اراءاهم الاخباررأي رئيسي

أطفال المسلمين في ألمانيا : بين الصوم والإفطار

هذا تصريح وزيرة العائلة على المستوى الإتحادي الفدرالي في ألمانيا بمناسبة دخول شهر رمضان لهذا العام 1440 هجرية 2019 ميلادية وخلاصته أن الأطفال يجب عليهم الأكل والشرب بإنتظام وإلاّ فإنهم لن يكونوا في يقظة تمكنهم من التعلّم وهذا يسري عليهم بصفة عامة وبطبيعة الحال في رمضان

Bundesfamilienministerin Franziska Giffey (SPD) hat sich kurz vor dem Beginn des muslimischen Fastenmonats Ramadan gegen ein zu strenges Fasten von Schulkindern ausgesprochen. “Kinder müssen regelmäßig trinken und essen, sonst können sie nicht aufmerksam sein, lernen und sich gesund entwickeln. Das gilt generell und natürlich auch im Ramadan”, sagte Giffey der Tageszeitung “Welt” von Freitag.

مشكلة حقيقية تحيّر الآباء والأمهات

سيقت إليّ حالتان في اليوم الأوّل من رمضان لهذه السنة إذ أكرهت إدارة المدرسة بنتين على الإفطار وهما ممن بلغ الحلم ووجب عليه الصوم وتحديدا في ولاية شمال نهر الراين. وجمت في البداية وظللت لبرهة أختار الموقف الشرعي المناسب في هذه الحالة المزعجة ثم قلت للسائلتين : إذا كنتما في وضع لا مناص فيه بين خيارين لا ثالث لهما أبدا البتّة إمّا الإفطار ومواصلة التعلم أو الطرد من المدرسة فإن الموقف الشرعي هنا هو إختيار الفطر بحسبانه أدنى ضررا من الخيار الآخر على ألاّ تتوقف الحالة هنا إذ لا بدّ من عمل جماعي ما يسند بأهل القانون وممثليات المسلمين في محاولة لإثناء المدرسة التي تستند على تصريح الوزيرة على أن هذه الحالة ـ فيما أعلم ـ ليست عامة في كامل ألمانيا بسبب ما في النظام الفدرالي من حسنات وسيئات ودليلي أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وأن التمدرس أولى سيما أن سن الطفولة بالمعيار القانوني سن مؤقتة سترحل يوما ويكون الشاب المسلم في حلّ من القيود التي تطرأ بسبب قيام المدرسة على تجهيز فطور صباحي أو غداء يومي لمنظوريها من التلاميذ وأن العقل هو معرفة خير الخيرين وشر الشرين وليس معرفة الخير فحسب أو الشر فحسب لأن هذا متاح لكل إمرئ مهما كانت درجة حماقته. ولكم إنفعلت بقالة الشيخ الدكتور عبد الله الجديع في قضية أخرى أن هذا إستثناء وليس إستحلالا. والله أعلم

ولكن لا نبرئ أنفسنا

بحسب تجربتي في ألمانيا ( ربع قرن كامل ) تبيّن لي أن كثيرا من مشاكل المسلمين هنا مركبة بين عامل ذاتي وآخر موضوعي. العامل الذاتي هو أن كثيرا من المسلمين ليسوا في مستوى راق وصحيح من الوعي والفهم سواء لدينهم أو لحالات الطوارئ وكيف تعالج وفي صورة الحال فإنه ـ ربما ـ من العوامل التي ذكت الشعور العنصري الحاقد عند كثير من الساسة الألمان والمسؤولين أن كثيرا من المسلمين يحملون أولادهم ـ ذكورا وإناثا ـ على بعض الأشياء التي لمّا تجب عليهم من مثل إختمار الطفلة التي لمّا تحض ومن مثل تعويد الولد على الصوم ولمّا يبلغ الحلم وغير ذلك. هذا السلوك الذي تكرر كثيرا في المدارس حمل المسؤولين من ذوي النزعات العنصرية العدائية إلى ردّ فعل قاس وهو منع كل تلك الأشياء وبيدهم مقاليد القانون وهم أصحاب الموقع الأقوى في هذه الحالات. كثيرا ما يكون سلوك المسلمين حيال أولادهم في مثل هذه الحالات سلوكا يغلب الجانب العاطفي دون غيره وقد وردت السنة دون ريب بمثل ذلك فيما يتعلق بتعويد الطفل على الصيام ولكني لم أر بالتجربة شيئا أفسد علينا كثيرا من تديننا من مثل التعامل السيء من كثير من المسلمين مع السنة وأوامرها ونواهيها التي تكون في الغالب ترغيبات وترهيبات وليس إيجابات ونهيات. ذلك هو معنى أن العلم الشرعي لا يكفي وخاصة في هذا الزمان وهذا المكان حيث تداخلت أشياء كثيرة وإختلط حابل بنابل ولا بدّ من تغذية العلم الشرعي بالموقف الشرعي لأنهما كلاهما متكافلين يشيدان المطلوب منا : أي الكتاب والميزان أو القرآن والحكمة كما ورد ذلك مرات في الكتاب العزيز. النية الحسنة والطوية الطيبة وحدها لا تكفي ولو كانت لتكفي أحدا لكفت الصحابة الذين دعا عليهم عليه السلام لأوّل مرة وآخرها بالقتل ( قتلوه قتهلم الله) بسبب إصرارهم على إفتاء أميرهم بالغسل بدل التيمم فأطاعهم خفض جناح منه فمات. لو كانت العاطفة وحدها تعالج المشكلات لما دعا عليهم المبعوث رحمة للعالمين بالقتل فلا بدّ إذن مع النية الطيبة من العلم. والعلم في الحياة العامة موازنات ومرتبيات وأولويات ومغالبات وتوافقات ومصالحات وليس هو علبة جاهزة لابثة في القرآن أو السنة لا تحتاج منك سوى لأخذها والعمل بها

معالجات لا بدّ منها

ما يقدم عليه كثير من المسلمين من جهة وما يفعله كثير من الألمان من جهة أخرى يسهم كلاهما متكافلين في تغذية مشاعر الكراهية والحنق من لدن أولئك الأطفال الذين يكرهون على الإفطار ضد المجتمع وأهله ومؤسساته حتى وهم يحملون الجنسية الألمانية ووضعتهم أمهاتهم في مشافي ألمانية وما خرجوا من هناك إلا بجواز ألماني أحمر اللون. والخاسر بعد سنوات أو عقود هو المجتمع الألماني نفسه بمسلميه ومسيحييه ويهوده ولادينييه ثم يجلس أخلافنا كما جلسنا ويطرحون هذا السؤال التقليدي : ما هي أسباب العنف وبواعث الإرهاب وإندياح موجات الكراهية المتبادلة؟ وتظل المشكلة دوما هي : تنكبنا للمنهج الأوسط الذي يعالج المشكلات بتوازن وإعتدال وليس بإنحياز من لدن المسلمين إلى الدين فحسب دون مراعاة للواقع ومن لدن غيرهم إلى الواقع فحسب دون إعتبار للدين ولحق الناشئة في التربي على مقتضيات دينها

نبذ المعالجة المتهافتة : بلاد كفر وجب الخروج منها

هذه المعالجات المتطرفة من لدن المسلمين ومن لدن غيرهم معا تقدم على طبق من ورد للمتهافتين منّا هدية بالمجان عنوانها أن هذه بلاد كفر والخروج منها واجب شرعي وهل يجوز لمسلم أن يقيم في بلد ـ حتى لو كان بلده الأصلي كابرا عن كابرـ يمنع فيه ولده الذي بلغ الحلم من القيام بركن من أركان الإسلام أي الصوم؟ عند العقول البسيطة أحادية البعد يكون هذا مبررا كافيا إما لشن حرب من التفجيرات والكراهيات ضد المجتمع الألماني ومؤسساته أو للهجرة من ألمانيا. وذلك هو معنى أن العلم الشرعي وحده لا يكفي فلا بدّ من موقف شرعي وأن القرآن وحده لا يكفي فلا بدّ من الميزان والحكمة

فما هو البديل إذن؟

أوّلا : كف الأولياء عن حمل أولادهم على الصيام والخمار وغير ذلك ما لم يكونوا مطالبين بذلك شرعا وبحسب السن المعروفة وحمل الترغيبات النبوية على قدرها الترغيبي فحسب لا تتجاوزه من ناحية وعلى ظروف أخرى كانت متاحة للمخاطبين ولم تعد اليوم لنا متاحة من ناحية أخرى

ثانيا : لهم ذلك إن أرادوا خارج أوقات الدوام المدرسي في عطل آخر الأسبوع و غيرها نبذا للإصطدام مع المؤسسة حتى لو كان الذين يديرونها يبحثون عن فتيل يشعلون به النيران إذ أن واجب المسلم إطفاء النار وليس إيراؤها

ثالثا : فهم الإسلام فهما صحيحا جمعا بين الشرع والواقع وبين العلم الشرعي والموقف الشرعي وبين الحكمة والقرآن والكتاب والميزان سيما في القضايا العامة المتصلة بالآخر وتحولات الزمان والمكان

رابعا : توحيد الصف الإسلامي ورصه بمختلف تنوعاته العرقية والمذهبية واللسانية بغرض تكوين حلف إسلامي قوي يجمع إليه أهل الحكمة من المجتمع غير المسلم نفسه ومزودين بالقانونيين والمختصين من كل فن ومعالجة المشكلة قضائيا من جهة وإعلاميا من جهة أخرى وعبر الممثليات المسلمة على تعددها هي الأخرى بما يضعف الجانب المسلم والمقاومة على هذا الدرب والصبر عليه حتى تتحول الأمور بعد سنوات إلى معالجات أليق بالمجتمع كله. أما التباكي المفرد وصب جامات الغضب على الآخرين فلا يثمر عدا إمتلاء الصدور بالضغائن والأحقاد والكراهيات والنتيجة كما ذكرت إما عنف متبادل أو هجران وهذا ما يسعى إليه المتطرفون منا ومنهم على حد السواء

ولعل الإنتخابات الأوربية وهي على الأبواب تكون مناسبة لرص الصف المسلم وعقد صفقات إنتخابية مع الأحزاب التي تعد بالعمل على حمل الهموم الإسلامية إلى أعلى مؤسسة سياسية وتشريعية في أروبا. ذلك هو الطريق وكل طريق سواه يصب في مصلحة السلفية المتهافتة أو في مصلحة اليمين الأروبي المتطرف

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق