اراءاهم الاخباررأي رئيسي

أطفال السّويد بين شرّين

 

نشبت مشكلة (أطفال السّويد) في الأسابيع الأخيرة بين الدّولة ومجموعات من الأسر وأسالت حبرا وإختلفت فيها الآراء. وليست السّويد وحدها من الدّول الأوربّية ممّن تنصّ تشريعاتها على حماية الطّفل من أسرته إذا تبيّن أنّه لا يلقى الرّعاية اللاّزمة. في ألمانيا مثل ذلك. وأعرف حالات معرفة دقيقة. ربّما تفجّرت المشكلة في السّويد بسبب عدد الأطفال الذين تعرّضوا لمثل ذلك في ما يشبه الحملة. إختلاف الآراء في مثل هذه القضايا إختلاف منظور. إذ يغلّب كلّ كاتب زاوية على غيرها بحسب ما وقر فيه أو توفّر له من معطيات. هذه قضية مركّبة مثل قضايا أخرى كثيرة. مشكلة كثير من النّاس عند معالجة القضايا المركّبة هي إعمال النّظرة الجزئية وتضخيم الزّاوية التي ينظر منها. الدّين هنا لا يكفي. إذ هو نفسه يأمر بالحكمة وإعمال الميزان. سيما أنّ الدين هنا لا يعالج القضية بنصوص جزئية أو أحكام قطعية. إنّما بقيم وكلّيات ومقاصد إذا روعيت حقّ الرّعاية فإنّها تثمر خطّة للمعالجة. وممّا بثر من هذه المعالجات ما تعرّض له الشّيخ الدّكتور خالد حنفي من بعضهم من هجومات بالمجّان وصل بعضها إلى حدّ تخوينه وقذفه بالولاء لغير ما يوالي المسلمون. أبدى الشّيخ الدكتور خالد رأيه في القضية بمثل ما فعل كثيرون. ولم يدّع لنفسه ـ ولم يدّع له ـ أنّه جاء بالخطاب الفصل. وهذا من حقّه. بل من واجب فقيه في وزنه من فقهاء أوروبا. وكان يمكن مراعاة حقّه في الإختلاف الذي هو سنّة إلهية إكتشفها النّاس وليس هم من صنعوها. وكان يمكن تقدير سابقة الرّجل وباعه الفقهيّ وعمله غير المجحود في أروبا ضمن مؤسّسات علمية ودعوية عريقة ومعتبرة. أمّا الطّعن في فقهائنا ـ وقد خلا زماننا منهم خلوّا عجيبا وخاصّة في أروبا والغرب بصفة عامّة ـ فهو لا يليق بنا. وقد أمرنا شرعا بتقدير العلماء (ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقّه). هذا الرّجل مقامه مقام الفقيه لمن يعرف معنى الفقيه. إذ ليس هو خطيب ككلّ خطيب ولا حافظ ككلّ حافظ أو عالم ككلّ عالم. هو فقيه أصيل ومعاصر ومقاوم. وعندما تجتمع في عالم هذه المزايا فإنّ مناسيب التّقدير حياله ترتفع. لمن يكون مواليا؟ لدولة مصر التي تلاحقه هنا في أروبا وتلفّق ضدّه التّهم؟

لا خير لا في تربيتنا ولا في سياستهم

كثير منّا مازال يخضع لأعراف عربية وتقاليد بالية إستجلبها من بلاده الأمّ ظانّا أنّها هي الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. من ذلك أنّ كثيرا منّا يكره إبنته على الإختمار حتّى وهي دون سنّ التّكليف أصلا. بل ربّما على الإنتقاب الذي لا صلة له شرعا لا بالواجب ولا بالسنّة إلاّ عادة أو مباحا يقيّد كما يقيّد كلّ مباح. والرّأي عندي أنّ الحياة في أروبا سيما في هذه الأيّام مقيّد من مقيّدات الإنتقاب لمن يفقه الجمع بين دينه وعصره. وكثير منّا يكره ولده على الصّيام في رمضان أو يلحّ عليه إلحاحا شديدا في ذلك وهو دون سنّ التّكليف. وكثير منّا يكره إبنته على نكاح من لا ترضاه لها زوجا. وبعضنا يعقد عليها وهي دون السنّ القانونية المعمول بها في القانون الأروبيّ. كلّ هذا لا أساس له في الدين. وحتّى لو عمل به بعض الفقهاء فهو إجتهاد منهم يصيبون فيه ويخطؤون. وليسوا هم حجّة على الدين. إنّما الدّين هو الحجّة البالغة الباقية على النّاس أجمعين. عدم إنكاح البنت قبل السنّ القانونية ـ وليس سنّ البلوغ ـ أوفى للإسلام وأليق. ألم يأمرنا النبيّ الكريم عليه السّلام بالتّفريق بين الأبناء ذكورا وإناثا على حدّ سواء في المضاجع سيما إذا بلغوا أو أوشكوا على ذلك؟ ألسنا نحشرهم في المضاجع حشر الأنعام؟ نحن قوم حبّب إلينا التشهّي في الدّين. إذ نأخذ منه ما يلائم التّقاليد والأهواء في جوانب كثيرة وندع ما يصطدم معها إلاّ قليلا منها ومنّا. نحن قوم أسأنا فهم الإسلام. ومن أمثلة ذلك أنّنا فهمنا آلة الضّرب الواردة في القرآن حال النّشوز وفي السنّة مع الطّفل أنّها واجبة أو مستحبّة. ولم نفقه ذلك أنّها وسيلة تخييرية. بل هي أدنى وسيلة يلجأ إليها العاجزون. ولذلك قال عليه السّلام : ولن يضرب خياركم. ألا ينسحب هذا على ضرب الطّفل كذلك؟ تجد الوالد يدخّن السيجارة في بيته بحضرة ولده ويكشف فخذه أمامه ويشتم أمّه وبقية إخوانه ثمّ يضربه لأنّه فرّط في صلاة حتّى وهو ليس مكلّفا بها شرعا لصغر سنّه. ومثل ذلك أو بعضه تأتيه الأمّ. كثير منّا يدين بالعادات التي تفضّل الذّكر على الأنثى. إذ الأنوثة لعنة في عاداتنا. ومن واجبها خدمة أخيها. جهلنا في قضايا التّربية جهل مريع. وبضاعتنا مزجاة. وفقرنا فيها مدقع. لا نميّز في الذّكر الحكيم بين الكافر المقصود لكفره والكافر المقصود لظلمه كما بيّن ذلك الفقهاء ومنهم إبن تيمية. وفي الآن نفسه نخوض حربا ضارية دفاعا عن إبن تيمية. ليس لنا من علوم الدّين عدا القشور التي لا تغني من جوع ولا تسمن. لا نتردّد في أكل أموال النّاس بالباطل زاعمين أنّهم كفّار أحلّت لنا فروجهم ودماؤهم وأعراضهم. فإذا كان المال على ملك الدّولة فإنّ الإجماع عندنا أنّ أكله واجب موجوب. والثّواب عليه مطلوب. لا نميّز بين واجبات الإسلام وفق سلّم الأولويات ولا مثل ذلك بين المحرّمات وفق السّلم ذاته. لا نحسن عدا تصنيف النّاس : هذا سلفيّ وهذا صوفيّ وذاك إخوانيّ والآخر أشعريّ فاسد العقيدة. ونظلّ نتلهّى فيما نهينا عنه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). نقدّم حفظ القرآن الكريم على الواجبات المدرسية لأبنائنا وبناتنا. وكأنّ القرآن الكريم ينهى عن العلوم والمعارف الكونية التي بها صنع العدوّ ساحقات ماحقات راجمات بها يدكّ أرضنا ليل نهار. نحيا في أوربا بمعيار المخاتلة والغشّ كأنّنا لصوص. فإذا وقعنا في فخاخ القانون الماضي على النّاس كلّهم صرخنا ملء عقيراتنا وتقمّصنا دور الضّحية المظلوم. بل نريد إقامة خلافة إسلامية على منهاج النّبوّة في قلب أروبا؟ يا للغباء ويا للحماقة؟ أألله أمركم بذاك أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ بيوتنا في جزء كبير منها خاوية من روح الإيمان فلا تمتلأ إلاّ بالإطارات الحاملة لإسم الله وإسم نبيّه عليه السّلام والبسملة وبعض الآيات وبذلك نظنّ أنّ البيت محصّن ضدّ الشّيطان

معالجات أروبية ردئية

ولكنّ كلّ ذلك لا يبرّر ما تقوم به الدّول الأروبية ـ والعيب في التّشريعات ذاتها ـ إذ تعالج حالات الإهمال للأبناء أو سوء معاملتهم بمعاملة مثلها سوء أو أشدّ. المآوي التي يقاد إليها هؤلاء الأبناء مجهّزة من النّاحية المادية كأحسن ما يكون التّجهيز. ولكنّها من النّاحية الروحية والنفسية والثقافية تغرس في الطّفل مشاعر الإنتقام ضدّ أسرته ودينه وثقافته وأصوله. جزء من هذه السياسة من لدن بعض الدول الأروبية وتشريعاتها مقصود دون ريب. كان الأجدر بتلك التّشريعات ومنفّذيها التعويل على حلقة وسطى بين الأسرة المهملة لأبنائها وبين تلك المآوي. من ذلك على سبيل المثال توسيط المجالس العليا التي تمثّل المسلمين في تلك المدينة أو القرية أو البلاد. إذ هؤلاء عادة ما يكونون أولى بمعالجة المشاكل ذات الطّبيعة الدينية. كان الأجدر أن تنشئ الدولة في كلّ مدينة مجلسا خاصّا بمعالجة هذه المشكلات. مجلس يتكوّن من متخصّصين في علوم النّفس والإجتماع ومن ممثّلين عن تلك المجموعات بحسب دينهم وأعراقهم. كان الأجدر إيواء أرباب تلك العائلات المتّهمة بالإهمال إلى مراكز يتعلّمون فيها من الأئمّة الموثوق بهم علما وخلقا قيم الإسلام في التّعامل مع الطّفل والمراهق. حتّى لو جنحت تلك التّشريعات إلى تسليط عقوبات مالية ضدّ أولياء تلك العائلات المتّهمة بالإهمال فهو أولى من إيواء الطّفل إلى مراكز يطيب فيها عيشه ماديا ولكن في مقابل ذلك تضنك فيها حياته الرّوحية. إذ أنّ الرّسالة إليه هي : أسرتك التي تدّعي الإسلام لا تقيم لك وزنا. بل إنّ الرّسالة قد تكون أخطر وهي أنّ دين أسرتك ذاته لم يعد يلائم العصر. إضمار شيء من السّوء من بعض التّشريعات ضدّ الإسلام لا يخفى دون ريب. وفي كلّ الأحوال فإنّ مراعاة هوية الطّفل في تلك المآوي جزء مهمّ من العلاج

من أجل معالجات هادفة

لعلّه من الأوفق لمعالجة مثل هذه الحالات التي لن تغيب عن حياتنا العائلية بسبب موروثات معروفة تعاون المسلمين أنفسهم في كلّ مدينة على توفير محاضن دافئة يتحصّن فيها الطّفل نفسه من سوء محتمل من عائلته. ومحاضن أخرى يتلقّى فيها الآباء أنفسهم والأمّهات قيم الإسلام الأصيلة الحقيقية المطلوبة في شؤون التّربية ومعالجة حالات النّشوز والتّأثّر بالمحيط وقبل ذلك التحوّط من وقوعها. لا مناص من إنشاء جمعيات قانونية خاصّة بمثل هذا. ولا مناص للأئمّة من التّحريض على ذلك والمساعدة عليه وعرض تلك المبادرات نفسها على إدارة المدينة التي لا أظنّ أنّها تلغيها من الإعتبار. إذ لا مصلحة لها في إنشاء مآوي والصّرف عليها. الدّولة الأروبية التي تعوّل على المعالجات الحارقة فحسب لن تجفّف من منابع هذه المشكلات إذ هي تتقمّص دور الشّرطيّ فحسب. والمجموعات الإسلامية المتفرّقة بدون أيّ رابط تكافليّ لحماية النّاشئة ومعالجة أكبر تحدّي إسلاميّ أروبيّ أي تربية الطّفل ومعالجة المراهقة هي نفسها تظلّ معرّضة لمثل تلك الحملات. وبذلك تنمو الخصومات وتغيب قيم المواطنة وتنتفخ الشّاحنات ضدّ الدّولة وضدّ كلّ ما هو مخالف وكلّ ذلك آثاره النفسية وخيمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى