أخباراهم الاخباررأي رئيسي

آيا صوفيا : رصاصة الرّحمة على ( تأورب) تركيا

ألا ما أمضى هذا القانون : وتلك الأيّام نداولها بين الناس

في عام 300 للميلاد نجح الرّوم في الإنقلاب على المسيحية الحقيقية التي جاء بها النبيّ عيسى عليه السلام متحالفين مع المرتدّين عن العقيدة التوحيدية من رجال الدّين أنفسهم ضمانا لمصالحهم في الدولة الرّومية من جهة. وبتحالف مماثل مع أضرابهم من اليهود الذين سبق لهم الإرتداد عن الإرث الموسويّ التوحيديّ من جهة أخرى. إجتمعوا في مؤتمر ( نيقية ) لتحريف ما دوّنه الحواريّون عن النبيّ عيسى عليه السلام وأصدروا العهد الجديد الذي يكون فيه عيسى هو إبن الله سبحانه ولتقوم في الأرض منذ الأزل ديانة التثليث الإلهيّ الذي يملأ الدنيا اليوم على أساس أنّ عيسى عليه السلام صلب. وقامت حضارة الصليب في أمريكا وأروبا وغيرهما. وبذا قبرت التوحيدية الخالصة التي جاء بها موسى وعيسى عليهما السّلام إلى الأبد. وظلّ الإسلام ( ثالث الدين السّماويّ) يرفع لواء التوحيد الإلهيّ الصافي مقاوما في وجه الدنيا كلّها والدين كله. وبعد زهاء قرنين ونيف أخرى أي في عام 537 ميلادية عزّز ذلك الإنقلاب بتشييد أكبر كنيسة أرتودوكسية في العاصمة البيزنطية الرّومية نفسها التي تحمل إسم كبير رجال الدين ( قسطنطين) أي ( القسطنطينية) التي هي بمثابة الكوفة ودمشق وبغداد في التاريخ الإسلامي الغابر. أي تكتنز الرّمزية العظمى. وبذلك أثخنوا في الأرض إثخانا. كلّ ذلك قبل البعثة الإسلامية الأخيرة بخمسة عقود فحسب. وفي عام 1453 ميلادية حوّل القائد الشاب محمد مراد الملقّب بمحمد الفاتح تلك القلعة الدينية إلى مسجد وذلك بعد أن فتح المسلمون تلك القلعة الرّومية الدينية العظمى في الأرض أي القسطنطينية بعد حصارات وتراجعات دامت عقودا. ثم تنهار تلك الخلافة الإسلامية الأخيرة في الأرض لتتسلم قيادها علمانية عاتية شرسة بقيادة مصطفى كمال الذي ثأر لقسطنطين ضد خصمه محمد الفاتح بتحويل المسجد إلى متحف في حركة نفاق أنه على مسافة واحدة من الأديان. وكان ذلك عام 1934. وتأبى الأيّام إلاّ أن تسير وفق سنّتها المرسومة أي سنّة المداولة وتعود الكنيسة الأرتودوكسية في هذه الأيام من شهر ذي القعدة الحرام من عام 1441 هجرية ( 2020) ميلادية إلى مسجد على يد الفاتح الجديد : رجب الطّيب أردوغان. تلك هي العبرة العظمى لأهل العقيدة الإسلامية : الأيّام أقدار مقدورة لا تقرّ على حال إنّما هي بين الناس متداولة. بعد ثمانية عقود ونيف وفي حركة سياسية رمزية تشرق آخر حصن للإسلام ( عاصمة آخر خلافة التي سمّاها فاتحها : إسلامابول) بنور ربّها. ولكنها ليست نهاية التاريخ كما يزعم ( فوكوياما) إنّما هي صفحة من صفحاته ستشهد يوما صفحة جديدة

إنهيار أمل أم فرض خيار

مذ عرفت الدنيا قبل ستة عقود وأنا أعيش على وقع التجاذب بين تركيا التائقة دوما إلى الإنضمام إلى الإتحاد الأروبي وبين أوربا التي تتمنع وتتأبّى وأحيانا بصراحة وقحة منها تصريح الرئيس الفرنسي الأسبق ( فاليري جسكار ديستان ) الذي قال قبل عقود طويلة أنّ أوروبا ناد مسيحيّ. في إشارة إلى أنه لا سبيل إلى ضمّ تركيا مادامت تعيش حركة إسلامية صاعدة يقودها المهندس المؤسّس نجم الدين أربكان عليه الرّحمة. ونسج على المنوال ذاته المستشار الألمانيّ الأسبق ( هلموت كول ) قبل سنوات طويلات وبالتعبير نفسه تقريبا. ومعلوم أنّ أروبا هي فرنسا سياسيا وألمانيا ماليا. ولمّا أنشأ المرحوم أربكان لأوّل مرة بعد إنهيار آخر خلافة إسلامية السوق الإسلامية المشتركة مع ماليزيا وأندونيسا أوصد الباب بالكلية من الجانب الأوروبيّ. فلمّا صعد الفاتح الجديد ( رجب الطيب أردوغان ) إلى السلطة عضّ الأربيون أناملهم على أيام خاليات تبوّأت فيها تركيا مقام الإنضمام إلى أكبر حلف عسكريّ في الأرض أي الناتو ومشاركتها في الحرب العالمية الثانية. الحقيقة أنّ التجربة التركية بقيادة أربكان أوّلا ثم تلميذه الفاتح الجديد ثانيا هي نفسها التجربة الألمانية واليابانية من الناحيتين الدينية والإقتصادية. إذ حافظ هؤلاء جميعا على الإنتماء العقديّ من جهة وعلى نحت إقتصاد صحيح مثمر يغالب الأزمات ويقاوم التحديات من جهة أخرى. عدا أنّ الأقلام التي تكتب عن الأسطورة الألمانية واليابانية تحدت الأغلال فكتبت. في حين أنّ الأقلام الأخرى أغمدت نفسها بنفسها. الخلاصة هي أنّ الفاتح الجديد أنهى الأمل في الإنضمام إلى الإتحاد الأروبيّ. وهي مبادرة تحسب له هو. إذ هو من أخذ زمام المبادرة ولم يترك نفسه في وضع الطرد أو النبذ أو الإهانة متجها إلى خياره الوطنيّ. وها هو اليوم يشقّ ببلاده طريق الرّفاه بكلمته التي ما آن للمسلمين وقياداتهم إبتلاعها لمرارتها ( أنا رئيس مسلم أقود جمهورية علمانية ). من يجرؤ على هذا التصريح ( الكافر)؟ لا يجرؤ عليه عدا من تشبّع بفقه المحلّ وفقه المآل وفقه التوازنات والأولويات ومراتب الأعمال. ذلك هو الفقه السياسيّ المطلوب التي تنكبه إخوانه من القادة وزاد ظهور السلفية الطين بلة وبشقّيها المتضادين في المربع ذاته : السلفية المدخلية والسلفية الجهادية

العبرة للقيادات الإسلامية لو أنّها تعقل

الفقه التركيّ اليوم يقود عقل الأمة. يقوم الفقه التركيّ ـ أبناء أمير الفقهاء الأكبر الحبر الأعظم أبي حنيفة عليه الرضوان ـ على هذه الصناعة العلمية التي طحنتها مدونتنا الفقهية طحنا ودرستها درسا : الحياة الإسلامية هي ( نصّ مجرّد لا مناص من إستخراجه من مظانّه وهي الكتاب والسنة ولا شيء عداهما + علّة أو مقصد لا مناص من حسن فهمه إذ هو متلبّس بنصّه الأوّل لزوما ودورانا معه وجودا وعدما + تحقيق لذلك في عالم الواقع من بعد تلمّس حسن المآل وتحمّل المحلّ ). ذلك هو الفقه السياسيّ الذي أخذت به المدرسة الحنفية التركية المعاصرة. وليس ذلك حكرا على تلك المدرسة لا غابرا ولا حاضرا. إنّما البكاء المرّ على الفقه الواعي المعاصر الذي يتبع الوحي ولكن بإحسان وليس بتقليد من جهة وينظر في التاريخ الفقهيّ والتراث السياسيّ للأمة ناقدا لا في وضع السمع والطاعة من جهة أخرى. ذلك هو الدرس الغالي الذي على القيادات الإسلامية الشعبية والرسمية إستيعابه. إذ الدنيا مبسوطة وفق قانون ماض لا يحابي ( كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك). أمدّ الله سبحانه أوربا وأمريكا بالقوة إذ إلتمسوا الدنيا بسننه هو وليس بسنن غيره. وهو الآن سبحانه يمدّ تركيا وماليزيا بالقوة ذاتها إذ إلتمسوها بمثل ما إلتمسوها. ها هو ينجز وعده سبحانه. أليس هؤلاء كفّار؟ أليس أولئك مسلمون؟ أنّى يسوّي بينهما في عطائه؟ تلك هي سنته. فهل وعينا سنته؟

مات القلب وألحد الجناح الأيسر والأمة بجناح واحد

من أروع ما قرأت قديما ـ عدا أنّ الدكتور أبا يعرب المرزوقي ( الفيلسوف التونسيّ الشهير) إقتبس الكلمة فظنّ الذين لا يقرؤون أنه هو صاحبها ـ أنّ الأمة الإسلامية : قلب ( هو الأمة العربية التي حملته أوّل الحمل ). وجناحان. جناح غربيّ هو الأمة التركية ( وتسمّى قديما الجناح العسكريّ لأنها هي من حملت الإسلام ونصرته عسكريا سيما من بعد إنهيار الملك الأمويّ ). وجناح شرقيّ هو الأمة الفارسية ( التي كانت تسمى قديما : قلم الأمة بسبب إنتصارها للإسلام بالقلم). تلك هي الأمة في التاريخ. قلب عربيّ ترك مكانه فتكلّس وضعف وإندحر. وجناح فارسيّ ألحد أي مال إلى الطائفية البغيضة فلا خير فيه إن ظلّ كذلك. وجناح تركيّ ظلّ هو الأوفى للإسلام وأمته. إذ حمل الأمانة من بعد إندحار العرب وأثخن في الأرض خمسة قرون كاملات إذ فتح القسطنطينية وأعاد للأمة مجدها. وها هو اليوم يعود متبّرا ما شيده مصطفى كمال تتبيرا. تلك هي الأمة : قلب وجناحان. حاضرها اليوم : جناح واحد يحاول الإقلاع. ولكن لن يقلع حتى تعود الحياة إلى قلب الطائر الإسلاميّ العظيم ويفيء الجناح الفارسيّ من الطائفية المذهبية والسياسية القذرة متكافلا مع شقّه الغربيّ وحاميا قلبه النابض. الدرس الذي ما آن لأكثر المسلمين اليوم إستيعابه هو أنّ التضحية بالجناح الفارسيّ حتى هو لاحد مائل منشقّ هو قتل للطائر نفسه. إذ أنّ التاريخ لا يتغير. لأنه مضى وإنقضى. ولست أنت من تعيد نحت الأمة. وأنّ التجنّد لتغذية الجناح التركيّ واجب الوقت. إذ أنّ بقاء جناح فينا واحد على الأقل يطرف خير لنا من الموت. وأنّ القلب العربيّ الذي هو بالميزان الكمّي لا يساوي أكثر من ربع الجسم الإسلاميّ كلّه جدير بحياة جديدة. ولا يمكن بحال أن يتقمص أحد الجناحين منزلة القلب ولا يمكن بحال أن يقوم القلب بوظيفة أحد الجناحين. إمّا أن يكون الإقلاع من بعد حياة بتلك التراتبية ( قلب عربيّ وجناح تركيّ وجناح فارسيّ ) وإمّا فإن كلّ محاولة فاشلة

العمق التركيّ

الأمة التركية ليست في تركيا فحسب. إنّما العمق التركي متوغّل في منطقة البلقان وما حولها بكثرة. وذلك بأثر من الخلافة الإسلامية الأخيرة التي توغلت في تلك المناطق وترّكت القبائل والشعوب والمجتمعات لسانا وفتحتها دينا. ومن ذا فإنّ العمق التركيّ لا يقل أهمية عن العمق العربيّ إستراتيجيا. أمّا نسبة العجم في الأمة فإنها ـ كما مرّ بنا آنفا ـ تحتل ثلاثة أرباع تقريبا. وهؤلاء أدنى إلى الإلتحام بالنجاجات التركية الصاعدة. وهو عمق يتحرر منذ سنة 1989 شيئا فشيئا. أي من بعد ظهور الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الإتحاد السوفييتيّ. وهي منطقة واسعة شاسعة غنية وإستراتيجية. و هي محلّ تقايضات وحروب صامتة إقتصادية وإستراتيجية وعمرانية ( ديمغرافية ) بين تركيا وبين روسيا. ولكن الناس لا يشهدون بعض أصداء ذلك عدا في مخلفات الثورة السورية والثورة الليبية. تلك صفقة رابحة على كلّ المستويات العقدية والمالية. وذلك هو العمق التركيّ الأكبر. وهو عمق الأمة الإسلامية. وتقود تركيا قنطرة إعادة اللحمة والترابط بين المكوّنين الإسلاميين : العرب والعجم. بخلاف الجناح الفارسيّ الموغل كما نرى جميعا في تأسيس طائفية حقود

وإقترب الوعد الحقّ : فتح رومية

ثبت أنه عليه السلام بشّر المسلمين بفتح مدينة هرقل. أي القسطنطينية. بل ثبت أنه بشر انها تفتح أوّلا. وفعلا فتحت بإذن الله. ولكنّها شهدت ما يشبه الإحتلال الجديد. أي فرض العلمانية اللائكية الأتاتوركية المتطرفة جدّا. أظنّ أنّ هذا الفتح الجديد الذي أكرم الله به سبحانه عبده الفاتح الجديد ( رجب الطيب أردوغان ) هو إستكمال لذلك الفتح الأوّل على يد الشاب المجاهد محمد مراد. كما أظنّ أنّ هذا الفتح الجديد لن تكون بعده نكسة حتى يتحقق الوعد النبويّ الملازم. أي فتح رومية. ولم يعد هناك اليوم ريب في أنّ الفتح الجديد لرومية هو فتح بالكلمة. وليس فتحا بالسّنان. جاء الفتح الأوّل لمدينة هرقل بالسّنان ثم إنتكس ثم أعيد الفتح بالكلمة تكافلا بين المؤسس أربكان والفاتح أردوغان وإرهاصات فتح رومية لائحة في الأفق لا تخطئها عين منصفة. الفتح في القرآن كما ورد في سورة الفتح المدنية هو تحديدا وعلى كلّ وجوه الدقّة هو إزالة الحواجز المادية في وجه كلمة الإسلام أن تنداح دعوته ليؤمن من أراد عن بيّنة ويكفر من كفر عن بيّنة. وذلك هو مراد الله سبحانه. إذ ليس مراده إيمان كلّ الناس ولا كفر كلّ الناس. إنّما مراده كلّه سبحانه هو مقاومات المسلمين لأجل إزالة العوائق الحائلة دون سماع الناس كلمة الإسلام. أي أنّ الفتح في المعيار القرآنيّ الصحيح وبلا أيّ مواربة عندي ولا هوادة هو إنفتاح الأبواب لكلمة الإسلام. فإذا زالت الحواجز وذهب الخوف تبيّن الناس الرشد من الغيّ. وعندها يكون مراد الله سبحانه قد تمّ وهو غالب على أمره

هي حركة سياسية رمزية

آيا صوفيا : حركة سياسية رمزية ذكية من لدن الفاتح الجديد : رجب الطيب أردوغان. وإلاّ فإنّ الناس في إسطنبول لا يعدمون أين يصلون. كيف لا والفاتح الأوّل الأعظم عليه السلام قال : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؟ السياسة حرب ساحتها الرمزيات والحركات الإعتبارية. وليس حركة العضلات أو قوة السّنان. السياسة هي سلاح الضعيف والمستضعف لمن يجيد الفقه عن الله ورسوله عليه السلام. فيا حسرة على المسلمين إذ يفرّون إلى الكهوف زعما أنّ السياسة عمل المنافقين. ويا حسرة عليهم إذ يقرؤون لكلّ ناعق إلاّ تدبرا في القرآن والسنة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق