اراءرأي رئيسي

أكثر من نصف المساجين في ألمانيا مسلمون

أوردت جريدة ( دي فالت ) الألمانية يوم الرابع من شهر فبراير المنصرم من هذا العام 2019 أن نسبة المساجين الأجانب في السجون الألمانية شهدت إرتفاعا مهولا إذ زادت عن النصف في العام المنصرم2018 وأوردت أن أكثر المساجين الأجانب هم بهذا الترتيب : بولونيا أوّلا ثم تونس ثانيا ثم ليبيا ثالثا ثم تشيشينيا رابعا ثم جورجيا خامسا. ففي مقاطعة( هامبروغ ) يكون عدد المساجين الأجانب أزيد من ستين بالمائة وفي مقاطعة برلين ( العاصمة ) إرتفع عددهم إلى أزيد من خمسين بالمائة وفي مقاطعة (بايرن ) 45 بالمائة. أما في المقاطعة الألمانية الأكثر أهلية ديمغرافية ألمانيا وأجنبيا معا أي مقاطعة شمال نهر الراين فإن النسبة 36 بالمائة كما تذكر الجريدة بناء على إحصائيات مستقاة من مصلحة السجون أن أكثر هؤلاء المساجين المسلمين ( تونس وليبيا وغيرهما ) سجنوا بسبب حوادث عنف ولا يفوت المحرّر قوله بنكهة ( إسلاموفوبية ) واضحة أن الريح الإسلامية تلوّن الخلفية الفكرية لهؤلاء دون أن يحدّد إن كانوا مسجونين لخلفيات إرهابية واضحة وهو أمر لا يمكن له إدعاؤه ولذلك لغا فيه .معلوم أن عدد المسلمين في ألمانيا في حدود ستة ملايين أزيد من ثلثيهم أتراك فيما يتوزع العرب بحسب الترتيب الجديد ليبوّأ السوريون المرتبة الأولى ثم المغاربة ( المغرب الأقصى ) وأن ذلك الوجود المسلم يحتل له مربعه منذ عام 1937 في إثر الحرب العالمية الأولى إذ إستوردت ألمانيا العمالة التركية جزاء لها على تحالفها معها في تلك الحرب ضد الحلفاء وهو العام الذي شهد بناء أول مصلى في ألمانيا في الشمال الشرقي لألمانيا كما هو معلوم أن الأمن الألماني يظل دوما محل عتاب ولوم بسبب أن كارثة ( نيويورك 2001) إنطلق أحد أكبر قيادييها منها ( من هامبورغ تحديدا ) ومنذ ذلك الوقت تغيرت أشياء كثيرة في التعامل الأمني مع مسلمي ألمانيا ضمن محرقة الإسلاموفوبيا وصعود اليمين النازي المتطرف في أكثر الدول الأوربية إذ وصل الأمر إلى إغتيال ( مروة الشربيني) في الفاتح من شهر يوليو ( جويلية ) من عام2009 بثماني عشرة طعنة من خنجر ألماني نازي متطرف في مدينة ( درسدن ) وهي حبلى في شهرها الثالث بسبب إختمارها

لنتواضع أوّلا أن الأمر جلل

لا أظن أن هذا يثير خلافا من حيث أنه واقع وحقيقة إذ أن وجود عشرات الآلاف من المساجين في ألمانيا من المسلمين الشباب ( ولاية شمال نهر الراين مثلا 5683 سجينا مسلما ) أمر لا بد أن يربك الحسابات التأطيرية والتربوية والتعليمية لمؤسساتنا بل إنه يربك المؤسسة التي قدسها الإسلام تقديسا عجيبا أي الأسرة ولا يشفع لها عندئذ تعليق الهزيمة على مشاجب العولمة ورياحها العاتية سيما أن السجون في الدنيا كلها مؤسسات عقابية صرفة بل تدميرية قحة حتى لو تمحل بعضنا لتسميتها إصلاحيات وأن الشاب المتخرج من السجن سيما إذا كان يحمل قبل ذلك تهمة الإنتماء الإسلامي ستوصد في وجهه قطعا أبواب كثيرة منها العمل والتكوين والإندماج إذ أن التوبة من الإنسان على الإنسان عملة أندر من الندرة سيما في حضارة إختار لها أحد منظريها ـ هنتنغتون ـ ( صراع الحضارات ) وأختار لها الآخر وهو فوكوياما ( نهاية التاريخ ). في هذه المناخات لن يكون السجن إلا مؤسسة تدميرية تذكي منابع العنف وتدغدغ منابت الإرهاب من جديد وفاقد الشيء لا يعطيه كما قالت الحكمة العربية. المطلوب منا نحن أبناء الوجود المسلم في ألمانيا حيال هذا الأمر الجلل هو أن نجمع بين إستقراء صحيح للأسباب المباشرة والبعيدة ونمنح أنفسنا صياغة معالجات واقعية تراعي الموضوعية فلا تسقط في جلد الذات من جانب ولا تبرئ محرقة الإسلاموفوبيا من جانب آخر والأمر مشتبك متداخل متعدد الأبعاد إذ هو حريق ناشب دعنا نعمل على إطفائه وليس على إلقاء اللائمات يمينا وشمالا

قراءة في الأسباب

محيطان يتكافلان ضد الشاب المسلم : بيئات صديقة وأخرى محذورة

الإنسان كائن يولد حرا قابلا لكل شيء بسبب تساوي مكوناته بين الخير والشر ( فألهمها فجورها وتقواها). ومن ذا فإن البيئات التي تحتضنه وخاصة في سنيه الأوّل هي التي تلغو بلونها فيه لغوا وتفرض ضربا ثخينا منه وأولى تلك البيئات المحددة بشكل كبير هي بيئة الأسرة والأم بصفة خاصة عدا أن الأسرة ضمر دورها بصورة عظمى إذ غزتها الوافدات من كل صوب وحدب تخترق جدرها ومخادعها وبذا فوت في بعض الأدوار التربوية للروضة والمدرسة والمسجد ومختلف العلاقات المجاورة وبكلمة فإن الصناعة التربوية تعولمت بالكامل وهو أمر لم تعشه الأرض من قبل قط. هذا المحيط الداخلي توقف عن صناعة التربية الإسلامية الصحيحة والمطلوبة كمّا وكيفا منذ زمن بعيد بسبب الإنحطاط أو الغزو الداخلي قبل الخارجي وبسبب تقديس الأسلاف وإشاعة قالات القعود والسلبية من مثل أنه ليس في الإمكان أحسن مما كان وأن الأولين لم يتركوا للآخرين شيئا وبذا يمكن القول بشيء كبير من الإطمئنان أن مؤسسة الأسرة أصحبت شبه محايدة حيال الصناعة التربوية إذ فاقد الشيء لا يعطيه بل ربما تطعّم الولد بجرعات تساعد على الحقد والكراهية من مثل ما نتداوله على الألسنة دون وعي ( الكفر ملة واحدة ) والسخاء باللعن على هؤلاء وأولئك من المخالفين في المذهب والفكرة والحزب والتيار قبل المخالف في الدين وهل يسلم بيت واحد تقريبا من بيوتنا من مثل هذه العاهات الفكرية التي تنفذ إلى كيان الولد فتصنعه صنعا؟ ومن الجانب الآخر فإن الولد الذي يفتح عينيه على محيط محذور يظل دوما في حالة فزع وهلع وجزع يدفعه إلى الإكتشاف وحب الإطلاع. ينشّأ الولد في الأسرة ومختلف البيئات المحيطة الصديقة والقريبة على أن الشر كله مدسوس في الوجود الألماني ويحشى بالتخويف على الإسلام فإذا برز إلى محيطه الجديد ألفى خوفا من الإسلام وبذلك يظل بين خوفين مشدودا : خوف على الإسلام يلقح به من الأسرة والمحيطات القريبة وخوف من الإسلام يلفاه في المحيطات التي إنفتح عنها طالب علم أو عامل أو مشترك هنا أو هناك. فإذا شبّ وإطلع على المناخ الإقليمي والدولي أدرك أن الدين هو قلب المعركة الحامية وأن إختلاف الإنتماء مثار الإشتباك وألفى خطيبا يهيجه بأن الإسلام دوما وفي كل زمان ومكان وبإطلاق عجيب يئن تحت تلك الحرب الظالمة وأن كل من في الأرض ومن تحتها وفوقها تحارب الإسلام ويلفى أصداء لذلك في الواقع وتعركه الحياة ليكون من الدرجة الثانية في إمكانات العمل والتكوين وتحبب إليه الخلوة بنفسه ثم العزلة وعادة ما يثمر ذلك جنوحا نحو إستخدام القوة وأنى له أن يلفى في وعيه من الإسلام ما يحجزه عن ذلك؟ لا الأسرة تطعمه بذلك ولا الخطيب ولا كثير مما يقرأه في الكتب ويسمعه في الأشرطة. والنتيجة أن المحيطين : القريب والمنفتح عنه يتكافلان عليه ويشحنانه بطرق مختلفة وبأغراض متباعدة فيقع فريسة العبثية والمعالجات الخاطئة بمثل ما يقع الفأر المذعور الذي تطارده الفخاخ فيغرى بإحداها فيقع فيها

نحو معالجة موضوعية هادئة

مما أنف يمكن أن نستنبط بجلاء أن الإشكالية في أسّها هي الإنتمائية المزدوجة : كيف يطعم بها الولد وكيف ينشأ عليها؟ الذي لا نعذر فيه هو أن الإنتمائية المزدوجة ليست بدعا فينا بل هي مثال سابق خضع له الوجود المسلم في الحبشة بترتيب وتخطيط من النبي محمد عليه الصلاة والسلام نفسه حتى إن جعفرا ( الناطق الرسمي بإسم ذلك الوجود المسلم في دولة مسيحية بالكامل ) وبعضا ممن معه آثروا البقاء في ( دولة الكفر ) حتى بعد إن فتح الله لنبيه ومن معه المدينة بلادا جديدة فيها الحرية وسعة الحياة. أي أنهم أحسنوا إدارة مشكلات الإنتمائية المزدوجة على وجه تبين لهم فيه أن مصالحها أكثر من مفاسدها وبذلك آثروا العمل هناك. يذكر التاريخ الصحيح أن ذلك الوجود المسلم شارك في العملية السياسية على خلفية خلاف سياسي مدمر بين النجاشي وبين منازع له في الحكم وبعد حوارات وتقديرات سياسية إنحاز الصحابة إلى النجاشي ضد مناوئه وكلاهما مسيحي( كافر ) ولكن المعيار هنا ليس الإيمان كما نفهم نحن اليوم بل المعيار هو المصلحة والعدل وأنى لنا أن نفقه أن الإسلام يحمل معايير كثيرة متنوعة لا يحسن العمل حتى يوضع كل معيار في حقله المناسب فإن وضع في غير حقله المناسب كانت مفسدة والمفسدة الحمقاء هي أنها مفسدة بإسم الدين؟

أول فقرات المعالجة : إعادة بناء الصناعة التربوية على أساس الإنتمائية المزدوجة

الإنتمائية المزدوجة تعني بإختصار شديد وببساطة أشد أن يعاد فهم الإسلام على أساس أنه منطقة مغلقة وأخرى مفتوحة وأن المغلق منه هو المتشدد فيه فلا يقبل عدا معيارا واحدا لا ثاني هو معيار الكفر والإيمان والحق والباطل والهدى والضلال وهو مساحة صدرية داخلية باطنية ليست لها مظاهر خارجية يمكن أن تثير الآخر بل على الضد من ذلك هي مساحة صدرية تدعو صاحبها عندما يحملها بجدارة وحق إلى الحوار والجدال بالتي هي أحسن على أسس عقلية منطقية صارمة من مثل ( أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة). أما المنطقة المفتوحة فهي مبنية على أسس العدل والمصلحة والرحمة والتشارك وبذلك لا تجد فيها تضييقات وتشديدات وتفصيلات تشريعية عدا كليات التشاور والتراضي والقسط والتعارف وعندما يفهم الإسلام على هذا الوجه وينفذ مثل ذلك فإن الإنتمائية المزدوجة لا تلفى أمامها أي مشكلة من لدن المسلم وعندما يتعرض المسلم لمشكلات فإنه يمتصها سواء بمساحته الصدرية التي تدله على أن صاحب المشكلة لو عرف الله سبحانه لآمن به وببساطة شديدة جدا ومن هنا فإن مهتمه هي بناء علاقة إنسانية معه حتى يعرفه على الله فيكون له طبيبا معالجا وليس شرطيا يبحث عن مخالفة أو قاض يبحث عن فصل قانوني فإن لم يقدر على إمتصاصها بصدره ففي الشريعة منها أبواب للطوارئ مجعولة لتجاوز مناطق الإضطرار وتلبية الحاجات. الصناعة التربوية أعسر صناعة على الإطلاق لأنها تتعامل مع الشيء المتقلب الذي لا يقر له قرار أي النفس البشرية وبذلك لا بد لتلك الصناعة أن تكون متعددة الأبعاد مزدوجة الجرعات فتكون هنا متشددة على نفسها دون إلغاء الحوار وقبول الآخر والإعتراف به وتكون هناك مرنة ذلك أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وبالأمل يقع إمتصاص كل تلك الكدمات والصبر عليها قطار لا يحركه عدا الأمل إذ الأمل والصبر وجهان لعملة قيمية واحدة. مخ الإنتمائية المزدوجة المطلوب تعليمه هو أن الإسلام دين لا يختزله وطن ولا أرض ولا عنصر ولا لون ولا لسان ولا مذهب ولا تيار ولا أصل ولا عرق إذ ليس مطلوبا من المسلم الألماني القح كابرا عن كابرا أن يغير إسمه ( الجاهلي ) إلى إسم ( إسلامي ) ولا وطنه ( دار كفر ) إلى وطن إسلامي حيث تطبق الشريعة ومثله المواطن المسلم الملتحق بذلك الوطن بأي طريقة كانت. الإسلام بسبب ذينك المساحتين المشار إليهما أعلاه يتأقلم مع كل أرض وكل حال وكل عرف وزمان ومكان بسبب المنطقة المغلقة التي تشده كما تشد الشجرة الطيبة بجذرها الضارب رسوخا في الأرض وبسبب المنطقة المفتوحة التي نلتقي فيها على كل القيم الكونية والإنسانية التي إهتدى إليها العقل المتدابر مع الدين والوحي ( الحرية والكرامة والعدالة والتعارف وغير ذلك مما يشنف اليوم الآذان ) وبسبب مخارج الطوارئ التي وضعها التشريع نفسه وهي التي سماها ضرورات أو حاجات

ثاني فقرات المعالجة : غرس البعد الجماعي

ضمر فينا هذا البعد الأعظم في الإسلام منذ الأيام الأولى إذ لم يمر على موت صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام إلا عقود ثلاثة حتى حن العرب إلى الأنفة والخروج على القبيلة في حركة ( الشنفرى )سابقا وآثروا اللواذ من لدن كل واحد منهم بما لديه من نخوة وظل ذلك الضمور يفعل فعله حتى أطره أبو الفقه السياسي إبن خلدون في قوله أن العرب لا يخضعون إلا لعصبية دينية ولكن لات مناص.المعالجة المنظورة هي أن يعلم الإسلام ببعده الإنساني العالمي أوّلا فيستوعب الناشئ أنه دين البشرية جمعاء قاطبة وأننا نحن لسنا سوى أمة إجابة وأن أمة الدعوة يتسلل الناس منها واحدا بعد الآخر في حركة إعتناق تغذ السير غذا ولكن لا نشعر بها لأن الإعلام يهملها. هي معالجة تصنع الناشئة على أساس أن الإسلام دين إما أن تحتضنه مجموعة فتتكافل عليه إقامة للعدل وبناء للبنات التعارف وإما فإن أولئك الذين إدعوا إعتناقه ولو وراثة مثل حالنا لا حظ لهم منه عدا حظ المنطقة المغلقة المتشددة وهي رحمة الرحمان سبحانه حتى لا يحرم الناس من الجنة بعد الموت ولكن تفوتهم فراديسها ويظلون في درجاتها السفلى. البعد التكافلي الجماعي التضامني فينا ضامر بل ميت وأقولها دون أي مواربة وبإطمئنان كبير وخاصة إذا تعلق الأمر بالآخر المخالف أو بالشأن العام وخاصة السياسي منه. وما دمنا نحتضن إشكالية سنة وشيعة ومذهب كذا ومذهب فلان وتيار كذا والتيار الآخر وصوفية وسلفية وأشاعرة ومعتزلة ونعالج تلك الإشكاليات بروح الإقصاء والتنافي فإن علاقتنا بما يطلبه الإسلام منا أي إنغراس البعد التكافلي التضامني فينا علاقة تظل فاترة بائرة لا يحمل معها الإيمان خيرا كما ورد في قوله سبحانه ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا). في الكتاب العزيز

والله أعلم

الهادي بريك ـ إمام خطيب بمسجد خالد إبن الوليد بوخوم ألمانيا

عضو مؤسس بالتجمع الأروبي للأئمة والخطباء

عضو مؤسس بهيئة العلماء والدعاة بالمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق