأدب تأدب وتاب ولكننا اليوم حيال ظاهرة إجتماعية ربما هي الأخطر مما يهدد الصف المسلم ويعين عدوه عليه بحماقة لا تضاهى

من أخطر آثار المشكلة

هما خطران يفضي أحدهما إلى الآخر. أما الخطر الأوّل فهو دون ريب تصرم صفنا وإذا تصرم صفنا فإن الثمرة البغيضة ليست سوى تسلل العدو إلينا ولم يعد لنا بعد ذلك أن نطلق على هذا مؤامرة إلاّ بمعنى أننا نحن من تآمر على أهله. هناك حقيقة تاريخية راسخة عنوانها أنه ما تسلل إلينا عدو في التاريخ سواء في حالات ضعف أو قوة إلا من بعد ما غلبنا الإنتماءات الفرعية على الإنتماء الأعظم وقدمنا الولاءات الجزئية على الولاء الأكبر. وهو الذي أسماه القرآن الكريم ( وفيكم سماعون لهم ). أي أن أقلياتنا ـ أو حتى أكثرياتنا في بعض الأحيان ـ يستجيبون للطرق الإعلامي الخارجي وهو ما كان سببا مباشرا في الإحتلالات العسكرية أو الإحتلالات الإقتصادية وغيرها. في مصر مثلا يراد للطائفة المسيحية أن تظهر في مظهر المظلوم ليس عطفا عليهم ولكن لتقويض ما بقي هناك من جدران صد. وفي المغرب العربي مثلا يراد للطائفة الأمازيغية مثل ذلك وفي بعض دول الخليج يراد للطائفة الشيعية مثل ذلك وفي الشام يراد للطائفة الكردية مثل ذلك وهكذا دواليك. كلما إحتضن شعب مسلم ـ يجب أن يكون مسلما بالضرورة حتى تلتئم مركبات العدوان عليه ـ أقلية أو حتى أكثرية أحيانا إلاّ وتحركت أجهزة الإعلام الغربية وكلابها العربية لتستنفر أدوات السياسة من بعد ذلك بغرض تقويض الصف الواحد ونهب الثروة وسلب المقدرات ودك الحصون التي تشكو الذي تشكو

توضيحان لا مناص منهما

التوضيح الأوّل مفاده أن الجمع بين الإنتماءات الصغرى والإنتماء الأكبر هو الأمر المشروع ذلك أن الله هو الذي برأ الناس مختلفين متنوعين متعددين في كل شيء بدء من الدين ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) ونهاية باللسان واللون ( ومن آياته إختلاف ألسنتكم وألوانكم ) ومرورا بالعنصر والعرق ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ومن ذا فإنه إبتلانا بأكبر إبتلاء في الحياة عنوانه : هل ننجح في الجمع بين ولاءاتنا الفرعية وإنتماءاتنا الجزئية ـ وهي عادة ما لا نكون مخيرين فيها بل موروثة ـ وبين ولائنا الأكبر أي الإنتماء الأعظم منا جمعيا تكافلا وتعاونا للإسلام أم نفشل في ذلك الإمتحان فيكون تورم منا أو من بعضنا لهذا الولاء الفرعي لسانا أو لونا أو عرقا أو عنصرا أو مذهبا أو تيارا وفي هذه الحالة فإننا نقاس على جرثومة خطيرة ولجت جسما حيّا فهي مفسدته حتما

التوضيح الثاني مفاده أن الإفتخار بالإنتماءات الفرعية والولاءات الجزئية سواء للون أو لعرق أو للسان أو لعنصر أو لمذهب إنما هو مشروع كذلك إذ هو شعور فطري وسجية غريزية لا نكير عليها. إنما النكير في حالين : الحال الأول عندما يتغول ذلك الولاء الجزئي فيحكم الولاء الأكبر أي الولاء للإسلام ـ ذلك الأمر الذي لا يورث بل يختار أو يرفض فهو مكسب إنساني خالص ـ والحال الأخرى عندما يكون ذلك الإفتخار حاملا لقيم الإزدراء والتهوين لإنتماءات الآخرين المخالفين

شجرة الولاء ذات أغصان ملونة

وما ينبغي علمه يقينا وعقيدة أن سلم الولاءات وشجرة الإنتماءات متعددة الدرج متنوعة المستويات أعلاها الولاء للقيمة الإنسانية إذ الإنسان مساو للإنسان مساواة تامة في المصدرية الخلقية الأولى ومساو له في الرسالة إذ كلنا مدعوون لعبادة الله وحده ولكن حررنا فخيرنا بين العبادة وبين الكفر ومؤجلين في ذلك إلى يوم البعث جزاء وفاقا وكلنا نلقى المصير الواحد أي الموت والدفن والغياب. الدرجة الثانية من سلم الولاءات هو سلم الحرية إذ أننا كلنا محررون من لدن الباري تحريرا تاما فبأي حق يستعبد بعضنا بعضا؟ ثم تأتي الدرجة الثالثة من ذلك السلم وهي الدين لمن شاء أن يتدين وهذا هو معقد سلم الولاءات وشجرة الإنتماءات وبعد ذلك لكل واحد منا أن ينتمي لما شاء ويوالي ما شاء كلما كان ولاؤه الأعظم للإسلام أو للحرية أو للإنسانية

وجودنا الأوربي لا يحتمل مثل هذا

هذه الجاهلية العرقية لا تحتمل في الحقيقة في كل زمان وفي كل مكان ولكن عندما نكون أقلية دينية في أروبا فإن المصيبة تجمع المصابين كما تقول العرب أي أن الحرص على وحدة صفنا حتى وهو متنوع متعدد أولوية عظمى وقصوى ما يضحى بها مطلقا إذ أن قوتنا تتغذى من وحدة صفنا ونحن رسل الإسلام هنا وسفراء القيم الإنسانية العظمى مطلوب منا تعليمها الناس من حولنا إذ الأقلية مظنة ضعف فإذا تصدقت من تلقاء نفسها سخاء أحمق على خصومها بصفها تنهشه الولاءات الفرعية والإنتماءات الجزئية فيا خيبة المسعى وأنى لغيرنا أن يحجم عن حربنا ويتخلف عن إهانتنا؟

من معالجات هذه المشكلة

المعالجات تضيق عنها مقالة أو حتى سفر ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر إعادة تركيب العقل الإسلامي على قاعدة قرآنية إسلامية عنوانها أن التعدد إرادة إلهية بها إبتلينا وليست هي من كسبنا أصلا بل هي موروثة والعاقل الحصيف لا يفتخر بشيء ورثه إلا إفتخارا خفيفا لا يهوّن من الآخرين ولا يعدو على الولاء الذي إختاره هو لنفسه كسبا أي الدين إن كان على دين. المعالجة الأولى فكرية ثقافية قطعا مقطوعا. المعالجة الآخرى نفسية مقصود منها حمل النفس الأمارة بالسوء على التأطر ضمن الجماعة الإسلامة والولاء لها إنتماء لا يخدش وهو عمل إرادي يحتاج مجاهدة وجهادا ومقاومة لأن أسباب الطيش والحمق من حولنا كثيرة لا تحصى وليس الإنسان قطيعا يساق أين يراد له بل هو كائن مكرم مستأمن محرر عاقل هو من يحدد طريقه ويرسم إتجاهه. المعالجة الثالثة هي مخالطة الناس للتعارف عليهم من خلال تعلم ألسنتهم وتبادل النكاح والعلاقات التجارية وتوطيد عرى الصداقة والزمالة والجوار والتراحم من بعد التناكح ومع الأيام تنشأ علاقات جديدة تهوّن من شأن تلك الإختلافات كما كان الحال بيننا وبين اليهود مثلا في تونس إذ لم نكن نشعر بإختلاف أصلا بسبب لحمة التعايش والتعاون وهو الآن بيننا وبين بعض الأعراق غير العربية من مثل البربر وإن كان الأصل البربري يجمعنا كلنا تقريبا في تونس والمغرب العربي والأمر نفسه بيننا وبين المذهب الإباضي وخاصة في جزيرة جربة وهو أمر عشته بنفسي وحييته ولم أشعر ولو مرة واحدة أن أخي الفلاني هو إباضي المذهب وليس مثلي مالكي المذهب. تلك نماذج من المعالجات التي تؤتي أكلها مع الأيام والألمان يقولون في أمثلتهم الشعبية : من يريد يستطيع

إذا تخلفنا عن قيم الإسلام أفلا نكون أروبيين؟

الأصل أن المؤمن يتخلق بخلق الإسلام وخاصة في مثل هذه الأفكار المتصلة بالعقيدة إتصالا وثيقا بل هي العقيدة نفسها والإيمان ذاته إذ الإيمان حقيقة قيمية قبل أن يكون أركانا يتعلمها الأطفال الصغار الذين لا يدركون بعد القيم. فإذا خاننا ذلك أفلا نتصدق على أنفسنا بأن نتخلق بالخلق الأوربي الذي حسم أمره بعد الحرب الدينية الدامية التي جمعتهم على العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان إذ هم اليوم الصورة الأصفى للإنسانية جمعاء قاطبة : مركبون من آلاف الأعراق والأصول والألوان والدين والألسنة وكانت بينهم حروب عاصفة ولكن اليوم تعلموا الدرس وعلموا علم اليقين أن معالجة إنتماءاتهم الفرعية وولاءاتهم الجزئية لا تكون على حساب الوحدة الوطنية وقيم الدستور وعلوية البلاد الأوربية؟

هل فشل الإسلام في علاجه إيانا أم فشلنا نحن في التجاوب معه؟

هذا سؤال مهم جدا يتجاوز هذه القالة عنوانه أن الشرقيين من عرب وكرد وترك وغيرهم فشلوا فشلا ذريعا ومنذ العقود الأولى أو القرون الأولى في توحيد الصف الإسلامي على أساس أولوية العقيدة بلا خدش من الولاءات العرقية وبذلك تحطمت العروة الأولى من عرى الإسلام أي عروة الحكم كما سماها عليه السلام في حديثه الذي نعبث بتسميته نبوءة وما هو عدا نذارة ما فقهنا شرها ومذ ذلك التحطم ظلت أمم الشرق المسلمة متفرقة ممزقة متشظية لا يكاد يجتمع لها صف بسبب إفتخارها الجاهلي بأعراقها وأصولها. المستشرقون يهتبلون هذا ـ وهم محقون من الزاوية التاريخية ـ للبرهنة على أن الإسلام هو الذي فشل في توحيد الصف الإسلامي وينجر إليهم ضعاف التفكير وأصحاب التحليل السمج عن جهل أو سوء أدب ولكن الحقيقة هي أن الإسلام أفلح في العقود الأولى فلاحا منقطع النظير وغير مسبوق ولا ملحوق إذ جعل من العرب الذين إفترستهم الأنانية المتكبرة والأنوف الشامخة زهوا وغرورا أمة واحدة في غضون سنوات معدودات وهو عمل لا أعرف في التاريخ مثله عظمة فعلا وليس لأني مسلم فحسب. فما فشل الإسلام في توحيد الصف حتى وهو يقر تنوعه ولكن فشلت الدولة الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية وغيرها شرقا وغربا في النسج على المنوال الإسلامي الأول في ذلك النجاح الباهر فتمزقت الأمة وظلت ممزقة الأوصال حتى اليوم وحتى إشعار آخر ما أظنه قريبا. ومن ذا فإن العبد الفقير إلى ربه وحده يقول دوما ويكتب : فريضة العصر هي توحيد صف هذه الأمة إقرارا بتنوعها وليس إلغاء له فمن تنكب ذلك فلن تغنيه سجداته ولا تسبيحاته

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق