أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

أقبل ربيعك فاحتفل

( ربيع ذي الحجّة المحرّم )

للمؤمن ربيعان : الرّبيع الأوّل هو العشر الأواخر من رمضان المعظّم. عيد ذلك الرّبيع الأوّل هو ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. الرّبيع الثاني هو العشر الأوّل من شهر ذي الحجّة الحرام. عيد هذا الرّبيع الثاني هو يوم عرفة أي التاسع منه. ولفضله الأعظم بشّر عليه السلام الناس بأنّ من صامه غفر له ذنب عام مضى وذنب عام أتى. لا أعلم زمنا في الحياة أفضل من ذينك الزمنين عدا ما يغشانا بأكثر من ذلك من مثل ساعة السّحر التي تغشانا كلّ فجر والتي يكون الإستغفار فيها خير العمل لقوله سبحانه مرّتين فحسب عزّة ( وبالأسحار هم يستغفرون ) و ( المستغفرين بالأسحار). وقرآن الفجر من بعد ذلك بقليل ( وقرآن الفجر. إنّ قرآن الفجر كان مشهودا). قرآن الفجر هو صلاة الفجر أي المفروضة المكتوبة وليس المنفولة. والصلاة بصفة عامة والصلاة الوسطى والبردين وصلاة اللّيل. وكذا ساعة الإجابة ليوم الجمعة. وأنّ السيئات وليس الكبائر سيما ما تعلّق منها بحقوق الإنسان مغفورة بين تلك العبادات المنتظمة. أي من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن العمرة إلى العمرة. وأنّ بعض الأعمال جابّة لما قبلها كائنا ما كان الذي قبلها. منها الإسلام من بعد كفر. والتوبة النصوح من بعد معصية. والحجّ والهجرة. وأنّ بعض الأعمال يتعاظم أجرها أضعافا مضاعفة لا تقارن بالسّعر العاديّ اليوميّ. منها الإنفاق والصبر والصيام والجهاد والخلق الحسن والحلم وكظم الغيظ. تلك هي الشريعة. متفاوتة المستويات حتى يلحق التالي بالسابق ويتوب العاصي ويفيء الغالي ويجد كلّ مؤمن ومؤمنة مجالا وفرصة لفعل الخير فينجو من العذاب ويفوز بالجنة

الحديث الخاصّ بهذا الرّبيع

أخرج البخاري عن إبن عبّاس أنه عليه السلام قال ( ما من أيّام العمل الصّالح أحبّ فيها إلى الله من هذه الأيام) وكان يحدّثهم عن الأيام العشرة الأولى لذي الحجّة. فقال الصّحابة الكرام إذ فوجئوا بما لم يألفوه ( حتى الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟) فقال عليه السلام مؤكدا ( حتى الجهاد في سبيل الله. إلاّ رجلا خرج من بيته بنفسه وماله فلم يعد بذلكم من شيء). أي أنّه إستثنى حالة واحدة يندر جدّا حصولها. وهي خروج المؤمن أو المؤمنة من بيته آمنا سالما معافى بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله سبحانه فيموت هو شهيدا ويذهب ماله معه كذلك في سبيل الله. فلا يعود إلى البيت لا هو ولا ماله. حالة قالها عليه السلام لإعلاء قربى الجهاد والمقاومة تحريرا للإنسان والأوطان وإلاّ فإنّ حدوثها بهذا الشكل أندر من الندرة نفسها. الحديث صحيح وهو في الدرجة الثانية بحسب السلّم الذي وضعه المحدّثون وعلى رأسهم العلامة إبن الصلاح في مقدمته الأشهر في هذا العلم

سؤال الكيّس الفطن هو : لم؟ وما هو العمل الصالح؟

المؤمن الواعي الخالص عمليّ أو لا يكون. لذا يسأل مباشرة : لم كان ذلك كذلك أوّلا. ويسأل بعد ذلك : وما هو العمل الصالح الذي فضّل في هذا الرّبيع حتى على الجهاد؟ أمّا لم كان ذلك كذلك فما كان سوى لأنّ ذي الحجّة شهر حرام. أي تغمد فيه الألسنة والأسياف وكلّ الآلات والأدوات المادية والمعنوية التي تؤذي الناس. وليس يعني ذلك أنّ ذلك مباح في غير الأشهر الحرم. أو أنّها أقلّ ذنبا أو جريمة. كلاّ. إنّما يعني ذلك أنّ وزرها هنا مضاعف. ولذلك قال سبحانه فيها ( فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم) أي في الأشهر الحرم الأربعة المعروفة. فإذا كان باب الجهاد في هذه الأشهر الحرم موصدا إلاّ ردّا لعدوان كما قال سبحانه في سورة البقرة ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) فإنّ المؤمن يتفرّغ لعمل صالح آخر غير الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام كما قال عليه السلام في حديث آخر. فرغنا إذن من السؤال الأوّل أي لم كان ذلك كذلك. خلاصة الجواب هو أنّ الله سبحانه أراد إستقطاع ثلاثة شهور كاملات تغمد فيها الأسلحة بكلّ أنواعها ماديا ومعنويا وحقيقة وتهديدا بين الناس لأجل تأمين رحلة الحجّ التي كانت تستغرق في تلك الأيام أسابيع بل شهورا. كان ذلك إكراما لعبادة الحجّ التي فيها يلتقى الناس فيتعارفون ويتحادثون ويأتمرون وفي الآن نفسه يطوفون بالبيت العتيق في إثر رمز التوحيد الأوّل إبراهيم عليه السلام. كان ذلك تحريرا للإنسان حتى يعتنق الدين الذي يريد بدون أيّ إكراه ويتعبّد بدون أي إكراه أو خوف. ومن ذا إستقطع ربع الزمان كلّه أي ثلاثة شهور متتابعات لتحقيق الأمن والسلام للناس. السؤال الثاني هو : ما هو العمل الصالح الذي يكون بديلا عن الجهاد الموصدة أبوابه في هذا الزمن المستقطع إلاّ ردّا لعدوان؟ هنا تركها عليه السلام مفتوحة مرسلة واسعة. ولكن كثيرا من الناس ضيّقوا ذلك ليكون العمل الصالح في نظرهم هو ما يعود على النفس بالحسنى فحسب. وهذا لا خلاف عليه. ولكنّ المختلف فيه هو أن يتعدى ذلك العمل الصالح للناس؟ من يدرس الإسلام وشريعته بأفق أوسع يلفى بيسر أنّ العمل الصالح المقصود هنا في هذا الزمن المستقطع للأمن والسلام لا يحدّه حدّ إلا حدّ واحد هو الجهاد إلاّ ردّا لعدوان. كلّ ما عداه عمل صالح لا يضيق عنه العمل الصالح. ومن ذا يختلف الناس : فالعمل الصالح عند الحاجّ والمعتمر في هذا الوقت المستقطع لتحقيق الأمن غير العمل الصالح الذي يقبل عليه غير الحاجّ والمعتمر. العمل الصالح للحاجّ والمعتمر هو إحسان عبادة الحجّ إحراما وطوافا وتلبية وسعيا وشعائر ومشاعر ونحرا وغير ذلك. ومنه التعارف. ذلك الواجب العظيم الذي تخلّفنا عنه نحن اليوم ولا أدري لم؟ ومن العمل الصالح للحاجّ الذي عدّه القرآن الكريم كبيرا الذكر الذي خصّص له أياما سمّاها معدودات أي قليلات. وهي أيّام منى الثلاثة المعروفة شكرانا لله سبحانه أنه أعان الناس على مناسكهم. العمل الصالح لغير الحاجّ هو مثل ذلك أي صلاة وذكرا وإنفاقا وصوما للتاسع من ذي الحجة. أي يوم العرفة في الحدّ الأدنى ومن قدر على أكثر من ذلك من تلك الأيام التي تكون كلّها أيام ذلك الرّبيع الأزهر فبها ونعمت. إذ أنّ من يصوم لله يوما واحد باعد الله بينه وبين الناس سبعين خريفا. العمل الصالح سيما لغير الحاجّ لا يحصر لأنه غير محرم وغير مقيّد بشعيرة محدّدة فهو متحلّل بالتعبير الفقهي في فقه الحجّ. ومن ثمّ فهو مطالب بفعل الخير كلّه غير قاصر نفسه على الخير الذي لا يعود بالحسنى إلاّ عليه هو. أي العبادات العينية الفردية الخاصّة. ولست أهوّن منها حاشا لله. ولكن ما وقر فيّ وأعتقده إعتقادا هو أنّ العمل الصالح في المستوى الفرديّ ليس مطلوبا لنفسه ولا مقصودا لعينه. إنّما يقصد منه غيره. فما هو غيره؟ غيره المقصود هو تزكية النفس لتكون أكثر تأهّلا لفعل الخير للناس قدر الإمكان. هذا يعلّم القرآن الكريم. وذاك ينفق في سبيل الله. والآخر يعين الأخرق والمحتاج. والرّابع يؤمّن خائفا ويطعم جائعا ويسقي ظامئا ويكسو عاريا ويهدي ضالاّ. وغيرهم يتقن عمله اليوميّ. وغير أولئك يبني الوعي ويشيّد الفهم ويساهم في نوائب الخير ويقرئ الضيف وغيرهم يقاوم سياسيا وحزبيا لإحلال أكبر مقصود لله. أي فريضة العدل والقسط والحكم بين الناس بالحقّ. وغير أولئك يبني أسرة ويربّي ولدا ويقول خيرا ويشهد بالحسنى. وهكذا لا تحصى ولا تعدّ ولا تنحصر مفردات العمل الصالح لغير الحاجّ. ذاك هو فهمي لقوله عليه السلام أنّ العمل الصالح في أيام هذا الرّبيع الأخير ولياليه أي العشر الأوّل من ذي الحجة الحرام هو خير قربى إلى الله سبحانه. وأنه أفضل من الجهاد الذي أوصدت أبوابه في هذه الأشهر الحرم لأجل تأمين عبادة الحج وما تأتي به من منافع ومصالح للأمة وللبشرية. أمّا حصرها سيما لغير الحاجّ على الحالة الفردية تشبّها بالحاجّ فليس ذلك ديني. إذ أنه بالتعبير الأصوليّ تخصيص لعامّ بلا دليل وتقييد للمطلق بلا دليل. وبالتعبير الأدبيّ الجميل هو تحكّم مقرف لا وجوب له ولا معنى

من الأدلة على أنّ العمل الصالح أشمل مما نتوهّم

المؤمن الذي يحترم نفسه يعود إلى مصدري الوحي الأوليين. أي القرآن والسنة ليعلم حقيقة أيّ شيء يختلف فيه الناس. ألم نؤمر بذلك؟ بلى. وذلك في قوله سبحانه في الآية الدستورية العظمى إذ قال سبحانه ( فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلا). عندما نختلف في العمل الصالح الذي يتقرّب به المؤمن إلى ربه سبحانه ـ سيما من غير الحاجّ ـ في أيام هذا الرّبيع ولياليه فإنّ المرجع هو القرآن الكريم. القرآن الكريم يعدّ ما يلي عملا صالحا فاستمع إليه من سورة التوبة ( ذلك بأنّه لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفّار ولا ينالون من عدوّ نيلا إلاّ كتب لهم بــــــــــــه عمل صالح. إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلاّ كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). قال ذلك تعقيبا على بعض أحداث واقعة تبوك الرومية وذلك بعد أن قال في أوّل الآية ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه). معنى ذلك هو أنّ كلّ عمل في سبيل الله سبحانه أي خالصا يصاب فيه المؤمن بأيّ أذى ولو كانت شوكة يشاكها في إخمص قدميه هو عمل صالح. وأنّ كل موضع ـ أي موطئ ـ أو موطن يلجه بلسانه أو بقلمه أو بحركته أو بفنّه أو بأي شيء منه وهو يحرج الكفّار سيما المحاربين منهم بأيّ ضرب من ضروب الحرب هو عمل صالح. وأنّ أيّ عمل ينال من العدوّ نيلا سواء بكلمة أو كتاب أو عمل فنّي أو تظاهرة أو حركة سياسية أو إنسانية أو مقاومة ثقافية أو غير ذلك ممّا لا يحصى هو عمل صالح. وحدة صفّنا اليوم تنال من العدوّ ألف نيل ونيل. تقدمنا اليوم في العلوم والمعارف مثل ذلك. إستعادتنا لحريتنا السليبة التي بها هي نستعيد الأرض والعرض مثل ذلك. ألم ينل رجل مثل الشهيد جمال خاشقجي عليه الرحمة من العدوّ أيّما نيل ولم يكن ينال منه سوى بقلمه ولسانه حتى أقضّ ذلك مضجعه فاغتاله؟ ومثله مئات وآلاف. وأنّ أيّ نفقة حتى لو كانت صغيرة بالتعبير القرآنيّ ما كانت لله خالصة هي عمل صالح. الإنفاق على النكاح. والإنفاق على العلوم والمعارف. والإنفاق على التسليح والإنفاق على الإعلام الحرّ. ومسارب الإنفاق لا تحصى. إذ بالمال تقوم الأعمال. كلّ ذلك عمل صالح بالصحيح الصريح من القرآن الكريم. وليس إجتهادا لا من نبيّ ولا من صحابيّ ولا من فقيه أو عالم. بل إنّ الإيمان نفسه هو عمل صالح. دليلي على ذلك قوله سبحانه معزّيا نبيه نوحا عليه السلام في إبنه إذ قال له ( إنه عمل غير صالح) أي أنّ الكفر عمل غير صالح. وأنّ الإيمان وهو ضدّه عمل صالح. بأيّ حقّ إذن نأذن لأنفسنا حصر العمل الصالح في هذا دون ذاك؟ لا شيء عدا الهوى أو الجهل

دع فؤادك يزهر في ربيعه

ذاك هو معنى أنّ الله منّ علينا سبحانه تفضّلا بربيعين لا يغفل عنهما المؤمن الموفّق. ربيع العشر الأواخر من رمضان المعظم بسبب ليلة القدر. وربيع العشر الأوّل من ذي الحجّة الحرام بسبب حرمته أوّلا وبسبب يوم عرفة ثانيا وبسبب شهوده لفريضة الحجّ العظمى. ربيع إقترن بالأمن والسلام لأجل تلك العبادة ولاجل تكريم الإنسان نفسه. ذلك أنّ الإنسان أكرم من كلّ زمان ومن كلّ مكان. وما حرّم بعض الزمان وبعض المكان إلاّ لحرمة الإنسان الذي بوّأه الله سبحانه ليكون سيدا في الكون وليس سيدا عليه كما يهرف الهارفون. هو ربيع لك أن تدع فيه قلبك يزهر كما تزهر الأشجار في الربيع. وما تزهر الأفئدة إلاّ بالعمل الصالح الذي لا يحدّه حدّ. فما كان من أيّ حركة أو سكنة من مؤمن أو مؤمنة في سبيل الله وغير مخالف لمنهج الإسلام ونصوصه ومقاصده فهو عمل صالح بإذن الله سبحانه

إحتفل بربيعك على أنغام هذا البيان السّاحر

أتاك الرّبيع الطّلق يختال ضاحكا ــــ من الحسن حتّى كاد أن يتكلّما

وقد نبّه النيروز في غسق الدّجى ــــ أوائل ورد كنّ بالأمس نوّمـــا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق